Sunday, January 18, 2009

ورم خفيف

منذ شهور امتطى الشّيب بعض شعيرات فى رأس زوجتى الطيبة، فاندفعت الغلبانة تجرب ما أتيح فى عصرنا من تكنولوجيا كى تخفى الشيب وتبدو أمام الشّامتين امرأة متألقة.

أصرت إعلانات تلفزيون وزارة الأعلام على أن التألّق والجمال يكمن فى استخدام تكنولوجيا صبغة حنّاء للشعر تجعل من فتيات الإعلانات مطمعا شخصيا لكل الرجال، وتبعث فى قلوبهم تآمراً على جمال زوجات الآخرين، وترمى فى رؤوس زوجاتنا بقرارات حاسمة لشراء تلك الصبغات.

تخابثت وزارة التجارة، فتركت الحرية لصانعى الإعلانات، وتغاضت عن رشاوى تتساقط فى أيدى مفتشين منوط بهم رقابة الأسواق، ولم تتحرك أية جمعية لحماية المستهلكين من فساد بضائع فى الأسواق، وفى يوم موعود عادت زوجتى من السوق فرحة ممسكة بسرَّ الأنوثة، علبة فخمة بها حنّاء تلفزيونية مصبوغة، وانتبذت ركنا فى البيت تعجن فى شعرها سرَّ التألق والأنوثة.

عدت لبيتنا للمرة المليون خالى الوفاض من وصال أرجوه بفتيات إعلانات التلفزيون، وحين أقبلت على زوجتى العادية رأيت رأسها قد تورم واختفت عيناها وانتشرت البقع الحمراء فى وجهها، هكذا طار الوصال بيننا واضطررنا للتعامل مع أطباء وصيادلة خاضعين لإشراف وزارة الصحة أكدوا أن تورّم الرأس والجفون والأصداغ راجع لحساسية زوجتى لنوع معين من الأطعمة، ولأن أحوالنا الاقتصادية ظاهرة العجز، كنا متأكدين بأن أنواع طعامنا لم تتغير طوال السنوات العشر الماضية، وبدأت زوجتى العلاج بوضع رأسها ومعدتها تحت وابل من مضادات الحساسية، وازداد الأمر سوءا، فذهبنا لمستشفى حكومى مسلّمين رأس زوجتى لأول ممرضة، وعلى الفور شخّصت الممرضة حالة الرأس بأنها حرق كيمائى بالجلد نتيجة استخدام الحنّاء المصبوغة، عندها شاركت مع زوجتى البائسة خلع أغطية الرأس، وبدأنا الدّعاء بالويل والثبور على وزارات الإعلام والتجارة والصحة وجمعيات رعاية المستهلك، راجين أن تنال رؤوس أهلها أطنانا من الحنّاء المصبوغة، فتتورم منهم العيون ويحترق الجلد وتتساقط الأسنان ويصيبهم الكساح عقابا على إعلانهم عن بضائع مغشوشة وإهمالهم الرقابة عليها، ونسيانهم تدريب أطباء على علاج ما تجلبه الصبغات من حساسية.

فى بلادنا، الحناء المصبوغة لا تصيب فتيات الإعلانات بالحساسية أو الورم أو الحروق، وان فعلت فان المصبوغين يعالجون خارج البلاد على حساب حكومتنا رقيقة المشاعر.
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد 18 يناير 2009م

Post a Comment