Tuesday, August 14, 2007

صيف بلا ذنوب

حين ينتهى أولادنا من امتحاناتهم، وتهاجمنا حرارة الصيف، ويقعدنا فى البيت ضعف مرتباتنا، وترهقنا الرطوبة ويقتل عرقنا هواء ساخن يلف شقتنا المتواضعة، يصبح من المعتاد أن أجلس فى الصالة مع زوجتى نهش الذباب الكسول ونتبادل حكايات قوم محظوظين يصيفون على شواطئ البحر.

المحظوظون فى الصيف، يهربون من الشمس إلى ماء البحر وظلال الشماسى، يهفهف النسيم على أجسادهم، يثرثرون بالأغانى والنكات ويلعبون الكرة والمساكة، يأكلون السمك المشوى والبطيخ وفطائر الزبيب، ويقزقزون اللب الأبيض وأم الخلول، ويلحسون الجيلاتى ويشربون عصير القصب والخروب، وفى نهاية أيام المصيف يعودون للأصحاب بحكايات شواطئ وجنيّات بحر وبعض أقراص من حلوى المشبك.

منذ أسابيع قليلة، نجح أولادى فى امتحاناتهم، واستلمت راتبى الجديد غير منقوص، ونجحت فى تأجيل سداد بعض الديون، واستعادت زوجتى تفاصيل حلمنا القديم بالتصييف، عندها قررت أن أحب الحياة من جديد وأصاحب زوجتى ونذهب وحدنا إلى مصيف بلطيم على شاطئ البحر المتوسط .

منذ أسبوع وصلت مدينة بلطيم ونجحت فى مفاوضات الحصول على أربعة أيام إقامة فى شقة من غرفة واحدة أعلى سطح عمارة مقابل عشرين جنيها يوميا، ومن الشقة المفتوحة على السماء طالعنا مناظر الناس والبحر والتصييف0
غالبية المصطافين أناس مصريون يثير حبهم للحياة كثيرا من الشجن، الأسطى عنتر بعد شهور من العمل المضنى، أغلق ورشته ثلاث أيام وحضر للمصيف، والحاج سيد أصابه الملل من رغى أصدقائه لحكاياتهم القديمة فقرر أن يصنع حكاياته الجديدة بالتصييف مع أولاده، والأستاذ أشرف جمع غلته من ساقية الدروس الخصوصية وراح يفك نفسه يومين على شاطئ البحر، والست هدى موظفة دخلت ثلاث جمعيات مالية ولمت القرشين لزوم التصييف، إنهم أناس بسطاء، يعرفون الحب ويجيدون الابتسام ويعيشون عيشه أهلهم.

قليل من المصطافين يمثلون ظاهرة تحتاج الدراسة، يروجون لثقافة فاسدة المنطق قليلة الذوق، فى البداية كانوا فقراء فكرا وثقافة يسألون الناس إحسانهم وعقود العمل فى الخارج، سافروا إلى بلاد الغربة والحرور يعملون عبيدا، عاشوا يمسحون عقولهم لتتكاثر نقودهم، وفى النهاية حصلوا بعد جوع على مال وقرروا أن يصبحوا أحرارا على طريقتهم، رجالهم تطول لحاهم وتقصر جلابيبهم، يتمتمون بأحاديث فرقة واعتزال، يقسمون أطفالهم إلى بنين مدللين وبنات محجبات، تختبئ نساؤهم خلف خيام لا تبين منهن غير العيون، ويستمعون لأغانى وأحاديث كئيبة، ويستحمون فى ماء البحر بلباس يشرعون مقاييسه لأنفسهم.

فى مصايفنا جماعات تدربنا كل يوم على كراهية الحياة، يحاصرون المصطافين بحملات دعائية يديرها قوم مهووسون يناصرهم إداريون ساذجون، يشوهون الجدران والأعمدة والعقول والقلوب، ينشرون لوحات إعلانية تضم أدعية وشعارات ساذجة التوجه، بعضها يرى أن مشاكل السفر لا يرفعها غير دعاء مخصوص، وبعضها يرى أن الصيف ملئ بالذنوب ولا يرفعها غير شعار صيف بلا ذنوب، وبعضها يرى أن عيون الناس مليئة بالانحراف ولا يرفعه غير شعار اغضض بصرك.

الأصل أن الجماعة من الناس لها حرية الاعتقاد وحرية الفعل، لكنها ليست حرة فى أن تشد أنف الآخرين وتصدر لبقية الناس ذلك القدر الهائل من الوصاية على أسباب الحياة، وذلك القدر الشنيع من الجمود على سلوك أهل بادية يتمسكون بالقشور، وذلك القدر المظلم من توقيف العقل فلا يدركون أن الآخرين محيطون بهم علما وتقدما.

فى مصيف بلطيم، رأيت المصطافين يعانون من مشاكل مياه الشرب، وتلوث الشواطئ، وانتشار القمامة فى الشوارع، وقلة المطاعم وارتفاع ثمن أم الخلول والسمك المشوى واللب الأبيض، فقررت العودة إلى مدينتى بعد يومين فقط دون أن ارتكب ذنب التصييف أو أحمل أية أقراص من حلوى المشبك، مؤمنا بأن الهواء الساخن تحركه مروحة كهربائية فى شقتنا المتواضعة، أفضل كثيرا على قلوبنا من التعامل مع هذا الجو الخانق.

Post a Comment