Tuesday, April 06, 2010

حرية الرأى – معزة خالتى نظيرة



ليس التاريخ الفاعل هو ما نستقيه من بطون كتب الحكام أو من حواف أضابير الأعداء، التاريخ الفاعل هو ما يعلق فى ذاكرتنا ويصنع جنبات طرق أخلاقية تسير فيها أرواحنا دون كسر لإشارات المرور، على هذه الطرق تنسى الجماعة قدسية الحكام وفظاعة الأعداء تمهيدا لأن تمزج بينهم فى الأيام القادمة، وتاريخى مع حرية الرأى كان فظيعا وجميلا أيضا.

على مشارف السابعة من عمرى، أبديت رأيى فى جمال فتاة فى السادسة كانت تلعب معى بعرائس الطين فى وسط حارتنا، ولما كان شرف عائلتها يراق على جوانبه كثير من الخناقات والردح والتهديد بإطعام السم لدجاجنا وبقر بطون بهائمنا، أصبح مقررا أن ترحل جثتى فى تغريبة خارج قريتنا، وافتدانى أبى من قرارات الترحيل، شدنى من جلبابى أمام الجموع وكسر على ظهرى كثيرا من أعواد الحطب والبوص غير مكترث ببكائى، من يومها أرى الجميلات خفر يورثن كتمان الرأى وبعض الأورام فى الظهر والرقبة.

على مشارف الحادية عشرة، فقدت خالتى نظيرة معزتها البيضاء، فاستعارتنى من أمى باعتبارى طفلا طاهرا لم يبلغ الحلم يفى بمتطلبات الشيخ عصفور فى عقد جلسة مكاشفة ترصد خطوات العنزة البيضاء داخل القرية، تسلمنى الشيخ عصفور فى حجرته الطينية الهادئة وخافتة الضوء، وبعد قراءات وتعاويذ من الشيخ عصفور أدليت بمواصفات عنزة بيضاء تقف عند دار بعينها، هى دقائق مرت وانتشرت معارك بين خالتى نظيرة مع أصحاب تلك الدار وتدخل كثير من أهل القرية، وبرغم طهارتى وكثرة الماعز الأبيض إلا أن أحدا لم يعثر على رفات عنزة خالتى البيضاء، من يومها أرى أن إبداء الرأى فى جلسات مكاشفة أمر تحيط به كثير من الطقوس تبرر عدم الشفافية.

تخرجت من الجامعة شابا مقتنعا بأن الناس سواسية يحق لها أن تبدى رأيا وتعارضه برأى آخر، وحين أصبحت موظفا حكوميا وأبديت رأيى فى النظام انهمرت على رأسى قرارات نقل إدارية فتوزعت أشلائى منثورة بين جنوب الوادى وشماله، يومها أدركت أن إبداء الرأى عند الشباب جالب للبطالة وطارد للزوجات ودليل اتهام بعدم الانتماء.

حين أصبحت موظفا عجوزا بمؤسسة حكومية ونشرت رأيى فى أدائها فى مقالات صحفية استقبل كبار الموظفين مقالاتى باعتبارها سلوكا معيبا، وتخندق صغار زملائى لوقف هذا السلوك المعيب، يومها أصبح نقد النظام سببا كافيا للطرد من رضا الحاكم وتعاطف المحكومين.
هكذا شق تاريخى الخاص علامات على روحى وجسدى أدركت معها أن صاحب الرأى فى بلادنا مسكين تحفه المخاطر، إلا من رحم السلطان وكان به من المؤيدين.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 6 ابريل 2010م

Post a Comment