Sunday, October 19, 2008

إغتيال الوطن

الوطن الإنسانى وجود حى يمتزج فيه البشر بالانتماء مع مكان بعينه وزمان فى حينه، هكذا فى الوطن الضعيف تدب على الأرض أجساد بشر بلا هوية، وتستطيل المسافات فارقة بين نصوص القوانين وبين روح العدالة، ويعيش الناس حياة تفح بالوضاعة، ويتكالب القهر دافعا الجميع لإدمان للرقص جنونا على حافة الانتحار.

فى الوطن الضعيف، تبدو على السطح صور لحكومة تبدو كأنها حكومة، يسعى المواطن زحفا بين أجهزتها العلنية قاصدا لملمة حقوقه المهدرة، يصعر خده لموظفين تدب فيهم حياة كالحة، يمارسون الرشوة ويغتصبون حق الضعيف ويتملقون سلطة القوى وتتعاظم قدراتهم قاصدين أن تحل هيئتهم بالقداسة فى وجدان الضعفاء.

فى الوطن الضعيف، تولد فى الظلام عشرات من الحكومات السرية يديرها موظفون لحسابهم الخاص، ينشرون الفساد ويقتلون حقوق المواطنة، يصنعون بفسادهم قدرة إنجاز فاعلة لكثير من خدمات المواطنين، فيدفعون المواطن صاغرا ليدبدب الأرض من قلة حيلة، يقدم فروض الرشوة والولاء لأصحاب السلطة السرية، قاصدا أن يتحول من عبد مهان لا تقضى حاجاته فى ظلمة الحكومة العلنية إلى سيد مهيب يشترى حقوق الآخرين فى نور الحكومات السرية.

فى الوطن الضعيف عوامل نفسية وإعلامية وإدارية تصنع الحكومات السرية، عامل نفسى يرجع إلى الاضطهاد تمارسه الحكومة العلنية ضد المواطنين، ويندفع الجميع لأن يحتموا خلف ميراثهم من الجبن والصمت، يمارسون لعبة الهروب بغير ثورة تاركين قدراتهم بعيدا عن مواجهة الفساد، وسبب إعلامى، يرجع إلى تكريس وجود بطل خرافى يحقق طموحات الناس بالخروج على كل ما هو منطقى وإنسانى، ويضغط بمعجزاته المصطنعة على وجدان الضعفاء من الناس، أما السبب الإدارى، يرجع إلى ضعف نظام المعلومات، فيخلط المواطنون بين مهام السلطات الأساسية فى المجتمع من تشريعية وتنفيذية وقضائية، وتختلط عليهم معالم الطرق الشرعية لتلبية حاجاتهم.

فى الوطن القوى توجد الحكومات العلنية القوية، تقهر بأنظمتها العلمية والثقافية وقائع الفساد بعيدا عن مواطنيها، تعمل فى بيئة من حرية الفكر وديمقراطية المعرفة، فحرية الفكر بما تعنيه من رفع القداسة عن كل فاسد تكفل للمواطن الحر أن يفسر أسباب قهر الوطن، وديمقراطية المعرفة بما تعنيه من التعامل الموضوعى مع كل فاسد، تكفل للوطن القوى أن يرفع القهر عن مواطنيه، هكذا فى الوطن القوى يبتعد الجميع عن اغتيال الوطن.
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد 19 اكتوير 2008م

Post a Comment