Tuesday, June 15, 2010

التفكير بالوكالة


تلقيت على بريدى الالكترونى خطابا من أحد طلابى السابقين بالجامعة، أخبرنى فيه انه تخرج من الجامعة وحصل على عقد عمل فى دولة خليجية، وانه الآن يغرف من المال غرفا، ويعانى من سوء المعاملة قهرا، وانه يشكرنى على ما أعطيناه من علم.

فى الفقرة الهامة من الخطاب طلب منى تلميذى أن أكتب مقالا واحدا يظهر وجهة نظرى فى سيل من الأحداث، الأزمة المالية العالمية والكساد الاقتصادى، والقرصنة فى خليج عدن، وحالة الشتات العربى، والوضع فى السودان، ومشاكل عبودية وسخرة يتعرض لها المصريون فى الخارج، هكذا زحمنى تلميذى بكل هذه المشاكل وطلب رأيى فيها مجتمعة دون أن يقدم وجهة نظره فى واحده منها، وفى نهاية الخطاب أسرف فى مدحى وكاد أن يجعل منى القادر الوحيد على إصلاح كل فساد حول العالم.

المديح من تلميذى وقع موقعا طيبا فى صدرى، لكن طلباته أصابت موقعا سيئا فى عقلى، ذلك بأنه يمثلا نموذجا صارخا لمنهج فكرى مريض غرسناه فى عقول خريجينا الجامعيين، انه منهج التلقين والتسميع دون فهم، تلميذى يريد منى أن أكون وكيلا عنه فى رصد الأحداث وتحليلها والتعبير عنها، لا يريد أن يبذل مجهودا بنفسه تجاه حل ما يواجهه من مشاكل، كأنه يخشى المسؤولية عن آرائه، هكذا يعيش تلميذى عصر تخلفنا المهين، يشعر كل منا بأزمات يجمعها فى بؤر شعورية ولا يبذل مجهودا فرديا فى محاولة حلها، إننا ننتظر المخلص والفادى والشهيد والأب الكبير ونسعى لتوريطهم فى الحلول، نأخذ على يديهم مزايا النجاح ونلقى عليهم مسؤولية الفشل، هكذا وجدتنى أدرك حجم المأساة التى شاركت فى صناعتها حين تخرج جامعاتنا هذا الصنف من البشر على هذا المستوى المتدنى حضاريا.

الأصل فى المسائل أن يكون للإنسان مواقف وأن يكون قادرا على التعبير عن مواقفه بوسائله الخاصة، وأن يشارك الآخرين فى إيجاد الحلول، لكن أن يلقى مسئولية الفهم والتحليل والتعبير على أكتاف الآخرين فذلك هو التخلف الثقافى والحضارى بعينهما.

إن أصل العطب فى خريجينا هو نظام تعليمنا الفاسد المتدنى فكريا وأخلاقيا، انه نظام يقدس ما لا يستحق القداسة، يبطل الفكر ويحاصر الإبداع، فلا ينتج غير عبيد يجأرون بالشكوى ولا يتقدمون بالحلول، انه نظام ينتج بلهاء يجلسون أمام شاشات العرض العام وشيخ الجامع وقسيس الكنيسة وكاهن المعبد وكاتب الأحجبة وحامل البوق الحزبى والوزير والخفير، انه نظام مريض ينتج شعوبا لا يشقيها جهل فكرى ولا يؤرقها تخلف حضارى.
المقال نشر فى جريدة نهضة مصر- الثلاثاء 15 يونيه 2010م

Post a Comment