Tuesday, April 20, 2010

إنهم عجزة



لأننى رجل طيب، قررت حضور جلسة افتتاح المؤتمر السنوى الخامس للإعجاز العلمى فى القرآن والسنة بجامعة المنصورة، وفى العاشرة صباح يوم الثلاثاء، الثالث عشر من ابريل الحالى، أخذت طريقى بين الحدائق والمدرجات حتى وصلت إلى قاعة المؤتمرات بمستشفى الأطفال الجامعى.

على باب القاعة التقيت بعدد من الوجوه واللحى والنُقب، طلبوا منى تسجيل اسمى لديهم، قلت: الأمر محتمل فظروف الأمن القومى تطلب ذلك، قالوا إنها وسيلة للتواصل الدعوى فى المستقبل، قلت: القوم لهم أصحاب ومناصرون، طلبوا منى أن أجيب فى ورقة على أسئلة دينية لأدخل سحب قرعة يفوز فيها ثلاثة بعمرة إسلامية، رفضت هذا الطلب لأننى أرفض عمرة تأتينى عن طريق صدفة القرعة، فالاعتماد على الصدفة يعرض الإيمان الدينى للاهتزاز.

جلست وسط القاعة على مقاعد وثيرة ازدحمت بالجالسين، خصص الجانب الأيسر من القاعة لرجال أزهريون من وزارة الأوقاف وخصص الجانب الأيمن لنساء اتشح معظمهن بالسواد والنقب، ومن حولى امتلأت القاع بشباب ورجال انتشرت بينهم اللحى، هى دقائق ودخلت سيدة وقورة لتجلس بيننا، وفى أقل من دقيقة أتى أحد المنظمين للحفل مهرولا وطلب منها أن تجلس بين النساء، نظرت إليه وخرجت من القاعة.

كان أول التعجيز أن انتظرنا أكثر من ساعة ليبدأ حفل الافتتاح، فالقوم وكاميرات التصوير فى انتظار حضور رئيس الجامعة أو من ينوب عنه، لكن أحدا منهما لم يحضر، أخيرا خرج على القاعة رجل دين صحراوى من أهل الجلباب والبترول، انه ممول الحفل وصاحب فضل على تابعيه من المؤيدين، هكذا تحول المتحدثون إلى خطباء دينيين.

أن يجتمع قوم فى ندوة يدعون لدينهم فهذا أمر منطقى ومقبول، لكن أن يدخلوا تحت قبة جامعة علمية بدعوى إنهم يقومون بمؤتمر علمى للأعجاز الدينى فهذا أمر غير منطقى وغير مقبول، فهناك اختلاف جوهرى بين منهج الدين ومنهج العلم فى تناول الظواهر، فالفرض الدينى تسليم بالإيمان ولا يقبل الخصومة، فالخصومة مدخل للبدعة وطريق للكفر، والفرض العلمى تسليم بالخصومة ويقبل الاختبار، فالاختبار مدخل للمنفعة وطريق للمصداقية، هكذا الدين يقين ثابت لا حاجة به إلى معامل اختبار تجريبية، بينما العلم تساؤل دائم لا حاجة به إلى مصادرات عقلية.

جلست ساعة بين الحضور، فتبين لى أن الإعجاز كما يدعون هو منهج دعوى متدنى للارتزاق وتشويه العقول، ودارت فى رأسى بعض الأسئلة، هل تسمح الجامعة بإقامة ندوات دعوية مماثلة لجموع من الآخرين؟ هل الجامعة فى حاجة إلى العائد المادى يأتيها من تأجير قاعاتها بقصد إهانة مناهج البحث العلمى؟ أم أن بعض العاملين بالجامعة يسعون للحصول على عقود عمل وهبات مالية تأتيهم من أثرياء صدفة، هم عجزة حضاريا، وليسوا طيبين؟


المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 20 ابريل 2010م


Post a Comment