Monday, August 14, 2006

اجازة فى حب الوطن

وسط شراسة أعدائنا وضخامة كوارثنا وهول تصريحات أولى الأمر فى تفسير أحوالنا، يلقانى صديق يحيطنى بالرعاية وقصاصات الجرائد ونصائح بعض المخلصين، صديقى يرجونى أن أكون جميلا، هادئ الأعصاب كأننى بلا حس، كريم المعشر كأننى نصف أمير، عفيف اللسان وكأننى نصف ولى، راقيا فى مشروباتى كأننى نصف ثرى، أتوقف عن السباب والهجاء كأننى نصف وزير، أمارس تبرير تخلفنا بالقسمة والنصيب كأننى نصف شيخ عصرته حكمة الجهل، أبحث عن قلة حيلتنا بين مؤامرات نسجها صناع التاريخ حولنا كأننى نصف تلميذ لا يعرف القراءة.
وسط كل هذا الأسى، يدفعنى صديقى للتفكير فى أحوالنا والكتابة عن مصائبنا، متناسيا أننى مجرد فرد يعيش مثل الكثيرين فى مجتمع ضعيف، نهرب من مواجهة مسئولياتنا ونلقى عبء ضعفنا على ولاة الأمور، وأن ولاة أمورنا كثيرا ما ينفضون أيديهم من كل نائبة تحل بنا وتصنعها ولايتهم.
إليك يا صديقى الطيب، أما وان بلغت زوجاتنا سن اليأس وهشاشة العظام وروماتيزم المفاصل، ودخلن فى طور الأمهات الصالحات والجدات المزعجات، حين نطلب حقوقنا فى الوصال تلبس زوجاتنا الأبيض فى الأبيض، يطوقن أيديهن بالمسابح ويدعون لنا بالرشاد، وحين تشاغلنا لحظات طفولة نحب فيها الحياة ونطارد الفراشات نطلب منها الزواج، تلبس زوجاتنا الأسود فى الأسود، ويشعن بين الجيران وفى عقول الأولاد أننا أزواج من خيالات المآتة طيبون لا نهش ولا ننش، أما وأن زوجاتنا تفعل أكثر من ذلك، بعد طول عشرتنا ينكرن مودتنا، وبعد جرينا وسط الشوك ينكأن جروحنا،
أليس من حقى إذن يا صديق، أن أطلب إجازة قصيرة بعيدا عن الكتابة والكلام، أدير رأسى وأفكر فيما يحدث.
أما وان بلغ شبابنا سن التخرج من المدارس والجامعات ومواقع الخدمة العامة، يحملون صكوكنا الرسمية المختومة بالتفوق والقدوة الحسنة، ونلقيهم بأيدينا وعجزنا فى طور المحبطين، لتضم بلادنا تسعة ملايين عاطل عن العمل وثلاثة ملايين من العوانس جاوزت كل منهن الثلاثين من عمرها، وأصبحت قلوب شبابنا فارغة لا تثق بنا حين نحدثهم عن ماضى تسيدنا فيه البرية دون أن يساعدنا أحد، وتعتزلنا فى مشاركة الحاضر حين ندعى لهم أننا نملك ثقافة لا يشاركنا فيها أحد، ويكذبوننا حين نصور لهم مستقبلا مبهرنا سندخله دون أن يساعدنا أحد، أما وان بلغ شبابنا كل ذلك الانعزال، أليس من حقى إذن يا صديقى أن أطلب إجازة قصيرة بعيدا عن الكتابة والكلام، أدير رأسى وأفكر فيما يحدث.
أما وان بلغ مجتمعنا مشارف الانهيار، يطرق الأعداء أبوابنا من كل جانب، يستبيحون فكرنا بثقافتهم، ويحتلون أرضنا بأموالهم، ويعطلون قلوبنا بفنونهم، ونحن منكبون على الانسحاب إلى رحم تاريخنا، أطفال نسترجع الذكريات ولا نستطيع المواجهة، نمارس التبرير والتغرير بأهلنا دون أن نطرق أبواب العواصف، لا نخلع أبوابنا المتهالكة وينخرها السوس، لا ندير عتبات فكرنا نحو ثراء أرضنا وحرية أهلنا وجمال قلوبنا، تبتلع مقاهى الكلام أرصفتنا ونمارس فيها ألعاب الحظ والهروب والنميمة، تغطى نفايات الثقافة شوارعنا، خصائصنا مهدرة وألفاظنا هجين وعلامات طريقنا على غير عنوان، وصلاح فكرنا محشور فى أفواه المطابع وبين ساحات الورق وفوق موجات الأثير، فكرنا يخرج صريعا مهلهلا ويسد أبواب العمل، أما وان بلغ مجتمعنا هذا الحد من المهانة، أليس من حقى إذن يا صديق، أن أطلب إجازة قصيرة بعيدا عن الكتابة والكلام، أدير رأسى وأفكر فيما يحدث.
يا صديقى الطيب، إن مثلى يدفعه سعينا للتخلف لأن يتوقف عن التفكير والكتابة، واثقا أن بلادنا لن تخسر كثيرا إذا توقف أمثالى عن أى عمل، ولن تكسب بلادنا كثيرا إذا أتى أمثالى بكل البطولات، فنحن نعيش مجتمعات متخلفة تدربنا كل يوم على فقدان الثقة بالذات، وفقدان الجدوى من أى عمل، وتدربنا على أن نمنح الثقة فقط لولاة الأمور فى كل الأمور، إنهم من ضعفهم يحتاجون ثقتنا ونحن من ضعفنا لا نستطيع حملها إليهم.
مهلا يا صديقى الطيب، وقائع الحياة تدين للأقوياء بالاتجاه وتجرى على الضعفاء بالأثر، فلماذا لا نكون أقوياء؟ نراجع الفكر ونمهد الطريق ونبدأ العلاج، مدركين أن من يعطى لقلبه إجازة من حب الوطن وينأى بفكره عن مواجهة الخطر، هو كائن يعطى لنفسه صك اغتراب عن الحياة قاصدا أن يعيش أبد الدهر بين الحفر.

Post a Comment