Monday, October 13, 2008

كهنة الرأى العام

الرأى العام هو الذى يلبس المواطنين فكرة الانتماء والمواطنة، وصناعة الرأى العام للمواطنين تقوم على مستويين، مستوى موروث ثقافى صنعه كهنة إعلام تاريخيون يجمعون الموروث فى تاريخ منطوق وفن شعبى متداول، ومستوى حاضر يصنعه كهنة إعلام معاصرين يتحكمون فى وسائل الدعاية والإعلام، كلا المستوين يمارس دور سطوة وكهانة على العقول، هكذا يرجع فساد الرأى العام لفساد كهنة إعلام يملكون قدرا كبيرا من فساد الذوق وسوء النوايا، ينصبون موائدهم فى أرفف المكتبات ووسائل الإعلام وحواف الذاكرة.

فساد الذوق لدى كهنة الإعلام التاريخيين لا نملك أمر تعديله ذلك بأنهم عاشوا عصورهم بظروفها، أما فساد الذوق لدى كهنة الإعلام المعاصرين يمكن تعديله، انه يتمثل فيما يقدمونه من برامج إعلامية تستهين باللغة وتنفث انحطاطا لفظيا، تستخف بالبشر وتجعل منهم مسخا للفرجة، تسعى لترويج فكرة المقامرة، وتبث إيمانا بأن الكسب والثراء يعود لضربات حظ غيبى، إنها برامج تحول الاستوديوهات وقاعات التحرير ولافتات الشوارع إلى مصاطب، تتحرك عليها عرائس وتماثيل لبشر منخفضة فى مستواها الثقافى ومشوهة فى رؤاها الجمالية.

يتمثل سوء النوايا لدى بعض كهنة الإعلام فى تسابقهم على شق جيوب من يدفعون رشاوى تقديمهم فى برامج إعلامية تعود بالشهرة والمال على من يصنعون الانحطاط الغالب فى ثقافتنا، يعرضون صورهم على المواطنين كمعيار للتفوّق ومصدر للقيم، وواقع الأمر أن دافعى الرشاوى ليسوا على نبيل من القيم والأخلاق، وأن كثيرا من محترفى إلقاء المواعظ والحكم السّقيمة ليسوا من حماة القيم أو سدنة الأخلاق، هكذا تجرُنا وسائل إعلامنا سادرين فى تخلفنا، نصنع تماثيل قداسة لصنف من البشر، خارجين على قيم التحضر الإنسانى.

إن معظم موادنا الإعلامية المقدمة لجمهور المواطنين، تغلب عليها روح الدعاية لرأى محدد، وتروج لأفكار بعينها، عدوانية لا تترك الفرصة للرأى الأخر أن يظهر على الساحة، هكذا يتدرب المواطنون على رفض ديمقراطية الحوار ولا يتمكنون من حرية صنع ميولهم الثقافية.

حين نسعى لتثبيت هويتنا القومية، من نحن وفى أى زمن نعيش، فنحن بحاجة إلى سياسة إعلامية واضحة، نعلن أهدافها ونكرر إعلانها على رؤوس الأشهاد، قاصدين بسياستنا الإعلامية توضيح العلاقات بين حقوق الجماعة وحقوق الأفراد وقاصدين الفصل بين المنتمى لهذا الوطن وبين المنتمى لوطن آخر قد تتضارب مصالحنا معه.
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد 12 اكتوبر 2008م

Post a Comment