Thursday, February 01, 2007

أنا شفت مليونير

مصرى أنا ومحظوظ بالوراثة، حصلت على شهادات من الأهل والجيران والدولة فى طول وعرض مصر، شهادات الميلاد والهوية وتأدية الخدمة الوطنية والبكالوريوس والماجستير والدكتوراه والعصامية وكثير من أنواع الذكاء والصبر والكفاح، تعلمت مجانا فى عهد عبد الناصر، وأصبحت أستاذا جامعيا فى مصر المحروسة، وظيفتى دراسة الأرقام وفهم العلاقات بينها، وهوايتى أن أعلن بعض ما أعرف.

فى عام ألف وتسعمائة وخمسة وستين ميلادية، كنت طالبا جامعيا أدرس فى كلية التجارة جامعة عين شمس، وسمعت بأذنى وشاهدت أستاذ الاقتصاد الدكتور يحيى عويس (رحمة الله عليه) وهو يقول انه لو ولد مولود مصرى سعيد، وفور ولادته تم تعينينه فى أعلى الدرجات الحكومية غير السياسية (درجة وكيل وزارة) وتقاضى هذا السعيد راتب الوظيفة منذ يوم ولادته حتى يوم بلوغه سن المعاش عند الستين، وأنه عاش غير مدين بالتزامات مالية تجاه أحد ( يعنى مقطوع من شجرة)، فان مجمل ما يستطيع هذا السعيد إدخاره لا يزيد عن عشرة ألاف جنيه مصرى، كان ذلك الرقم بأسعار بداية الستينات من القرن الماضى، ولتخفيف الحساب على أولاد البلد فى فهم طبيعة الرقم الآن نقول، مع الكرم، أن الفرد السعيد المنتج حسب الأصول الاقتصادية والأخلاقية لا يمكنه أن يدخر من عرق جبينه أكثر من مليون جنيه مصرى بأسعار أيامنا الحالية، أقول هذا عن قدرة الفرد المنتج الماهر المتعلم الشريف، لا أقول عن الوارث أو صاحب ضربة الحظ غير المبررة وغير المنطقية.

فى العام الماضى وقفت صدفة أمام مصعد بمبنى جريدة الأهرام قاصدا الدور الرابع فى نفس المبنى، وحين فتح باب المصعد ركب معى الصحفى إبراهيم نافع ( رئيس تحرير الأهرام شخصيا) وبجواره حرسه الشخصى، رجل يصنع لنا إعلاما ويصوغ لنا فكر الحكام، وبدأت أشم رائحة عطرة الفواحة، وحين خروجنا من المصعد لامست طرفا من هدوم إبراهيم نافع، بعدها سمعت بعضهم يقول أن الرجل مليونير كبير جدا، يملك فوق الخمسة مليارات جنيه، يقصدون انه بليونير، هكذا رأيت وشممت ولامست مليونيرا بشحمه ولحمه وأصبحت سعيد الحظ فى العام الماضى.

وفى هذا العام ذهبت صدفة إلى معرض القاهرة الدولى للكتاب، وأمام مقر ندوة عامة وقفت سيارة سوداء كبيرة فخمة جدا يصل ثمنها إلى مليون جنيه، درت حول السيارة مرات ومرات وغافلت بعض الوقوف ولامستها بيدى، وبعد نصف ساعة اكتشفت أنها ملك لمليونير كبير جدا، انه بليونير مصرى آخر، رجل الأعمال وعضو مجلس الشعب محمد أبو العينين ، رجل يملك لنا مصانع ويدلى بآرائنا عند الحكام، رأيته واقفا أمام عدسات التلفزيون وبجواره حرسه الشخصى، يعلق على ما دار فى الندوة من مناقشات حول المشروع النووى المصرى، ونجحت فى أن أحشر نفسى وسط الزحام حول الرجل وأقف بجواره ورأيته وشممت رائحته الفواحة ولمست طرفا من هدومه، هكذا أصبحت سعيد الحظ فى هذا العام أيضا.

يا لسعدى، أنا مصرى محظوظ عشت فى مصر، عملت موظفا حكوميا بشهادات جامعية وفوق الجامعية لمدة تزيد على الأربعين عاما، ارتب أمورى كل شهر كى يكفينى راتبى وأسير لصق حائط التقشف، أنا ذلك السعيد عشت وشفت ولامست بليونيرات من لحم وشحم ودم، ولو نهض أستاذى الدكتور يحيى عويس من قبره ورآهم فسيعرف مثلى أن كل منهم رجلا شاطرا يصلح أن نراه ناعم البال بعيدا عن أهل مصر نغنى له ( أصله ما عداش على مصر)، لو نهض قول أستاذى ونحن معه سنرى أن كثيرا من الشطار والورثة اشتركوا فى نهب أرض مصر.

أرجو الله أن يغفر لى ذنوبى ويقبلنى سعيدا ويجعلنى نصف بليونير أملأ أفواها بالذهب كى تقول مع الغلابة فى بر مصر، أن الفوارق الاقتصادية بين كثير من المصريين فوارق فاضحة وغير أخلاقية.

Post a Comment