Tuesday, September 18, 2007

!! رمضان كريم ... أحيانا

نحن المصريين نعيش وقائع التعامل مع شهر رمضان من خلال ثقافة انتقائية متناقضة تسمح بخلط وقائع الفساد مع مظاهر التدين، ترى من الوجهة النظرية أن شهر رمضان كريم دائما، وفى الوجهة العلمية تجعل من شهر رمضان كريما أحيانا.


فى المؤسسات الإنتاجية، تقام على شرف كبار الموظفين حفلات إفطار وموائد ذكر تتكلف الكثير من المال والنفاق وفتح البطون، حفلات جوعى لا يلقى فيها الكبار شرف حضور جمهرة العمال وصغار الموظفين، موائد نفاق يجهل أصحابها أن الجائع الفقير لا يشبع من طعام يقدّم له فى خدمة الفنادق الفاخرة، وأن شبع الفقير لا يعافيه من ألم الحسرة على ما يراه من إسراف.
فى أماكن العمل الحكومية، يثرى كثير من الموظفين لأسباب غير أخلاقية، من فساد ورشوة، ويتاجرون بمظاهر تدينهم، يلقون على رؤوس الفقراء أدعية وتعاويذ وصدقات وأكياس أرز وسمن ودقيق وبلح، وفى كل الأحوال يرتدون أقنعة تخفى فسادهم وراء تفسيرات مغرضة لنصوص دينية.


فى الجامعات ودور العلم، يشترك الكثير فى موائد زيف من تدين موسمى، أساتذة يسرقون الطلاب فى كتبهم الجامعية ويدلسون فى نتائج الامتحانات، يطيلون ترديد الأذكار على حبات مسابح فخمة، طلبة يتوقفون عن التدخين وصبغ الشعر، وطالبات يمتنعن عن استخدام مساحيق التجميل ويرتدين حجاب الرأس، وحين يتخلص الجميع من شهر رمضان ينطلقون فى لهوهم شاغلين بقية العام، يتمسكون بطقوس دينية محصورة على مظهر متغير دون أن تمس لديهم جوهرا مستقرا.

فى أجهزة الأعلام، تنتشر موائد إذاعية يستسلم لها كثير من المشاهدين، تسقى القلوب تخلفا ثقافيا مريعا، تصنع البلاهة فى العقول، تدعو للمقامرة واستهلاك الوقت، تسخر من رغبات البشر وتستهين بمشاعرهم، تدرب نفوس المشاهدين على استجداء التواصل وتسفيه لغة الحوار، وتقلص انتماء الجمهور إلى دوائر العقل والثقافة والتدين.

فى الشّوارع والميادين، وعلى شرف الفقراء وباسم الدين، ينصَبُ الأغنياء موائد طعام وشراب تسحق كرامة كل فقير وتهدر منطق كل دين، يخرق الأثرياء قوانين استخدام الطرق ويشغلون الشوارع، وينصبوا موائدهم تفاخرا أمام بيوتهم، وفى النهاية يرتاد هذه الموائد قليل من الفقراء المعوزين وكثير من الضيوف العابثين.

فى كثير من الأماكن تُنصبُ موائد طعام بدوافع دينية، تهدر فيها الأموال وتقصف عنق أى اقتصاد، ففى العام قبل الماضى أعلنت إحدى الجمعيات الرمضانية أنها تنفق على موائد الإفطار حوالى المليون جنيه مصرى يوميا، وينسى مديرو تلك الجمعية أن ثمن عربة واحدة لبيع الفول أو الكشرى لا يزيد عن خمسة آلاف من الجنيهات، مثل هذه العربة يمكن أن تكفل حياة كريمة لأسرة متوسطة، أى أن ما تنفقه تلك الجمعية على موائد الإفطار اليومية، يكفى اقتصاديا واجتماعيا لفتح مائتى بيتا جديدا يوميا، إن أنشطة تلك الجمعية وكثير من أمثالها يخرج عن إطار المفاهيم الحديثة للإصلاح والتكافل الاجتماعى، إنها شركات توظيف أموال تمارس الوصاية الدينية على أموال السذج وصدقات المتطهرين، تتاجر بفقر الناس وتسفه طموحاتهم الدينية، تدير بعض أموال المجتمع بأداء يصنع مزيدا من الكوارث الاقتصادية.

هكذا تنتشر فى بلادنا مواسم دينية مغلوطة الفهم، تظهر ملامح تخلف ثقافى وحضارى، هكذا تنتشر موائد لئام يسعون للغفران مما كسبت أيديهم، يتطهرون بانتقاء تفسيرات خاطئة لنصوص دينية، يدربون الضعفاء على الشّحاذة وإهانة الكرامة، يروجون فى عقولنا لتفسيرات بدوية متخلفة تدافع عن بناء ثقافى متناقض.

نحن بحاجة إلى مجتهدين ثقاة يعرضون صحيح المفاهيم الدينية على محك التقدم الأخلاقى والاقتصادى والاجتماعى للبشر، نحن بحاجة لأن نخرج من جب تخلفنا المهين، ونملأ وعينا وقلوبنا بثقافة جديدة تجعل منا أمة متحضرة جديرة بالحياة بين الأمم.

Post a Comment