Saturday, June 27, 2009

فرحة ما تمت



فى الردح الأخير من الزمن أصابنى رخاء كبير، مات رجل عظيم دون أن أدفع قرشا واحدا فى إعلانات عزائه، وأقيل وزير بعد أن دعوت عليه بفقد الجاه، وبلغتنى إصابة رئيسى بالفالج فشفيت من حساسية لازمتنى بالقرف من مصاحبته طوال عشر سنوات كاملة، وأصبح لائقا أن انظر لحرارة الصيف بملامح الرضا.

حين أتى صيفنا بالحرارة تنشب أظافرها فى جلدى، حط على زهق جليل، وغرقت فى أحلام مداعبة النسيم على شاطئ بحرنا المالح الكبير، وقررت فى الصباح الثانى من الأسبوع الماضى أن انحشر مع زوجتى واثنين من أولادى فى سيارتنا القديمة، حاملا مسئولية الاستنارة واتخاذ قرار التصييف، هكذا انطلقت بقيادة ركبنا الصغير من القاهرة قاصدين شاطئ بحرنا المالح الشمالى.

بين مدينتى وادى النطرون والعلمين، تهادت سيارتنا على طريق إسفلتى موحش تحتضنه الصحراء، طوله مائة وخمسة وثلاثون كيلومترا، عند مدينة وادى النطرون تراصت محاولات بشرية تنصب الجدية فى الإنتاج، تشق الأرض وتملأ المكان بالمزارع والحقول، وانتشرت محاولات بشرية هازلة تنصب الخداع، فتزرع نجيلا صناعيا وزهورا لامعة فى بيئة صحراوية غير مناسبة.

تهادت سيارتنا على الطريق تراوغ شمس الظهيرة، تطارد السّراب وتدفع الهواء حولنا لزجا ساخنا يهدد أنوفنا بالنزيف، هكذا واجهتنا مشكلة الحصول على مظلة طريق مناسبة بعد أن تحولت معظم المظلات إلى دورات مياه جافة يقضى بعضهم فيها حاجته ويستخدمها آخرون لتغيير زيوت السيارات، وأصبح لائقا أن نسرف فى الدعاء بالعقم وقلة الحيلة وانسداد الأنوف على القائمين بصيانة الطرق وعلى مستخدمى طرق المصايف.

وسط الطريق، تحت مظلة أسمنتية غير مناسبة، وضعنا غدائنا من السلمون والبصل على أوراق جرائد قديمة امتلأت بأخبار العولمة والسياحة والعقارات المكيفة والأطعمة المستوردة، أوراق لم نجد على أوراقنا خبرا يعلمنا مقاومة وحشية ذباب صحراوى يزعجنا بالطنين ويلتصق بجلودنا ويشوه طعامنا ويلسعنا كالنحل، وحين فتحنا الراديو تسربت حولنا أخبار طيور وحروب ومشروبات وأمراض، دون ذكر لما سيحدث لنا عندما تتعطل سيارتنا أو ينزف أحدنا فى هذه الصحراء المخيفة.

تضافر العالم والصحراء وصناع الطرق ضدى لأجد نفسى مسئولا عن حياة أسرتى فانطلقت كدكتاتور مستنير أقاوم عزلتنا عن العالم، جعلت من بطنى طبلا أنقر عليه رافعا عقيرتى بالغناء مع جيوب أنفية تتورم وتضيق، يدخلها تيار الهواء الساخن شاقا الحنجرة ولاسعا الرئتين، ويشاركنى الغناء ذباب يردد صوتى بالطنين، وتبتلع الصحراء كل الغناء مثلما تبتلع النسيم العليل، فجأة رأيت ابنى الأكبر يبدى شغفه بغنائى، يشتم الصحراء ويقذف بكل عنف أحجارها فى كل اتجاه، كان يعاقبها على صمتها تجاه غنائى، ومع استمرارى فى الغناء استسلم ابنى الصغير لحجر أمه وغلبهما النعاس، هكذا لم يشككنى أحد فى قدرتى على التطريب.

فى نهاية الطريق عند مدينة العلمين، اقتربنا من الساحل الشمالى نلمس رياح صيف باردة جميلة وتصدمنا غابات من أكياس بلاستيك ونفايات تخفى كل الأرض، حيث المليارات تنفق على قرى ذات مبان فخمة، يسكنها كثير من محدثى نعمة لا يعرفون طرقا لحماية البيئة من حولهم.

على غطاء سيارتنا افترشنا مصيفنا على جانب من الطريق الساحلى، لمحنا طرف زرقة لبحر مالح بعيد تحجبه عنا عشرات القرى الزجاجية والإسمنتية والسياحية، ومع لعب أولادنا على تراب الأرض، حاولت إقناع زوجتى بأن أهل الاستنارة يفضلون طريقتنا البرية فى التصييف على البقاء محبوسين داخل تلك القرى، فاكفهر وجه زوجتى وبانت طريقتها فى ترويع طموحاتى، استعرضت سكينا تحملها عند الطوارئ أخذت تدفع بها طوبا وحصى، وفجأة شوّحت بيدها فى وجهى قائلة (استنارة إيه يا أبو استنارة، بهدلتنا فى بلاد الناس، خلّى نهارك يَعدّى، ورجّعنا البيت).

Post a Comment