Saturday, October 25, 2008

فلوسنا الورق

نذهب للبنوك بحثا عن النفقة والمعاش والمناقصات والمزايدات والوظائف والأخذ بالثأر، والفرجة على الناس محشورة فى الطوابير، ونحسب إمارات الهدوء على وجه صرافين لا تتحرك فيهم شعرة سعادة من آلاف النقود المرصوصة حولهم، نذهب حاملين جثثا لعملات ورقية نائمة متهالكة أسقمها التضخم الاقتصادى، تتسرب قليلة القيمة لاهثة بين أيدى الناس، يهينوها بعرقهم وكتاباتهم وإعلاناتهم السقيمة، نذهب لاستبدال جثث عملاتنا الورقية بعملات جديدة صاحية متماسكة ننفق منها على الموالد والأعياد واستجلاب الرحمات، وحبك خطط التآمر.

لأننى لم أعش زمن الهناء والمقايضة فى عصر الجنيه الجبس، حيث أقة اللحم بقرش ومهر العروسة ريال، وأعيش فى زمن النقود الورق، أضطر للوقوف فى صالة البنك لاستلام مرتبى الشهرى، أنحشر فى طابور طويل وينحشر فمى بالكلام فأتعاطى النميمة والنكات مع المطبورين أمثالى ونشرع فى صياغة عشرات من الحلول والتعاويذ والزيجات الطارئة، ومن حميمية الطابور أستجمع شجاعتى، فأظهر امتعاضى لصراف البنك لما يفعله تشويها لعملتنا الورقية، فيتكالب المطبورون على إظهار امتعاضهم منى توددا وملاطفة لجناب الصراف، وحين يفيق الصراف لفعلنا يبدى امتعاضه منا جميعا ويستمر غير عابئ فى كتابة أرقام وإمضاءات وتوصيات إدارية على أوراق عملتنا ويجبرنا على قبول التعامل معها.

لدينا أنواع من الفساد تعود بالضعف على عملتنا، وأول الفساد تلاقيه عملاتنا الورقية فى شبابيك الصرف بالبنوك، حيث لجان حصر النقود والمدراء والسعاه يشوهون عملاتنا بكتابة الأرقام والإمضاءات والتوصيات على جسدها الضعيف، ويكمل الجمهور بقية الإفساد، هكذا تسير عملاتنا بين المستهلكين حاملة مزيدا من فضائح اقتصادية بقلة القيمة، وفضائح جمالية بتشويه منظرها، وفضائح اجتماعية برسائل الحب والزواج والطهور والتعازى والذكرى، هذا الإفساد المتعمد جهلا من الناس وضعفا فى سياسات الحكومة النقدية، يتنحى فى خجل حين يتعامل نفس الأشخاص مع العملات الأجنبية فتبقى هى وحدها العملات الصاحية والنظيفة.
برغم وجود طرق اقتصادية وعلمية تقلل من سرعة دوران العملات وتجعلها تنام فى أيدى الجمهور موثوقا فى قوتها الشرائية، وبرغم وجود آلات حديثة متخصصة فى عد النقود غير أصابع وأقلام الصرافين، إلا أننا بحاجة لقانون حاسم يلزم البنوك أن تستبدل العملات المشوهة بعملات جديدة صاحية ويحظر على الجميع إساءة تداول عملاتنا، ونحن بحاجة إلى إعلام قوى يرسخ فى قلوب الناس وأذهانهم بأن عملاتنا هى إحدى رموز الوطن مثل العلم والحدود والنيل، عليهم أن يرفضوا التعامل مع حالتها المريضة، إنها رموز واجبة الاحترام.

Post a Comment