Saturday, December 12, 2009

شفت مليونير


أنا مصرى قديم، عشت قبل أربعين سنة فى عصر الجنيه الجبس، ثمن كيلو اللحم نصف جنيه مصرى، والراتب الشهرى للموظف الكبير خمسون جنيها، والمليونير يملك من الجنيهات عشرات كثيرة فوق الخمسين، فى ذلك العصر من ستينات القرن الماضى سمعت بأذنى فى مدرجات الجامعة محاضرة لأستاذ الاقتصاد الدكتور يحيى عويس قال فيها: لو أن مصريا سعيد الحظ تم تعيينه منذ يوم ولادته فى أعلى الدرجات الحكومية غير السياسية، درجة وكيل وزارة، وظل يتقاضى راتب الوظيفة حتى بلوغه سن المعاش عند الستين، وأن هذا السعيد عاش مقطوعا من شجرة غير مدين بالتزامات مالية تجاه أحد، فان مجمل ما يستطيع ادخاره لا يزيد عن عشرة آلاف جنيه مصرى.

كان هذا حديث عالم متخصص فى الزمن الماضى، وبحساب أسعار أيامنا الحالية، فان كلام العلم يقضى أن الفرد المنتج بقدراته الذاتية حسب الأصول الاقتصادية والأخلاقية لا يمكنه أن يدخر طوال حياته العملية أكثر من مليون جنيه مصرى، من يومها وضعت الحسبة حلقة فى أذنى وركبت نهر الحياة أبص على أولاد بلدنا، وأمارس بعض النميمة.

منذ أيام ذهبت إلى ندوة ثقافية تتناول طموحاتنا الصناعية، وأمام مقر الندوة وقفت سيارة سوداء كبيرة، نزل منها مليونير مصرى كبير يبنى لنا مصانعا ويسكب فى أدمغتنا أفكارا، درت فى المكان أغافل بعض العيون ألامس السيارة وأحادث سائقها، أنها سيارة فخمة ضد الرصاص والحسد، فى نهاية الندوة طوح المليونير بيديه واقفا أمام عدسات التلفزيون وبجواره حرسه الشخصى، ليقول أننا دولة صناعية متحضرة يأتيها الخير مع حرية رجال الأعمال، ولا مجال لتدخل للدولة إلا فى أقل القليل، وأن التقدم تحكمه آليات السوق، فحشرت نفسى وسط الزحام مبتعدا عن رائحة فكرة يبثها المليونير تقضى بأن رجال الصناعة وحدهم ملائكة الرحمة بالعباد.

يا لسعدى، أنا مصرى عملت لمدة تزيد على الأربعين عاما، موظفا حكوميا بشهادات جامعية وفوق الجامعية، أرتب أمورى كل شهر لأفلت من دائرة الديون ومع ذلك لم يصبنى حظ الإفلات من العوز، عشت وشفت ولامست مليونيرات مصريين، ولو أن كل أساتذة الاقتصاد والأخلاق فى بلادنا نهضوا من ثباتهم وشافوا أثرياء مصر المحدثين فسيعرف الجميع أن بعض مليونيرات مصر رجال شطار، لا يعيشون عيشة أهلهم ويتبارون فى نهب مصر وإفقار المصريين.

Post a Comment