Wednesday, March 10, 2010

فئران ملونة


كان للفئران الملونة دورً حاسمً فى توسعة دارنا، فحين ملأت فئران البيوت الرمادية جدار دارنا الشرقى بالثقوب انهار الجدار، وانفتحت دارنا على جرن ملئ بأكوام السباخ وجحافل من خنافس وفئران وسحالى صغيرة، بعد شهور نجحنا فى ضم جزء من الجرن إلى دارنا وأقمنا حائطا شرقيا أكثر ارتفاعا، وفى أيام وشهور تالية طاردت عائلتنا فئران البيوت الرمادية بالصيحات وضربات العصى ومواء القطط ومحارق البخور.

وكان للفئران دور فى الحفاظ على ثرائنا، فحين اشترى خالى العظيم سبعة قراريط زراعية زجّ باسم عائلتنا لأول مرّة فى عالم مٌلاّك الأراضى، وفى اليوم التالى لحصاد أول قمح من غيط خالى نشرنا بين الناس أن فئران الغيط السوداء هاجمت القمح، كانت وفرة المحصول وإدعاء هجوم الفئران مبررات كافية لأن نقيم محرقة كبيرة لفئران الغيط، يومها أشعلنا صدر الغيط بالنيران ندفع بها عيون الحاسدين بعيدا عن محاصيلنا ومداراة لفحولة شبابنا.

وكان للفئران دورً حاسم فى إنجاب وريث شرفنا الرفيع، الولد الفار ابن عمى الكبيرّ، فحين ضربت العنّة كثيرا من رجالنا، أسرف عمّى الكبير فى تناول لحوم الهدهد وزيت العنبر وحلل التمساح ومطاردة الغوازى، ومع ذلك ظل صلب عمّى الكبير بليدا لا ينجب الذكور، فأجمع كثير من الطيبين والشامتين على أن يستعين عمى برجل فى المدينة يجلب البخت، وفى اليوم الموعود وضع الرّجل فأرا أبيض اللون ومر به قريبا من صندوق أوراق البخت، ثم ضغط على بطن الفار بخفّة، فالتقط الفأر الأبيض ورقة بخت أخذها الرجل وفتحها ليعلن على رؤوس الأشهاد أن عمّى أصبح فحلا كبيرا، بعد سنوات وفى حدث غير مبرر أنجب عمىّ الكبير ابنه الوحيد وأسماه الفار.

كانت شقوق فئران البيوت الرمادية، ومحرقة فئران الحقول السوداء، وأوراق فئران البختُ البيضاء، بداية لأن يمسك الناس بسيرة عائلتنا، نسكن فى بيوت مليئة بالشقوق، ونعيش فى باطن الأرض ونتقافز بين الجسور، نقرض أوراق الفكر ولا نقرأ ما بين السطور، وتحمل خلفتنا أسماءً للفئران.

منذ أيام شاهدت متحدثا حكوميا فى ندوة إعلامية، كان الرجل يعيش فى جلد فأر، أذناه طويلتان تبتعد أطرافها عن رأسه، عيناه جاحظتان سريعتا الدوران، يتكلم عن ألوان من الناس يعيشون فى الجحور وتنهار عليهم حوائط البيوت، وتساءل كيف للمصريين أن يتخلصوا من فئران السياسة والاقتصاد والثقافة؟ وثب إلى صدرى فخر شديد بأن صيت عائلتنا يضرب الآفاق، وأن فئرانا ملونة ترفع بيوتنا وتحمى ثرواتنا وتدير صناعة مستقبلنا الرائع.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر الثلاثاء 9 مارس 2010م

Post a Comment