Tuesday, June 08, 2010

تنشيف ريق


الكائن الوحيد الذى أحب أن أشاكسه هو زوجتى، أعدها بتحقيق أحلام فظيعة، رئاسة مؤسسات وجامعات ونوادى وامتلاك قصور وخدم، وأتوقف عاجزا عن مناولتها هدمة أو كسرة خبز أو شربة ماء، فتسخر من طفولتى وتدعو بشفاء عقلى، وأفعل ما افعل مدركا أن الأحلام الكبيرة لا يقدر عليها فقراء يشحذون اللقمة والهدمة، وأن العجز يواكب عبيدا لا يسعون نحو الحرية.

والشخص الوحيد الذى أستطيع أن أقرفه هو زوجتى، أخرج عينيها بعشرات من الطلبات والأوامر والنواهى، أنبش قلبها حزنا وكمدا على عيشتها معى، وأفعل ما أفعل متأكدا من قدرتى على المراوغة والتطليق والزواج من عشرات الصغيرات دون أن يسمح الرجال فى مجتمعنا لأى زوجة بحرية البقاء أو الخلع.

ذات مرة استرخى الأمان فى بيتنا، فطرحت زوجتى أسئلة ودودة فى ريق واحد: ما الذى يجعل رجال مجتمعنا أزواجا طغاة فى بيوتهم، متسلطين على أولادهم؟ فى العلن يمتدحون قيما وبشرا وفى السر يقسمون على أنها لا قيم وأنهم لا بشر؟ وحين بلعت زوجتى ريقها، أمطرتها بوابل من الأوامر والنواهى والحكم، قاصدا أن أسمعها الإجابة من زوج مغلوب على أمره.

يا زوجتى الطيبة: مثلى مثل معظم الرجال فى بلادنا، لا ينقصنا من مواهب العظماء شيء، لدى كل منا سبعا من جليل الصنائع، قادرون على الغناء والتطريب فى الحمامات، وقادرون على الهتاف والتصويت فى لجان الانتخابات، حصلنا على شهادات محو الأمية وقادرون على الإمساك بجوائز التفوق، سافرنا لأراضى الغربة وقادرون على أن نكون شيوخا وأصحاب معالى، تاجرنا فى النخالة وقادرون على امتلاك مطاحن الدقيق، امتطينا برادع الحمير وقادرون على إدارة مخازن الطائرات، فكرنا فى الزواج وقادرون على إنجاب الورثة والطامعين، ومع كل هذه الصنائع فان بختنا ضائع.

مثلى مثل معظم الرجال فى بلادنا، حظنا تعيس، لا نملك ظهيرا من خال أو عم أو حمى أو نسيب يجلسنا فى حجر رعايته، فنصبح فاهمين عباقرة، ومتكلمين مفوهين، وقادة حكماء، معداتنا خالية وقلوبنا حزينة، تلوك ألسنتنا إفطارنا بين بصل ناشف وخبز حاف، نخشى الكلام حتى أخر النهار ونصمت بقية الليل، يأتينا غدائنا ناقصا ونكمل شبعنا بالماء ونقضى عشائنا فى النوم، عاجزون عن إطعام أنفسنا لأن أرضنا تبور وتهدر فيها الموارد، عاجزون عن الدعاء المستجاب لأن عقولنا صودرت، وأغلقت أساطيرنا أبواب كل علم، ننجب ذرية ضعفاء، ونرعى قواعد حسب ونسب تفرضها علاقات فاسدة، فهل بعد هذا الإجحاف وتنشيف الريق، هل يبقى فى بلادنا رجال وأزواج طيبون؟
المقال نشر فى جريدة نهضة مصر - الثلاثاء 8 يونيه 2010م

Post a Comment