Monday, January 07, 2008

!!.. مواسم توريد الجناة

فى حادثة زراعة مخدرات تم القبض على البنت سماح، وتبين أنها تاجرة مخدرات وأنها سجنت فى قضية تهريب أدوية، وفى قضية انهيار مبنى جديد تم القبض على المهندس داود, وتبين انه أدين فى قضايا تجارة عملة وحيازة سلاح ابيض واغتصاب مدير بنك.

وفى هوجة اشتباه فى تجارة الممنوع تم القبض على الولد سعيد, وتبين انه ماسح أحذية هارب من إحدى زوجتيه ويتفاوض على عقد عمل فى الخارج، وقضى الحاج عتريس عشرين يوما فى الحبس حتى تم القبض على رجل تشتبه الشرطة فى انه القاتل الوحيد لحصان رجل عظيم.

هكذا فى بعض المواسم تقعقع أدوات الشرطة فى تطهير منطقة من الخارجين على القانون، تفتش الأرض والسقوف والمنازل والجيوب، ويتم القبض على العشرات من المشتبه فيهم، وحين تخبو طبول مواسم التطهير، تهدأ المعمعة ويسترخى المتعبون من رجال ضبط وجواسيس ووشاه, ويدخل المقبوض عليهم فى محابس تحت السيطرة تمهيدا لإعادة القبض عليهم وقت الحاجة لتسوية جرائم لم تستدل الشرطة على مرتكبيها.

هكذا فى بعض المواسم يتكرر القبض على مشتبه فيهم ويكتشف الناس أن المشبوهين هم نفس الأشخاص المعروفين للشرطة, ويحتار الجميع فى تفسير بقاء كثير من المجرمين أحرارا لا تنالهم يد القانون، يعيثون فى الأرض فسادا ويروعون الآمنين، يتعاملون مع الشرطة كأنها صديق قديم، ويفسر البسطاء أن إغماض عين القانون على نشاط كثير من المجرمين والفاسدين ليس راجعا لطبيعة جرمهم أو لتنوع أسباب الفساد، بل راجع لأن يد الشرطة تتحرك لتنفيذ حالات موسمية، ترتبط بحالات الترقية أو بتنفيذ سياسات فردية محددة، ويتربى شعور لدى الناس بأن الأمور غير منضبطة، ويحاصرهم إحساس بأنهم مشاريع جاهزة لحالات اشتباه تديرها الشرطة، ذلك بأن إغماض الأعين عن الجرم المشهود إنما هو مساومة يمارسها اللصوص فيما بينهم قاصدين الهروب من كل مسائلة.

كلنا يعرف جناة من كل نوع، ويعاشر خارجين على القانون فى أكثر من نص، كلنا يخالط زوجات وأولاد وأقارب وموظفين وتجار وفنانين وطلاب علم وأساتذة جامعات وصحفيين، لكن الخوف القاتل كامن فى صدورنا من سطوة الجناة ونوم القانون وفساد الذمم، وخوفنا من هشاشة ضعفنا الإنسانى بأننا فى وقت ما صالحون لأن نكون جناة من نوع ما.

هكذا نظرا لخوفنا الإنسانى وتعثرنا السياسى فى تناول قضايا الحرية، نرضى لأنفسنا ما نرفضه لغيرنا، نستدرج كل القوانين لتخدم مصالحنا، كل هذا الخوف القاتل يجعلنا لعبا مهترئة أمام السلطة, نطرح أنفسنا صالحين للاستخدام فى مواسم توريد الجناة للقضايا الناقصة أو المحتملة، كل هذا الخوف القاتل يدفعنا لتحسس العصى وشحذ السكاكين قاصدين أن نهش أهل البلطجة ونستعيد شعورنا بالأمان ونطمح أن تلامس أيادينا عدالة تطبيق القانون.

لا سبيل أمامنا للهروب من دوائر الخوف غير الإمساك بأدوات الحرية، حرية الفكر بالعلم، وحرية الإرادة بالوعى، وحرية الفعل بالديمقراطية، نحن بحاجة إلى إدارة علمية تساعدنا على الفصل بين الجناة باعتبارهم موضوع اتهام للشرطة وبين الشرطة باعتبارها أداة لتنفيذ أحكام القضاء وبين القضاء باعتباره أداة لكشف للعدالة، نحن بحاجة إلى إدارة ترفع الوعى لدى الناس ليدركوا طبيعة حرياتهم، ترفع كفاءة الشرطة فى جمع المعلومات وتحليلها وإدارة نشاطاتها، ترفع درجة تطبيق نصوص القانون لتشمل الجميع، ترفع سرعة التقاضى وسرعة الحسم فى الأحكام، ترفع صلاحية السجون لحبس كل مخالف.

ويبقى مطروحا علينا نحن المصريين أسئلة محورية، كيف لنا أن نعرف واجباتنا ونطالب بحقوقنا؟، كيف لنا أن نتخلص من غشم سلطة القهر؟ كيف لنا أن نتجاوز ضعفنا المهين حين يخيفنا الجانى الشرس ويسجننا الشرطى القبيح ويفصل بيننا القاضى الضعيف.

Post a Comment