Tuesday, April 13, 2010

أشجان موظف


لأننى موظف حكومى بسيط، أتقاضى راتبا شهريا منقوص البركة، يداهمنى الإفلاس بعد أسبوع واحد يمر على استلام الراتب، ولأننى متأكد أن الحكومة تجامل أصحابها، تعطى مدير شغلنا أموالا كثيرة لاستضافة زوار مكتبه، ينثرها على المشروبات والمأكولات وتسفيه طموحات الآخرين، يربت على كتف صغار الموظفين كى يسحب أسرار كبارهم، ويجامل كبار الموظفين كى يحكم تشغيل صغارهم، لكل ذلك طرقت باب مدير شغلنا عند منتصف النهار، فى منتصف الشهر، قاصدا مضمضة عيونى بجمال طلعته، وتسليك أذنى برخيم صوته، واستنشاق عبير الحكمة من سلطته، مازجا وجود حضرته مع رشفات مجانية من الشاى والينسون والطعام ونتف ريش الآخرين.

حين تأكدت أن مدير شغلنا فى خلوة بمكتبه، دخلت على حضرته كالنسيم رقة وهدوءا واستعطافا، أبث صوتى حانيا وأنشر توسلاتى بين الأرجاء، سيدى مدير كل شغل: نحن حمير سلطتكم، ونعاج رضاكم، ودجاج فضلكم، جئناكم طامعين فى براح نعمتكم، وكريم عطفكم، نسألكم حق النشوق، وسرسوب مال نبلل به جفاف جيوبنا، وعملا إضافيا نهبر منه أرتالا من النقود، وسلطة نهبش بها وجه كل طامع، وقليل من الخوازيق والمهاميز وتخريجات القوانين، لزوم إفحامنا للحاسدين والكاشفين الغيظ والماكرين بين الناس.

حين أفقت من هيامى لاحظت جثة المدير تتأرجح عابثة بين طيات كرسيها الفخيم، ترقب أدعيتى مع السقف, وتحصى رجائى على الجدران، وحين أدركت جثة المدير أننا وحدنا وجها لوجه، أفاق المدير على دواعى تشغيل منصبه، بعثر دخان سيجارته حول أنفى، وأجلسنى فضلا منه بجوار مكتبه، وتصاعدت أقواله: أيها الموظف الطيب، نحن نحب الموظفين أمثالك، مطيعون تلهج ألسنتهم بالدعاء لكل مدير، نحسب عليك قدراتك ومواهبك، يا بنى: الغُلب ضارب أوتاره فى قلوب الجميع، فدعنا نجمع القرشين ونربى العيال، نسأل رؤسائنا عملا إضافيا نهبر منه أرتالا من النقود، نحن حمير الوظيفة، ونعاج القانون، ودجاج السلطة.

حين انكشف أمامى تراكم الأسى فى قلب المدير، عاودتنى الثقة فى أن إفلاس الجيوب لا يمنع تحريك الألسنة، فأعلنتها واضحة، أيها المدير الغلبان: نحن الموظفين بشر نولد أحرارا من غير نقود أو ملابس أو وظائف، هكذا تصبح وظيفتنا فى الحياة أن نضع قيمنا على الأرض، انتماء لما نحب وقدرة على ما نستطيع، لا نزرع فى أفئدتنا قبورا تعشش فيها مذلة الخنوع لبشر فاسدين أو قوانين متهرئة.

أيها المدير الطيب اهتف معى: يا بعض الموظفين فى الأرض، يا حمير الوظيفة ونعاج القانون ودجاج السلطة، تحرروا، فأحرار البشر وحدهم يصنعون الحياة الجميلة.


المقال نشر فى جريدة النهضة – الثلاثاء 13 ابريل 2010م

Post a Comment