Saturday, September 18, 2010

كانون الحطب


فى طفولتى، كنت أخشى ساعة العشية من ليلة كل عيد، وأخاف ساعة البدرية من صباح كل يوم جمعة، ففى تلك الأوقات تطفئ أمى آخر ( بصبوص) نار فى كانون الحطب وسط دارنا، وتدخل حلة نحاس مليئة بالماء الساخن إلى قاعتنا الطينية، تسحبنى من نومى، وتخلع جثتى من هدومى، وتدفعنى لأقف عاريا وسط القاعة فى طست النحاس، تدلق الماء الساخن بكوز صفيح على جسدى، وتدعك رأسى بصابونة غسيل تلسع عينى رغوتها الحامية، وكلما علا صوت بكائى، تدغدغنى أمى عند الضلوع، فأهش للحظات وأعاود البكاء، واسمع أمى تدعو لى بطول العمر وعقبى الهناء فى حمامات الزواج والعيش سعيدا فى المدينة.

فى صباى، انطلقت مع الرفاق بعيدا عن كانون الحطب، نستحم عندما يحل بالقرية عيد أو يباغتنا ارتداء ملابس جديدة، وحين يدخل الصيف تبدأ مواسم حماماتنا العارية المفتوحة، نستحم بمياه الحكومة فى دورات مياه المساجد، ونستحم بمياه الأهالى فى بطون الترع والقنوات والمصارف، فى المياه الضحلة نطرد كلابا وحميرا تستبرد على الشاطئ ونحتل أماكنها ونتعلم السباحة، وفى المياه العميقة نركب البقر والجاموس، نعوم ممسكين بالذيول والأذن والرقاب، نتقاذف بالطين ونتأرجح بفروع الأشجار.

مرت سنوات وأصبحت زوجا أبا عيال أسكن المدينة، تهاجمنى إعلانات رقيقة لأناس يستحمون بالمياه الساخنة فى التلفزيون، وتملأ رؤوسهم رغاوى صابون لا تلسع عيونهم، وحين كبرت المسألة فى دماغى قررت الاستغناء عن كانون الحطب وشراء سخان مياه كهربى صنع فى مصر.

فى معرض بيع ضخم، أقسم البائع برأس أمه الغالية، بأن ضمان صلاحية السخان خمس سنوات، فاشتريت السخان، إلا انه وقبل مرور سنتين ونصف تسربت المياه من السخان مليئة بالصدأ والبرودة، فدفعتنى زوجتى خارج الشقة، حاملا السخان إلى مركز خدمة الصانع، وبسرعة قرر خبراء الصانع أن مياه الشرب التى تدخلها الحكومة فى صنابير شقتنا، وندخلها نحن فى بطوننا هى مياه مليئة بالأملاح والرواسب، أفسدت السخان وحولته إلى قطع من الصدأ، وتبارى الخبراء فى إلصاق التهم بى، فأنا أسأت تركيب السخان الذين قاموا هم بتركيبه، وأنا أسأت استخدامه بأن جعلته يسخن مياه الحكومة القادمة من صنبور شقتنا، ولما وجدت نفسى محاصرا بتجنى الخبراء وجثة السخان ودفع التهم وتكبير الدماغ، اضطررت لشراء سخان جديد بنفس الثمن ومن نفس الصانع.

دخلت على زوجتى حاملا السخان الجديد مع نصف كيلو كباب وكفتة، قاصدا عودة الوُد بيننا مع افتتاح العمل بمياه الحكومة الساخنة، وحين أدارت زوجتى الأمور فى رأسها، اتهمتنى بالضعف والغش، وبأننى متواطئ مع التاجر وأرمى فلوس عيالنا على الأرض، ذلك بأننى دفعت ثمن السخان مرتين مقابل تسخين المياه طوال خمس سنوات.

أنا عاوز فلوسى من قلب لصوص مدلسين، شعارهم صنع فى مصر، وسأصنع كانون حطب أهرش حوله جسدى وأستحم بمياهه الساخنة، فذلك أفضل جدا.

Post a Comment