Wednesday, November 15, 2006

ط - نق .. يا أهل الكورة

بدأت علاقتى بالكرة منذ الصغر فى قريتنا، الكرات غير المكتملة هى البداية، حين أسرف فى اللعب خارج الدار تدرك أمى أنى نسيت نفسى وتصر على عودتى دون إكمال اللعب، تنادينى وترجونى وتستعطفنى كى أعود، وحين يفشل تدليلها فى عودتى تبدأ فى الصراخ والدعاء تستجلب غضب الأولياء الأطهار والناس الطيبين، وحين تفشل توسلاتها تبدأ فى مطاردتى، أجرى وأبكى وتلاحقنى وتقذفنى بالحصى واقذفها بالتراب والحصى والطوب، وحين تنجح فى الإمساك بى تجرنى على قارعة الطريق، تمسح بجسدى أرض الشارع ثم تحملنى فى حنو بالغ إلى باب الدار، وتبدأ طقوسها فى مسح دموعى وإعداد حمام تنقيتى مما علق بى من تراب وحطب وروث بهائم.

فى القرية بلغت من الطفولة عتيا، سمحت لى مرات كثيرة أن استعرض مهارتى على شط الترعة، استجمع طاقتى وفى ميل مصطنع اقذف بقوة كرات غير مكتملة من الزلط تمس سطح الماء قاصدا أن يتواثب الزلط على سطح الترعة ويعبر أكبر مسافة ممكنة دون أن يغرق.

فى عصر قريب من طفولتى المتأخرة استدارت الكرات وانتشر وجودها فى حارتنا، كرات (البلى) يصنعونها من الزجاج الملون وكرات (الشراب) نصنعها من القش والخرق القديمة ومن جلد مقطوع، نلعب بكراتنا فى مباريات يتنافس فيها أولاد حارتنا مع أولاد الحارات المجاورة، كرات البلى لمباريات (الترنجيلة) و(التيرو)، وكرات الشراب لمباريات (كرة القدم) و(الميس) و(النطاط)، كنت أميل لمشاهدة مباريات كرة القدم وأرى فيها اشتباك لاعبين يكسرون العظام ويعتركون بالأيدى ويشدون الهدوم ويتقاذفون بالأجساد.

كانت بدايتى مع لعبة كرة القدم شيوع نظرية فكرية ملأت عقول أولاد حارتنا، نظرية ترى أننى أفضل من يقوم بالمهام الخطيرة التى يلقيها أولاد حارتنا على حارس المرمى، ملعبنا نقيمه على ارض الشارع أو على ساحة جرن حصاد أو على أرض زنقة من حارة لا تزيد مساحتها عن أمتار قليلة، حين نفتقد الأحجار الكبيرة نصنع شواهد المرمى من أكوام تراب أو من ملابس لاعبي الفريقين، عادة يتكون فريقا كرة القدم فى حارتنا من سبعة لاعبين، أربعة من بيننا مقابل ثلاثة من المنافسين، يتداولون الكرة بأرجلهم الحافية ويعوقون حركة المنافسين بأيديهم، وقت اللعب فى مبارياتنا مفتوح ولا مانع من دخول ومشاركة بعض العابرين من بشر أو بهائم، وللاعبين حق دخول أرض الملعب أو الخروج منه فى أى وقت، وللجميع الحق فى الرجوع عن قراراتهم متى رغبوا.

فى كل مباراة أقمناها لكرة القدم سعينا لإعلان فوزنا بأكبر عدد من الأهداف قاصدين إحراز السيطرة على الحارات المجاورة، سيطرة تكفل لنا فى المرات القادمة أن نحدد بإرادتنا الحرة وقت ومكان وطريقة اللعب ومعايير احتساب الأهداف، وتتحقق سيطرتنا بالفوز فى المباراة مهما كانت طريقنا فى اللعب، طريقة تمنع دخول الكرة فى مرمانا وتعتمد على سرعة حارس المرمى فى تحريك شواهد المرمى يمنه أو يسرة، تضيقا أو توسيعا للمرمى يعجز معه الخصم عن التسديد، وطريقة تعتمد على الصياح والقسم بأغلظ الأيمان أن الكرة لم تدخل مرمانا وان دخلت، وطريقة التحرش بملابس الفريق المنافس بقصد ضياعها وتحريكها نحو توسيع مرماهم فيسهل على فريقنا تسديد أهداف الفوز، هكذا وصلت نتائج بعض مبارياتنا فى كرة القدم إلى رقم معتاد من الأهداف، عشرين هدفا لنا مقابل ثلاثين هدفا للخصم، وأصبح شائعا أن تنتهى مباريات حارتنا بمعارك يشترك فيها اللاعبون وبعض المتفرجين وأحيانا عابرى السبيل، يتبادلون القذف والإصابة بكرات غير مكتملة من حصى وطوب وطين وجلة ناشفة.

برغم أن مباريات كرة القدم فى قريتنا تمثل مصدر متعة للكثيرين إلا أننى لم أصب ذلك القدر من المتعة حين لعبت دور حارس المرمى، ففى حالات نادرة استكمل فريقنا مبارياته مع المنافسين دون معارك وشجار، ومع نهاية كل مباراة يسرف أولاد حارتنا فى إصابتى بالإحباط وتجرع الأسى، حين نحصد نتائج مبارياتنا ينهال الجميع على رأسى بالشتائم والاستهزاء بإمكانياتى الكروية ويقعون على جسدى بالضرب والركل وتقطيع الهدوم، إذا فزنا يتهمنى الفريق المنافس بأننى عمدت إلى تحريك الهدوم فضاق مرمانا وضلت كراتهم أهدافها، وإذا هزمنا يتهمنى فريقنا بتحريك الهدوم فاتسعت شواهد مرمانا واستقبل كرات المنافسين وأننى فى كل الأحول قصرت فى مهارات المراوغة والجرى عبر الملعب قاصدا توسيع مرمى المنافسين أو شغلهم عن اللعب بتضييع هدومهم.

مع مرور الأيام وانتشار مباريات كرة القدم فى قريتنا كثرت الأورام والتسلخات فى جسدى وانتشرت الرتوق فى هدومى وكثرت حالات رفض فيها أولاد حارتنا أن ألعب دور حارس المرمى، ورأيتنى أواجه الحياة دون مهارات كروية معترف بها، ووجدتنى أمضى وحيدا كارها لكرة القدم، لا أميز خصوصية ألوان ملابس لاعبى كرة القدم، لا أحمل انتماء أى نادى لكرة قدم، لا افهم معنى مسميات كرة القدم، وحين أردت تعويض نقص مهاراتى فى حراسة المرمى بالتفوق الدراسى عاقتنى فكرة أن الحساب العلمى لحجم الكرة له علاقة بنسبة تقريبية هى (ط) منسوبة إلى حرف من كلمة الطوب، و(أربعة على ثلاثة) منسوبة إلى عدد من أطفال حارتنا اشتركت معهم فى مباراة كرة قدم ولا اعلم كيف حشر علماء الرياضة نصف القطر(نق) فى الحسبة ليصبح حجم الكرة، مساويا لقيمة المعادلة (4على3 ) ط ( نق – تربيع).

الآن ومعى كل هذه الخبرة، أرانى صالحا لقيادة قائد فريق لكرة قدم تعبر انتصاراته الأزقة والحارات والشوارع وكل القرى ويصل بسمعتى إلى العالمية؟.

Post a Comment