Wednesday, July 21, 2010

الصياح بالتغيير


يرى بعض المراقبين السياسيين أن مصر إناء كبير يضج بغليان ثورة شعبية وشيكة، حجتهم فى ذلك تعاظم ثلاثة عوامل رئيسة فى صنع التغيير، إنها فقر الأداء السياسى والجوع الاقتصادى وتآكل المواطنة، لكن القراءة الموضوعية للواقع المصرى تصل بنا إلى نتائج مغايرة تجعل فعل التغيير مقصور على الصياح وأن التغيير صعب.

فى مقابل الجوع الاقتصادى يوجد نسيج اجتماعى غير متجانس لا يقوى على التمازج، فالطبقات الاقتصادية المصرية غير متواصلة اجتماعيا، ففى مصر طبقة ثرية مرفهة يقل حجمها عن عشرة المائة من السكان، وطبقة عريضة تصل إلى أربعين فى المائة من السكان تعيش دون خط الفقر الاقتصادى، وطبقة تزيد عن نصف السكان تعيش حول خط الفقر الثقافى، هذا الوضع الطبقى الاقتصادى الاجتماعى السيئ جعل المصريين يعيشون أنيميا ثقافية وفكرية حادة، وجعل من مصر كائنا مخترقا مفتوحا لتجارب الآخرين.

فى مقابل فقر الأداء السياسى، تحمل غالبية النخب المصرية شتاتا فكريا وثقافيا هزيلا غير مصري الجذور لا يتصارع حضاريا مع الواقع ويتكلس داخل أطر مغلقة تحول دون الفعل السياسى الجاد، وتعوق ظهور منظمات المجتمع المدنى الفاعلة.

فى مقابل تآكل قضية المواطنة، تتصارع آليات الانتماء بين أصحاب حزم فكرية ودينية متناقضة، ففى الداخل ونتيجة احتكار الدولة لآليات الفعل السياسى، تعيش الجماهير وعيا سياسيا منقوصا، ومن الخارج تتطاير أفكار متناقضة بين أقباط مهجر يضيقون الخناق على أهل مصر ليعيشوا فى تاريخ مضى، وبين إخوان بترول يلغون وجود مصر فى تاريخ معاصر، وبين عبيد تدميهم أسلاك النخاسة والكفالة فلا يهتمون بغير تاريخ أسيادهم، هذه الحزم الفكرية يعانى أصحابها من هوانهم على الناس خارج مصر ويسعون لاسترداد قوتهم داخل مصر، يتنابذون بالأقوال ويتشدقون بنقاء العنصر والانتماء العرقى، وتتسع شقة عدم الانتماء.

نحن غلابة، ففى بحثنا عن منهج فكرى للتقدم، يشقينا فعل أناس لهم سطوة وانتشار يدعون أنهم وحدهم المندوبون عن السماء وأنهم وحدهم الناطقون بالحق، أنهم يمارسون التمييز بين أبناء الوطن الواحد، فهذا مؤمن لهم وذلك كافر بهم، المؤمن لهم نصف مقدس والكافر بهم مشروع قربان للآلهة، إنهم لا يعترفون بحق الإنسان فى المواطنة ويشترون بآيات الحكمة ثمنا قليلا، إنهم لا يرون أن السماء فوق الجميع وأن الأرض ملك للجميع.

نحن المصريون، نعانى تخلفا اقتصاديا وعلميا وثقافيا وضعفا سياسيا، جموعنا عمال تراحيل تسكن العشوائيات، تشقينا فعله الحصول على طعام اليوم وتحولت ثقافة التغيير لدينا من فعل الثورة إلى فعل الصياح.
المقال نشر فى جريدة نهضة مصر - الثلاثاء 20 يوليو 2010م

Post a Comment