Saturday, June 20, 2009

فتوى للمقابر



جاء أبو صلعه وذهب أبو عمه، وتأكد للجميع أن مسئولا كبيرا توقف عن الرشوة، وسجن أربعة تجار مخدرات، وحل مجلس الشعب، وإحالة مسئول أمن إلى التقاعد، وطلاق ثلاث فنانات أفسد جمالهن رهطا من الرجال، هكذا تتساقط علينا الأيام أعيادا، وهكذا نحن المصريين، لا نتوقف عن استحلاب مواقف الحزن ونتذوق لحظات السعادة.

فى أعيادنا المصرية نحتفى بالأموات، نزور المقابر وننتشر فى جنباتها، نأكل ونشرب وتدمع عيوننا، نوزّع الخبز والأدعية تصدّقاً على أرواح موتانا، ونهمل إرسال بركاتنا لموتى الآخرين، ونشاركُ الجميعَ احتفاليات بؤس ورثناها منذ عصر الفراعنة.

برغم لحظات الفرح الأعياد، فان مصريا واحدا يموت كل ثلاث دقائق، يصطاده الموتُ نائما على سرير، أو راكبا الإسفلت، أو واقفا بجوار أنبوبة بوتاجاز، أو متحدّيا سنج البلُطجية، أو اثر هبوط دموى فى موجة إضرابات، وبحسبة بسيطة فإن حفّارى القبور يستقبلون أكثر من خمسمائة جثة كل يوم، لكن الحسبة غير محزنة تماما، فبرغم تأخر سن الزّواج وسفر الرّجال إلى بحار النّفط، وضعف إحساسنا بالجمال، إلا أنه فى كل يوم تستقبل الأمهات ألف وخمسمائة خَلاص لمولود مصرى جديد، ليكون صافى الحسبة أن المصريين يزدادون عددا بألف نفس جديدة كل يوم.

المزعج فى حسبة الموت، أن المصريين يقاربون الثمانين مليونا، يتكّدس الأحياء منهم فى بيوت تشغل أربعة فى الألف من مساحة أرض مصر، وتبقى تسعه وتسعين فى المائة من أرض مصر صالحة ليدفن فيها حصيلة الاثنين مليون من الموتى سنويا، هكذا تتوزع مساحة مصر، كل حى مصرى نصيبه حوالى ستين مترا مربعا فقط بينما نصيب كل ميت مصرى أكثر من خمسمائة ألف متر مربع.

الآن وقبل أن ينقضى العمر، ويدُوخ الورثة بحثا عن حفرة مناسبة يدعون فيها جثثنا، فإننا نطرح هنا قضية عامة، هى أن مقابرنا الحالية تتكلف أموالا باهظة يشقى الكثيرون فى تحمّلها، ومقابرنا تتحكم في إنشائها كثيرُ من الأمراض الاجتماعية، فلماذا لا تصدر فتوى يصدرها رجال الدّين والأطبّاء الشرعيون لتحديد أبسط وأقل مساحة ممكنة لمقابرنا؟ فنسق مقابرنا الحالية أنها تضم رفات أموات وتوحى للأحياء بأن تاريخنا يقتصر على تحنيط الجثث والبكاء على رؤوس المقبورين.

Post a Comment