Sunday, October 05, 2008

!!عذاب أعيادنا

فى صباح كل يوم عيد من أعيادنا الدينية، يتماوج كثير من المصريين بين الأزقّة والحارات والشوارع والميادين، يتجمعون فى احتفاليات كبيرة، يتلقون التّهانى وينطلقون نحو المقابر، ينتشرون حول موتاهم، يلطّعون أجسادهم على الجدران والمصاطب والأبواب والشّبابيك، يوزّعون نقوداً وخبزاً ولحوماً وبعض الدّموع، ويستعرضون ما جَنتُه أيديهم تفاخراً وضعفاً وكبراً، ويشترون أدعيةً وزهوراً وكثيراً من النّميمة على موتى الآخرين.

احتفاليات أعيادنا عند المقابر، يشارك فيها كثير من مرضى لم يموتوا، يتجمّعون حول موتى تركوا دنيا لم تكن طيّبة تماما، ولا أحد من المرضى ينتبه لمعنى الأعياد، الشّحاذون من بائعى الأدعية أمام المقابر، هم الأكثرُ انتباها، يجيدون إيهام الجميع بأنهم يتلون اللاّزم والضّرورى من الأدعية، ويحفّون ببركاتهم حول من يدفع أكثر، والشّحاذون من بائعى الزّهور يقتصّون الثّمن من أناس مضروبة لديهم مشاعر الجمال، فيبيعون زهوراً كالحة نافرة فقيرة، يقٌطَعونها من حواف التّرع والمصارف والحدائق، ويرسُخ لدى الجميع بأن تمام الاحتفاليات، قرين بتحقيق أكبر قدر من الأدعية واللّحوم والنّقود والخبز والزّهور الذّابلة.

لا أحد بيننا يعقل معنى العيد، سواء كان بسيطا يصيبُ نفسه بالسّرور بضع مرات كل عام، أو كان ميسورا يضيف لقائمة تواجده الاجتماعى مزيدا من الحفلات، فالأمور عندنا مختلطة تماما بين ذكرى الموت وتذكّر الحياة، ووجداننا الشّعبى لا يحمل مساحة فاصلة بين الموتى، بما لهم من فضل قدّموه فى ماضينا، وما بين الأحياء بما عليهم من واجب يقدّمونه لحاضرنا، ومع ضحالة ما يعرض أمامنا من ثقافة، نتحوّل إلى قوم يأكلنا الزّحام وفساد المشاعر، وتتمطى مقابرنا على أمواتنا اتساعا، وتطبق منازلنا على أحيائنا ضيقا.

كثير من وقائع تاريخنا شقّت فى الصّدور أن أصحاب أمرنا من الأحياء، يملكون سحٌنات تجلبُ الشّقاء وتقطع الرّزق، هكذا تحوّلت أعيادنا الدينية إلى احتفاليات ندعو فيها الموتى ونسترضيهم أن يأخذوا بناصية كل أمر، واختلطت الوقائع فى ثقافتنا فلم نعد نفرّق بين بركة كاذبة تصيبنا من أدعية نشتريها بلقيمات وقطع من لحم، وبين البركة الصادقة التى تحلّ علينا من تعب نصيبه فى طرق أبواب الحضارة.

أيتها الأعياد لا تكثرى من عذاب قبورنا، وحاذرينا من (بُمب) الانفجار.

Post a Comment