Friday, January 16, 2009

دعوة للسياحة الشعبية

حين تتكاثر مظاهر انكفاء جماعة على الذات، يتبلد إحساس أفرادها بالحياة، يفقدون متعة البحث عن المعرفة ويتوقفون عن الأمل فى التغيير، هكذا يصبح السفر فى المكان عبر الجغرافية والسفر فى الزمان عبر التاريخ ضرورتان من ضرورات بعث وتقوية انتماء تلك الجماعة لوطن بعينه فى زمان بعينه.

مصر بلد كبيرة، مساحتها مليون كيلومتر مربع، يسكنها أكثر من خمسة وسبعين مليون إنسان، تاريخها الطويل مع تتابع الحضارات جعلها مليئة بالقيم والأصول، وجغرافية أرضها مع سواحلها جعلتها مليئة بالخيرات، هكذا أصبحت مصر بلد تاريخ وجغرافية، لكن الواقع الاقتصادى والاجتماعى للمصريين المعاصرين جعلهم يعيشون فى بقاع متناثرة ضعيفة الروابط، ففى مصر أهل الصعيد وأهل الدلتا، وفى مصر أهل الواحات وأهل الصحارى، وأصبح كثير من المصريين لا يعرفون مصر، ليس ذلك بسبب الفقر الاقتصادى بل بسبب غياب الوعى الثقافى بأهمية الرحلات.

منذ سنوات، أكثر من خمسة وثلاثين عاما، قمت بزيارة كثير من أرجاء مصر فى رحلات شبابية قليلة التكاليف على طريقة الأتوستوب، المواصلات مجانا ومعظم الطعام والمبيت مجانا، احمل حقيبة ظهرية بسيطة ومعى ورقة رسمية من نادى شباب انتمى إليه تطلب ممن يهمه الأمر تسهيل رحلاتى، على بداية الطريق أقف عند نقط المرور، عادة ما ينجح رجال المرور فى التوسط لدى سائقى السيارات ويحملونى معهم مجانا لمسافات على الطريق، وعند أول تجمع سكانى أحاول الاتصال برواد مركز الشباب فى ذلك التجمع، انزل ضيفا عليهم واحكى لهم عن رحلاتى، نتبادل المعلومات والألفة والصداقات، كانت الناس فى زمان رحلاتى يعالجون دواعى الأمن المتعلقة بقدوم ومغادرة الغرباء بطريقة مختلفة، كانت المساجد وبيوت الشباب ودور الضيافة مفتوحة للجميع، كان الغريب هو ابن سبيل يحاط عند قدومه بالرعاية ويقابل بالكرم، كانت الناس أكثر ثقة بأنفسها وأكثر تعبيرا عن قوة الجماعة، وكانت الدولة أكثر حضورا بين الجميع.

بعد سنوات من رحلاتى على نفس الطريقة الفردية، قامت جماعات دينية برحلات جماعية تحمل نفس الأسلوب مع اختلاف النوايا بيننا وبينهم، هم يحصرون همومهم فى أنشطة يزدادوا بها انعزالا عن الوطن، ونحن مشغولون باكتشاف حبائل التواصل مع كل الوطن.

نحن الآن فى مصر نعانى أوضاعا ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية يؤدى تفاقمها إلى تحلل الانتماء القومى لدى كثير من المصرين، نعانى رجوعا عن كثير من قيم العمل الجماعى، تقتلنا العودة إلى دوائر الانعزال والتقوقع، هكذا أصبحنا بحاجة ماسة إلى ما يدعم انتمائنا إلى أرضنا وزماننا، ولأن الرحلات الجماعية البسيطة والمنظمة يقوم بها الإنسان داخل وطن هى جزء من أدوات بعث الانتماء لهذا الوطن، أصبحنا بحاجة ماسة إلى مشروع قومى يناصر فكرة قيام جموع من المصريين برحلات سياحة شعبية قليلة التكاليف، هدفها أن يلمس المصرى أرجاء مصر بجسده، ويشوف واقعها بروحه، ويفكر فى مستقبلها بعقله، هكذا نطرق أبوابا موضوعية من أجل أن فنحيا أكثر حبا لأرضنا وأكثر حبا لتاريخنا وأكثر حبا لأهلنا، وأكثر رغبة فى بناء مصرنا العظيمة.

تنفيذ هذا المشروع يحتاج لجهود واعية من مصريين، أفرادا ومؤسسات، يحبون الكشف والعمل الجماعى ولا يضجرون من الرحلات، يعملون تحت شعار (لكى نحب مصر لازم نشوف مصر)، يرتفعون فوق مستوى رحلات تجزئة المصريين إلى انتماءات متواضعة تتمثل فى رحلات قطار الشباب ورحلات الجماعات الدينية ورحلات الأسر الطلابية.
إن دراسة الجدوى الاقتصادية والاجتماعية لمشروع السياحة الشعبية يشير إلى أن نظام رحلات عمال التراحيل هو الأقرب عمليا للتنفيذ، فعمال التراحيل كشافة شعبيون، فقراء يرحلون ويكسبون.
المقال نشر فى مجلة المصور – الجمعة 16 يناير2009م

Post a Comment