Tuesday, February 22, 2011

منهج التقدم الثورى

أخيرا، وبعد جهد وتضحيات كثيرة، وصلنا نحن المصريين إلى جسر ثورة 25 يناير2011م، ولأن طبيعة التغير الحضارى يتأثر بظروف العصر فنحن بحاجة إلى تزكية منهج ثورى لازم لإحداث تغيير حاسم لصالح تقدمنا المأمول.
لا أحد يكره التغيير، لكن قليلا من الناس هو القادر على التغيير العبقرى، الأزواج يمارسون تدريبات يومية فى الطلاق والخلع، قليل منهم هو القادر على فعلة الزواج من جديد، الأولاد والبنات يتشاكسون على النواصى ومفارق الطرق ويرقصون على حواف العقوق والبر مع الأبوين والأهل والجيران، قليل منهم هو القادر على فعلة الاستقلال الذاتى، معظم الفقراء يسبون الأغنياء وكثير من الأغنياء يتآمرون على الفقراء، قليل هو القادر على أن ينتقل طبقيا بين الفريقين دون ضجيج.
لا أحد من الأسوياء يكره التغيير، لكن قليلا هو الذى يسعى لأن يكون التغيير ثوريا ناضجا يضيف وقائع وأحلاما للتحضر الإنسانى، الثوريون السذج يرفضون تغيير ثوابتهم، إنهم يصنعون الثورة على أعينهم ويجعلون من أحداثها أصناما للتسبيح وخناجر لوصم الآخرين بالعداء، فعل التغيير لدى الثوريين السذج يتوقف عند لحظة فى الزمن، يحملون فيها شعارات تجرى على لسان قائدهم الأوحد وزعيمهم الملهم، يفدونه بالروح حين يسلبهم روح المبادرة تكريسا لفرديته، ويفدونه بالدم حين يمتص دمائهم تكريسا لخلوده، هكذا أصبحنا نحن المصريين طوال تسعة وخمسين عاما منذ ثورة التغيير فى 23 يوليو 1952م، تحكمنا نظم شمولية غير ديمقراطية، تملك السلطة المعلنة من خلال حكم الحزب الواحد، أو تملك المعارضة المحظورة متمثلة فى تيار المحافظين مثل الإخوان المسلمون والمسيحيون وتيار اليسار مثل الشيوعيون والناصريون، وأفرغ الجميل أنشطتهم الحزبية من كل فضل.
كان مأمولا أن يصبح التعليم للمصريين كالماء والهواء ضرورة وطموحا لكنه تحول إلى تعليم آسن وملوث، كان مأمولا أن يتحرر الاقتصاد المصرى من عناصر الضعف لكنه أصبح اقتصادا تابعا تحكمه قواعد احتكار بغيض وعولمة غاشمة، وكان مأمولا أن يعيش المصريون فى ظل نظام حكم ديمقراطى لكنه أصبح نظام حكم يعتمد حزمة من عيوب كل النظم، انه نظام ديمقراطى من غير أحزاب، ودينى من غير شرائع، وملكى من غير وراثة، وعشائرى من غير ولاء، هكذا فقدنا نحن المصريين بوصلة الطريق إلى مشروع قومى فى العلم والثقافة والاقتصاد، وتحولنا إلى مجتمع ممتلئ بالثقوب ينسحب من الحضارة، وكان لابد من قيام ثورة مصرية جديدة.
مع ثورة 25 يناير الجديدة، نحن الآن فى حاجة إلى إقصاء منهج الفكر الشمولى من حياتنا والاتجاه نحو منهج الليبرالية الفكرية قاصدين بناء دولة مدنية حديثة، تصنع الحرية والعدالة والكرامة لكل المصريين.
المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 22 فبراير2011م

Sunday, February 20, 2011

عن الدولة المدنية

فى هذه الأيام، أيام ثورة التغيير، يدور الحديث عن نظرية الدولة المدنية، وأول الخيط فى هذا الموضوع هو الإنسان الفرد باعتباره الوحدة الأولية للجماعة السياسية، والإنسان الفرد يتناول صراعه مع الحياة فى دوائر زمنية ثلاث تتداخل فيما بينها، دائرة ماضى يعرف بعضا عنه بالنبش فى ذاكرة احتمالية يطغى عليها الحدس الإيماني، ودائرة حاضر يعيشه بحواس تطغى عليها المعرفة العلمية، ودائرة مستقبل يصنعه بأحلام يطغى عليها الحدس الإيماني مرة أخرى، ولفهم السلوك السياسى للإنسان يلزم التفرقة بين الإيمان والعلم.

الإيمان منهج ذاتى فردى لتفسير العالم يعتمد على الحدس والأحلام والمصادرات العقلية، فالإيمان بأن البشر قد خلقوا من نطفة حصان يلزم تفسير الوجود البشرى بناء على مصادرة وجود هذا الحصان، والإيمان بأن آدم أبو البشر يلزم تفسير الوجود البشرى بناء على مصادرة وجود آدم، هكذا تتعدد التفسيرات بتعدد المصادرات ويبقى الإيمان كمنهج فردى صالحا فى نظر المؤمنين لتفسير الأحداث فى الماضى والحاضر والمستقبل، هذه الصلاحية مستمرة بقدر ما يحققه الإيمان من مصالح فردية للفرد المؤمن.


العلم منهج موضوعى جماعى للمعرفة يعتمد على البديهيات العقلية والحواس الغريزية فى تفسير وفهم العالم، تتساوى عنده الفروض مع المصادرات ويقبل مناقشة الجميع، العلم منهج يسمح للفرد البشرى بتخزين المعرفة ونقلها إلى غيره من البشر متجاوزا إمكانيات الأفراد الخاصة والمتباينة بسبب حياتهم فى موطن جغرافى بذاته أو قبيلة اجتماعية بعينها، هكذا يبقى العلم كمنهج جماعى هو المنهج الأكثر ديمقراطية لتفسير كل من الماضى والحاضر واستشراف المستقبل.


لأن الإيمان منهج ذاتى فردى فهو لا يقبل الاعتراف بمنهج الآخر فى المعرفة حتى ولو قبل فكرة التصالح إلى حين مع ذلك الآخر، فكل دين هو منهج إيمانى ناسخ لغيره من الأديان، هكذا لا يمكن تعميم المصادرات الدينية كمصدر وحيد لمعرفة الحياة والتعامل معها، ويبقى المنهج العلمى منهج معرفة موضوعية تصل إلى الجماعات المتباينة ثقافيا، ويعترف بوجود مناهج أخرى محتمله للبحث عن المعرفة.


فى العصر الحاضر يعيش البشر فى كيانات سياسية يتعاظم حجمها من أسرة إلى عائلة إلى قبيلة إلى الدولة، احدى النظريات لتفسير وجود الدولة هى نظرية العقد الاجتماعي، ويرى أصحابها أن الدولة كائن مستقل اجرى عقدا مع الجماعات المكونة له على ضمان الحريات وتأصيل الحدود بين الحقوق والواجبات على أساس قانونى من الأهلية والكفاءة، هذا العقد يوضع فى دستور فوقى ثابت تنبع منه كافة القوانين التى تقود النسق المعرفى العام للجماعات المكونة للدولة، هذه النظرية تفترض الكفاءة والأهلية لتحمل مسئولية العمل بالدستور.


هناك نظرية أخرى تفسر سبب وجود الدولة، وترى أن حب الإنسان الحياة هو الأساس لوجود الأشكال المتباينة من صور الجماعات البشرية، هذه النظرية تراعى حركة الجدل البشرى مع الحياة باعتباره أخذا وعطاء، وترى أن دستور الدولة عمل وضعى يمكن تعديله كلما أقبلت المجموعات على أمر جديد, نظرية حب الحياة هذه لا تقيم وزنا للفصل التعسفى بين حرية الجماعة وبين حرية الفرد، وترى أن جدل الإنسان هو الذى يضع حد التوازن بين البشر، هذا الجدل قائم على محصلات قوى ليست بالضرورة متصارعة، وعليه يصبح هناك جدل ديمقراطى بين الشمول الفكرى تمارسه الجماعة الغالبة وبين التكلس الفكرى تمارسه الأقلية.


الآن فروض التقدم فى البيئة الحضارى للجماعة السياسية، تتطلب وجود دولة مدنية لها دستور يفصل بين أديان الجماعات والطوائف وبين سلطات الدولة، حيث يكون للمواطنين حريات الانتقال والاعتقاد والعمل فى دولتهم، ويكون للدولة سلطات مدنية على مواطنيها تنسق بين حرياتهم على أسس من العدل والمساواة، دون تمييز بسبب لغة أو ثقافة أو دين أو جنس.

المقال نشر فى جريدة الوفد السبت 19 فبراير 2011م

Sunday, February 06, 2011

الانتفاضة والمثقفون

طمعا فى شحذ الهمم نحو التغيير الحضارى، يرى البعض أن المثقفين قوم يكتبون ويتكلمون عن التغيير دون قدرة على أحداث هذا التغيير، وأن عدم قدرتهم على التغيير هى المسئولة عن انتشار الفساد المجتمعى، هكذا يخلط بعض القراء بين إمكانية المثقف وبين طبيعة الدور المطلوب منه.


إمكانات المثقف تتوقف على ما يملكه من قدرات تصنع منه مثقفا، من هذه القدرات الانتماء، والمعلومات، والوعى، والرغبة فى الحياة الكريمة، ونتيجة لإرادة فردية لدى فرد بذاته تظهر هذه الإمكانات وتزكيها ظروف اجتماعية فتصنع منه مثقفا، ويتبقى أن الدور الفاعل للمثقف فى المجتمع قرين بطبيعة وجوده فى هذا المجتمع.

هناك مجتمعات حضارية تحكمها نظم ديمقراطية تعتمد العلم والكفاءة سبيلا للتطور، وترى أن المثقفين مواطنون يحملون فكرا وأراء يضعها المجتمع محل البحث والاختبار وتنفيذ ما يصلح منها، وهناك مجتمعات إقطاعية قبلية تعتمد على العصبية سبيلا للبقاء، وتحكمها نظم ديكتاتورية، ترى المثقفين مجرد أبواق يقتصر دورها على الإشادة بالنظام دون أن يكون لها حق التفكير أو النقد، ونحن فى بلادنا العربية نعيش مجتمعات إقطاعية قبلية لا ترى للكتاب والمثقفين غير مكانين فقط، إما المعية مع السلطان أو العزل والاعتزال عن المجتمع.



فى المجتمعات المتحضرة يقتصر دور المثقفين على إجادة صناعة التفكير وعرض الأفكار الإبداعية فى مقالات أو أبحاث، إنهم ليسوا أطباء ليصلحوا أمور الصحة، وليسوا مطربين ليصلحوا أمور الغناء، إنهم جنود فى مجال الثقافة والفكر يبذلون جهدهم قدر الاستطاعة، وفى المجتمعات المتخلفة تهتم قيادات المجتمع بتحجيم وكسر الشوكة الفكرية للمثقفين، وتسمح بالقيادة لأصحاب القوة المادية والسلطان الغاشم.

 يقول علماء الإحصاء، أن سلوك الظواهر الطبيعية كثيرة الحدوث يميل إلى شكل جرس متوازن حول مركزه، على طرف الجرس حوالى عشرة فى المائة من العباقرة يجرون الجرس فى اتجاه ايجابى، وعلى الطرف المقابل من الجرس يسكن حوالى عشرة فى المائة من المجانين يجرون الجرس فى اتجاه سلبى، هكذا فى المجتمع البشرى يوجد حوالى عشرة فى المائة من الأفراد تسعى للبناء يقابلها عشرة فى المائة تسعى للفساد، والمثقفون مع اختلاف وتعارض توجهاتهم يقعون اجتماعيا عند هذه الأطراف، ويبقى قطاع الثمانين بالمائة من المجتمع يمثلون الغالبية الصامتة تشغلهم أمور حياتهم، يشاركون بالصمت فى تناول الهم العام ويقود خطاهم أصحاب القوة من تنظيمات وأحزاب علنية أو سرية.

 هكذا تتوقف طبيعة التغيير الاجتماعى، من حيث الصعود للتحضر أو الهروب نحو التخلف، على ذلك القدر المتاح من الديمقراطية لكل فصائل المجتمع وطبقاته، ذلك بأن الديمقراطية هى أفضل الأنظمة لصنع التقدم.


المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الأحد 6 فبراير 2011م

Tuesday, January 25, 2011

فى انتظار التغيير


على هوامش ما جرى فى تونس من تغيير سياسى، يرى بعض المراقبين أن مصر تعيش مخاض تغيير مماثل، حججهم فى أن عوامل صناعة التغيير الأساسية تحاصر المصريين، إنها الجوع الاقتصادى وفقر الأداء السياسى وتآكل المواطنة، لكن القراءة الموضوعية للواقع تصل بنا إلى أن التغيير السياسى المصرى صعب المنال.

فى مقابل الجوع الاقتصادى يوجد فى مصر نسيج اجتماعى غير متجانس لا يقوى على التمازج، فالطبقات الاقتصادية المصرية غير متواصلة اجتماعيا تعيش منعزلة، إنها طبقة ثرية مرفهة يقل حجمها عن عشرة المائة، وطبقة عريضة تصل إلى أربعين فى المائة من السكان تعيش دون خط الفقر الاقتصادى، ويبقى طبقة ثالثة تستهلكها المحافظة على حد معقول من الحياة، هذا الوضع الطبقى الاقتصادى الاجتماعى السيئ جعل المصريين يعيشون حول خط الفقر الثقافى، يتناولون الماضى بقداسة ترفض الفهم، ويواجهون المستقبل بأحلام لا تصمد مع متطلبات التحضر، وجعل من مصر كائنا اجتماعيا لا يقوى على جماعية التغيير.

فى مقابل فقر الأداء السياسى المصرى، المتمثل فى ضعف المنهج من حيث انعدام المشروع القومى، وضعف الأدوات من حيث الأطر الحاكمة للنشاط السياسى للأفراد والجماعات، تحمل الغالبية من النخب المصرية شتاتا فكريا وثقافيا يدخلها فى أطر مغلقة تحول بينها وبين جماعية المشاركة السياسية، هكذا تعيش النخب المصرية فى جزر منعزلة لا تبشر بالقدرة على جماعية التغيير.

فى مقابل تآكل قضية المواطنة تتصارع آليات الانتماء بين أصحاب حزم فكرية متناقضة، فمن داخل مصر تعيش الجماهير وعيا سياسيا منقوصا يفتت الانتماء، ومن خارج مصر تتطاير أفكار متناقضة عن الانتماء بين أقباط مهجر يضيقون الخناق على أهل مصر كى يعيشوا فى تاريخ مضى، وبين إخوان بترول يلغون وجود مصر فى تاريخ معاصر، وبين عبيد يأكلهم الفقر الاقتصادى تدميهم أسلاك الكفالة والنخاسة والعمل خارج الوطن، هذه الحزم الفكرية تمارس التمييز الدينى والطائفى، يدعون أنهم المندوبون وحدهم عن السماء وأنهم وحدهم الناطقون بالحق، يرون المؤمن بهم نصف مقدس والكافر بهم مشروع قربان للآلهة، إنهم لا يعترفون لغيرهم بحق المواطنة بل يرونه تابع يستحق النفى، هكذا يضيع الانتماء بين الطوائف ولا يقدرون على جماعية التغيير.

واقعنا الآن أننا مصريون نعانى تخلفا حضاريا مريرا، لن ينقذنا منه إتباع دين مغلق يستبعد الآخر أو ممارسة ديمقراطية مزيفة تنفى وجود ذلك الأخر، فالدين المغلق إغفال عن الحق فى المعرفة الموضوعية، والديمقراطية المزيفة لعبة أقوياء لا يرحمون ضعيفا، إنقاذنا لن يأتينا إلا بالعلم وحب الحياة، فالعلم يكشف لنا طريق الحلول الموضوعية، والحب يبرر تضحياتنا فى تحقيق هذه الحلول.


المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 25 يناير 2011م

د. ياسر العدل

Tuesday, January 18, 2011

مفردات فكرية -1



• شكوت للطبيب تعبى وهوانى على الأطباء، فقال لى: اختصر، هو أنا ناقص مرض؟.

 

• كان لصا وقاتلا يخوض فى الأعراض، فقررت قريتنا قتله، بعد أن عاد من سفرة إلى الديار المقدسة أهدى لكبير قريتنا زجاجة ماء ومسبحة، فقررت قريتنا قتل رجل آخر.




• هناك فرق بين مخ الرجل ومخ المرأة، الحمد لله أنا أملك المخيين، حين أكون ماشى عدل يحتار عدوى فى، ويكون مخى مخ راجل، وحين أكون ماشى فى الخباثة يحتار صديقى فى، ويكون مخى مخ امرأة.




• معظم البشر يؤمنون بالإيمان بالله، إنهم لا يؤمنون بالله مباشرة، إنهم يؤمنون بالله عبر إيمان بأنبياء ورسل وكتب ومعجزات، إنهم يؤمنون بمطلق عبر إيمان بمطلق، ولما كان الإيمان ملزما بعبادات موضوعية ليس من بينها فعلة الإيمان، لذلك قل المتدينون وكثر تجار الدين.




• لا توجد علاقة علمية تربط بين الدين والجمال، فالفقراء والمرضى والمتعبين تعدهم الأديان بدخول ملكوت السموات، أما ملكات الجمال فعادة يدخلن ملكوت الرجال المحظوظين.




• فى كل يوم من عمرى، تجف دمعة، وتتفتح ابتسامة، ويولد إنسان، هكذا لو طال بى العمر لوسعت محبتى كل شيء.




• لو أننا فعلنا أشياءنا بحب، لفعلناها بأدب، ولأصبحت سيرتنا الذاتية آيات من الأدب الراقى.


• صباح اليوم رأيت سيارة عميد الكلية، وفراش رئيس الجامعة، وصورة ابن خالة جارنا يصافح رجل أمن، وواحد لا أعرفه يحمل صورة لممثلة فاتنة، يا رب: لماذا كل هذا الاضطهاد؟.




• صديقى يؤمن بأنى عصامى من أهل الجنة، وحين سألنى عن طلباتى فى الآخرة قلت: إصلاح البوتاجاز، ومرهم أجنبى لتدليك الركبة، وكيلو كباب من لحم الماعز الجبلى، وصندوق بيرة خالية الكحل، وريهام وسحر وشيماء، وأن تفتح كل قنوات الدش الأوربى مجانا.




• لماذا لا يتخلى العرب عن فرقتهم، ويختارونى رسول العناية الحضارية إليهم؟ دعهم يجربون فلن يخسروا شيئا، أنا الذى سأخسر بهائى.

 

• لدخول الخلاء فقه، ولسماع الموسيقى فقه، ولركوب المصعد فقه، فهل هناك فقه يرعى المصالح المرسلة لأمه تعيش هذا العصر؟.
• انتهى موسم القبلات والأحضان بين عنصرى الأمة، وخلا كل إلى سبيل، متى يبدأ العمل من أجل دولة مدنية؟ تضم الجميع مواطنين فى وطن واحد، وتحمى وجود المتطرفين من كلا الطرفين.
• ليس مطلوبا أن تستمر الحياة بدوننا، المطلوب أن نستمر نحن فى حب الحياة فنساعد الحياة على أن تكون فينا.
• وعهد الله بحبك، صدقينى يا رب تموتى..
 • باقى من الرصيد، ثلاث ابتسامات، وضحكتان، وعدد كاف من الملامح الباردة.


المقال نشر فى جريدة نهضة مصر الثلاثاء 18 يناير 2011م

Tuesday, January 11, 2011

إلى نواب الشعب

الأخوة أعضاء مجلس شعبنا المصرى الموقر، كان من المحتمل أن أكون عضوا بينكم، فهذا حقى الدستورى وأنا مصرى اعرف كثيرا من الآم المصريين ومعاناتهم، لكن لعبة صندوق الانتخابات جعلتنى لم اشترك فى انتخاب واحد منكم بصفة شخصية، وأصبحت فى موقع مواطن يقدم لكم النصيحة بعين ويقيم سلوككم بعين ثانية.



الأخوة أعضاء المجلس، يوم استلمتم عضوية المجلس أقسمتم على رعاية مصالح كل المصريين، هكذا أصبحتم نواب التشريع لمستقبل كل المصريين، نتوقع فيكم أكثر من أربعمائة فرد من ذوى الجنسية المصرية، لم تتهربوا من الخدمة العسكرية، تكسبون رزقكم من حلال وتنفقون ما تكسبون فى الحلال، لديكم قلوب تعقلون بها مشاكل التقدم على أرض مصر، تنتظرون عيون حق ترى أعمالكم، وتحتاجون قلوب رحمة تعقل أقوالكم.

أحبائى أعضاء المجلس، الناس فى بلادنا بسطاء، يملكون عيون حق وقلوب رحمة، ويملكون أذانا وألسنة ولا يبغونها عوجا، يتراصون فى دواوين الحكومة والبيوت وقاعات الهتاف وطوابير المستهلكين، يكرهون عجين الكلام الممزوج بالقهر والاستخفاف، ويبادلون سلطة القهر نفاقا بنفاق، يذكرون فى العلن أمام شاشات العرض العام صلاحية الشأن العام وأن ولاة الأمور طيبون، ولكنهم يميلون فى السر، داخل البيوت ومجالس النميمة، إلى فضح الشأن العام والإمساك بوقائع الفساد، والعيب فى عدم الشفافية.

فى جلسات الاغتياب والتصالح، يقول حاسد أن هذا الرجل ظل يبحث طول العمر عن فرصة، وحين أمسك بأول كرسى فى السلطة طبخ الطبخة لأولاده ولبعض الجيران، الغشيم فيهم أصبح حكيما والأهطل فيهم أصبح ثريا، ويقول منافق أن أهل الحل والربط تأكدوا أن ذاك الرجل غير مثقف ومع ذلك اختاروه مسئولا عن كل ثقافة، ويقسم أحد الكاذبين أن كل المناصب تعرض على شخصه لكنه يأبى أن يشغل منصبا لا يريده، وينهى رجل واع جلسة الاغتياب والتصالح بأن المناصب كثيرة لكن الشحاذين أكثر.

أحبائى أعضاء المجلس، نحن نعيش وقائع إسهال بعض الطامعين فى حكم مصر، إنهم يمسكون بطونهم طمعا فى استمرار مناصبهم، ويعشقون الموت على خوازيق كل مؤامرة، هكذا تنتشر فى بلادنا ساحات غيبة يلوك الناس فيها سيرة الطامعين، يرونهم موظفين أقمارا تكسف قدراتهم المتواضعة شمس كل كفاءة، وتتناثر بين الجميع حكايات ونوادر.

نوابنا فى مجلس الشعب، الناس فى بلادنا تحب الحياة وتسعى وراء لقمة العيش، تعرف أن الفساد يتعاظم على سلم من يطلبون القيادة أو النيابة من غير قدرة، ونحن المصريون بحاجة للخير، هكذا أمامكم عمل كثير وشاق، فكونوا عونا لنا على صنع التقدم فى دولة مدنية متحضرة.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر الثلاثاء 11 يناير 2011م

Wednesday, January 05, 2011

عشش الدبابير




مشاكلى مع الزوجة والأولاد وبعض الجيران تقليدية، كثيرها تافه وبعضها فاضح، ليس لكونى مواطنا منذ دهور وأنا لا أشارك فى مهازل الانتخابات، وليس لأنى رجل بلغت من الكبر ما يكفى لأن أكون غير قادر على الهش أو النش، الصحيح أن معظم هذه الخلافات تنشأ بسب قرفى الشديد من أحوال جامعاتنا المصرية، ذلك بأنى أعرف وقائع مخجلة ثقافيا وحضاريا تدور فى جامعاتنا، وأمارس شهوة الصياح على رؤوس الأشهاد بأننا ننهار حضاريا، أساس هذه المشاكل أنى مشارك فى بعض هذه الوقائع بقيمى وتعليمى وسلوكى، وأنى قصير ذات اليد فى صنع قرار رفت الكثير جدا من أعضاء هيئة التدريس والقيادات الحالية فى جامعاتنا.


الكشف عن الفساد فى الكليات الجامعية يحتاج لكلام الآف الألسنة ونبض مئات القلوب القوية كى ترفع عن التعليم الجامعى سطوة الدبابير، فكثير من الأساتذة يصرون على توريث أبنائهم مهنة الأستاذية فى الجامعة، بغض النظر عن قدرات أبنائهم الحقيقية، والأداء غير العلمى لإدارة الكليات الجامعية لا يسد فجوة التفرقة الفاسدة بين طلاب الدراسات العليا، حيث يجرى تقسيمهم إلى طبقتين، أولاد الحرة وأبناء الجارية، هكذا يتم منح درجات علمية فى مدد وجيزة لبعض الطلاب لمجرد أنهم أبناء أو معارف لأعضاء هيئة التدريس، بينما يبقى الكثير من أقرانهم سنوات طويلة يطحنون فى الهواء دون تقدم علمى أو اجتماعى.


الدبابير فى جامعاتنا الحكومية، تعرف أن القانون يسمح لأى طالب بأن يحصل على شهادتى الماجستير والدكتوراه خلال خمس سنوات، لكنها دبابير تطبق القانون فقط على بعض المتفوقين من الطلاب وتترك البقية سنوات طويلة دون تقدم علمى ودون ذنب يقترفونه، وحجج الدبابير أن بعض الطلاب فى حاجة لأن يجيدوا فن التعامل مع نقاط ضعف أساتذتهم، يداعبونهم ببعض الهدايا المعنوية، ويشيدون بسمعتهم أمام دافعى الهبات والمكافئات وعوائد الاستشارات، وأن يتصرف الطلاب قبل مولدهم فيختارون وظيفة آبائهم، وأن يشبّوا على استثمار منافع الوضع الاجتماعى لأزواجهم، ابن الباشا باشا وأبناء الآخرين لا جدوى من كفاحهم، هكذا فعل الدبابير فى كثير من طلاب الدراسات العليا، يخفون فسادهم بالاعتماد على أناس من المعوزين والمرضى يتولون مهمة تنفيذ القوانين، فيتحول تنفيذ القانون من محاولة تحقيق العدالة إلى تستر على الاغتصاب وضياع الحقوق.


إن هناك كثيرا من وقائع الفساد فى جامعاتنا لا يتمكن المتابعين لها عن جمع الأدلة القانونية لإثباتها، لكن العقلاء يرون قرائن تشير إلى مطابخ فساد تتناثر أخبارها فى الغرف المغلقة وعشش الدبابير، ويبقى على الغيورين على مستقبل هذا الوطن أن يقاوموا الفساد مهما تعرضوا لشبهات نشر الغسيل الوسخ.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر الثلاثاء 4 يناير 2011م

Tuesday, December 21, 2010

نفسى فى الوزارة

شكرا لكل الناس الحلوة، اشتغلوا فى الانتخابات ونجح بهم أهل قوة وبعض الحكماء، وتشكل مجلس تشريع القوانين، والباقى من شغل الحلوين تشكيل الوزارة الجديدة، وهنا اعرض إمكانياتى على أمل أن أحظى برضا وترشيح أحدهم، فأنتقل من قعدة المصاطب إلى كرسى الوزارة رأسا.

ولدتنى أمى فى عام طافت فيها حمى الكوليرا كثيرا من بقاع مصر وحصدت آلافا من الأرواح، ثلاثة أشهر انتظر الحاسدون أن تأكلنى الكوليرا ولم تأكلنى، وحين تأكد للناس أننى حى أرزق قام أبى بتسجيل حادثة ميلادى فى دفاتر الحكومة، كان أبى حصيفا ففى شهر ميلادى ولد عدد من العظماء، نابليون وماركس وثلاثة من أعضاء البرلمان المعينين، وراقصتين.

فى القرية تعودت الاستحمام فى الطست بالماء الساخن مرتين أو ثلاث كل عام وأرتدى هدومى الجديدة مع حلول عيد اللحمة وعيد الحلاوة، أصابنى الرمد الحبيبى ومارست اللعب أياما تحت وطأة علاج الششم الأبيض، طالت فترة ختانى ثلاثة أسابيع أسير فاتح الرجلين تحت وطأة علاج البودرة البيضاء، فى قيظ الصيف نجحت فى إنشاء مصيفى الخاص، طردت بعض كلاب تستبرد بمياه قناة تظللها شجرة صفصاف واستبردت أنا بنفس الماء والشجرة، فى سباق مشهود نجحت فى عبور ترعة قريتنا غوصا، كان الغوص والمرور تحت جثه حمار طافية، وحين أصابتنى البلهارسيا كنت ابتهج مع كل ألم فى التبول، فثقافة قريتنا ترى أن خروج الدم فى البول دليل على الصحة والعافية، وحين هاجمنى القراع وصاحبنى الدّرن أعتاد كثير من الأحبة أن يواسونىى، بعضهم كان يعايرنى.

فى المدينة أصبحت شابا، أفطر فولا بالطحينة مع البصل على نواصى عربات الفول، أو أتناول الفول النابت على نواصى أسواق الخضار، أحيانا أتغدى فشه ولحمة رأس على نواصى المجازر، وعادة أتناول العشاء فولا مدمسا وباذنجانا مخللا، وفى كل يوم أنام فى حجرة ضيقة لا يزعجنى طفح المجارى أو انقطاع الكهرباء أو ضجيج الجيران، وحين كرهت فكرة الزواج وتناول الشطة والطُرشى ابتهج طبيب وهو يخبرنى أن كبدى كسلان.

فى كل القرى والمدن أصبحت شيخا، أحمل آثارا لعشرات من الأمراض ومواقف الحب والفهم المناسب، أفوت بهدوء بين السيارات وأنجو بلطف من الحوادث، يساعدنى الطيبون على عبور الطرق وصعود السلالم والنوم على الأسرة، وأصبحت أومن بأن الدنيا خِفة ودلع وتسليك مصالح.


هكذا مع تاريخى النضالى، ولأن البلد بلد فقراء وغلابة، أرانى صالحا لأن أكون وزيرا عتره صاحب حظوة ومال، قادرا على أن أملأ شارعنا بطعام أوبن بوفيه، وأن أوزع خمسة جنيهات لكل من يطلق زغرودة باسمنا، وأن أفتح طرقا لتوريث عظمتى للأهل وبعض الجيران.


المقال نشر فى جريدة نهضة مصر الثلاثاء 21 ديسمبر 2010م

Tuesday, December 14, 2010

أنا أحب الفلوس

طوال عمرى أحلم بجيوب قماش طويلة مليئة بالفلوس، تداعبنى أحلام الثروة والعظمة والتعالى، أستمتع بأسياخ اللحم المشوى مع دوارق الكركديه واللبن الرايب والطحينة والعيش الفينو، تطول أمعائى وتتسع عبر الأرض مليئة بأنواع المحمر والمشمر والحلويات والمشويُات، وحين تسقط على ظهرى وقائع أزمتنا الاقتصادية ويسقط أقربائى فى الانتخابات دون تزوير، تتهافت أحلامى وتهرب عن عالمى وعود المسئولين بصلاح الأحوال، ويشتد وطيس الجوع فى جسدى، وتنفلت أربطة الفكر الجميل فى عقلى، هكذا أعلن كل يوم الإضراب عن أحلام الثراء وأبدأ ألعاب المطحونين.

كل يوم أخرج من دارى قاصدا التواصل مع كل البشر، الأعداء وبعض الأصدقاء، هى دقائق قليلة ويشهد الراسخون فى الفقر وبعض الأغنياء أننى مفلس جيوبى مخرومة، لا ينجح مرتب الحكومة أو كرم الأصدقاء أو زكاة المتطهرين فى سد خروم جيوبى، هكذا يشعرنى الإفلاس ببرودة الأطراف والأنامل، فلا أمسك فلوسا كبيرة هنا ولا أدخر فلوسا عظيمة هناك.

كل يوم أجرى وراء العيش فى الأرض طلبا لرغيف من سن حاف أو بقايا من لحم مشوى، أناور رؤسائى لاقتنص قطع البقلاوة والعسلية وعصير القصب البارد، أهرب من نكد الزوجة ومطالب الأولاد، أمضغ اللبان واستحلب القرنفل، أتنكر للزملاء والمديرين وقاطعى الطرق، أمد يدى للحكومة فى علاوة أو قرض أو منحة صغيرة، أتلاطم مع الناس والأفكار فى الشوارع ومحطات الأتوبيس والمقاهى ومداخل العمارات، وابذل كل جهدى باحثا عن الفلوس، أطلبها نقودا سائبة أو مربوطة أو شيكات بنكية، برغم جهدى العبقرى لا أصيب من الفلوس غير نقطه هنا أو سرسوبا هناك.

كثرة حالات الفشل تعطى حججا لمن أراد أن يكون عصاميا، هكذا رضيت أن أكون عصاميا متحضرا أرى الفلوس ولا أشتهيها، أبحث كل حين عن أقرب صالة انتظار مفتوحة فى بنك متحضر، أدخل الصالة واحشر جسدى فى طوابير انتظار الفلوس، ينحشر فمى بالكلام فأمارس النميمة والنكات مع أبناء الطوابير أمثالى، أشرع معهم فى صياغة عشرات من الزيجات الطارئة والحلول لضعف اقتصادنا وتخلف أحوالنا، وفى كل مرة يستلم فيها أحدهم فلوسا أو يودع فلوسا أو يأتى بسيرة الفلوس اكتشف للمرة الألف أنى مفلس ومنحوس ويدى مخرومة أيضا.

فى اللحظة المناسبة، قبل الثورة على أهل الفلوس، أمنح نفسى صفة إنسان عصامى، فأتنازل عن دورى فى طوابير الفلوس، والقى بجسدى مسترخيا على كراسى الانتظار الجلدية، مستمتعا بالوحدة والإفلاس والهواء المكيف وأشباح العملاء، أفكر فى اللحم المشوى والخبز البلدى والشاى الساخن، ألوك اللبان وأحك أرنبة انفى، متجاهلا عيون كاميرات تتلصص فى الأركان، ومشاكسا عيون رجال شرطة وعملاء ينتظرون منى الرحيل.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 14 ديسمبر 2010م

Tuesday, December 07, 2010

الحكومة السرية


فى الوطن الضعيف، تستطيل المسافات فارقة بين نصوص القوانين وبين تعليمات تنفيذها، ويتم التفرقة بين حرفية النص وبين روح التشريع الموضوع للتعامل مع البشر، وتتحكم العلاقات الشخصية فى تلبية مطالب المواطنين، وتفصل السلطة بين إمكانيات البشر المتاحة وبين رغباتهم المشروعة، فى مثل هذا الوطن تصبح حياة الناس وضيعة بعيدة عن التحضر، ينشر الفساد فيها مخالبه دافعا الجميع للرقص جنونا على حافة الانتحار.

فى الوطن الضعيف ينتشر الفساد الإدارى والأخلاقى فيسعى المواطن طالب الخدمة المشروعة بين إدارات الحكومة العلنية، يصعر خده لموظفين ترتسم على وجوههم ملامح حياة كالحة، عيونهم متلصصة على طالب الخدمة، يمارسون الرشوة طوال الوقت، يغتصبون مال الضعيف ويتملقون سلطة القوى، لا يقدرون على اتخاذ قرارات إنسانية تنقذهم من الذل والمهانة، فى مثل هذا الوطن الضعيف، تسعى الحكومة لتكريس وجودها المتسلط، فتحول خططها المعلنة لخدمة المواطن إلى تلال من التعليمات والتصريحات المبهمة، وتتعاظم دعاية الحكومة قاصدة أن ترسم لنفسها كل القداسة فى وجدان الضعفاء، هكذا وبفعل الجهل والتآمر يندثر القانون المعلن، وتنشا حكومات سرية يديرها موظفون لحسابهم الخاص، يملكون قدرة إنجاز كثير من الخدمات للمواطنين، فيسعى إليهم طالب الخدمة مقدما فروض الرشوة والولاء، هكذا يتحول المواطن من عبد مهين فى ظلمة الحكومة العلنية إلى سيد مهيب فى نور الحكومات السرية.

يرجع وجود الحكومات السرية لأسباب كثيرة، من بينها أسباب نفسية أساسها اضطهاد الحكومة للمواطنين وضغطها عليهم بطرق تدفعهم لأن يحتموا خلف ميراثهم من الجبن والصمت، فيهربون إلى واقع جديد يتصالحون فيه مع الفساد، وأسباب إعلامية ترجع فى الأساس إلى تكريس فكرة البطل الخرافى الذى يحقق طموحاته بالخروج على كل منطقى وإنسانى، ويضغط بمعجزاته على وجدان الناس، هكذا يستسلم الجميع لمظاهر القوة غير المبررة لكل غاشم، سواء أكان هذا الغاشم موجودا بين أيدهم أو مختفيا بظهر الغيب، ومنها أسباب إدارية وتكنولوجية أساسها ضعف صناعة المعلومات اللازمة لتشريع القوانين ثم تنفيذها ومتابعة صلاحيتها لتقدم المجتمع.

إن حرية الفكر وديمقراطية الحكم، هما الأدوات اللازمة فى المجتمعات القوية للقضاء على وجود الحكومات السرية، فحرية الفكر، بما تعنيه من رفع القداسة عن كل فاسد، تكفل لكل فرد أن يطرح الإجابات المختلفة التى تفسر أسباب قهر المواطن وقهر الوطن، وديمقراطية الحكم، بما تعنيه من التعامل الموضوعى مع كل فاسد، تكفل للجميع أن يبتعدوا عن الانتحار الجماعى، وأن يشاركوا فى رفع كل قهر عن المواطن والوطن.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 7 ديسمبر 2010م

Monday, December 06, 2010

خُلع ديمقراطى

صاحبى الحزب الحاكم، الناجح فى كل الانتخابات، والمدسوس فى كل الطرق والشوارع والشقوق والمجارى، صاحب الحكومة والناس والموظفين وأصوات الناخبين والكل كليلة، طوال عمرى أفزع من خيال المآتة وعفاريت الغيطان والسواقى الخربة، لكننى أفزع أكثر من بعض المنتمين إليك، يطفئون أنوار الكفاءة ويفتحون منافذ الكوسة والتهليب، فهذا موظف متواضع حالة أهله ضنك اشتغل فى حكومتك، وحين انتمى إليك بالعضوية أصبح خبيراُ فى اللّجان الاقتصادية، وهذا الجالس على حجرك يرى أن الناخبين ميراث له ولأولاده وللتابعين، يصبح بتدليسك نائبا عنك فى كل الدوائر، وذلك حصل بشق الأنفس على شهادة تعليم متوسط، كان غلبانا يحسبها بالسحتوت، ذات صباح فرك عينيه وهتف باسمك، وفى الضحى حملته أياديكم إلى مجلس نواب الشعب، وفى اليوم التالى أصبح جامعيا ومليونيراً وحاجاُ أيضا.

حبيبى الحزب الحاكم، صاحب العصمة والمعالى الديمقراطية، يا معطى خيرك للتابعين، أنت تخطط لكل الانتخابات فى كل المواسم، لتحصل على المقاعد النيابية وتجمع فيها من الحناجر ما يكفى للهتاف باسمك وتمجيد أصحابك، وباعتبارى مواطنا من الصامتين، لا اشترك فى أية انتخابات، وأتمنى أن أدلى بصوتى الحقيقى لمرة واحدة فى العمر، تعالى نعقد اتفاقا بيننا، أن أدسك ديمقراطيا فى قائمة الطيبين، هكذا ترشحنى لوظيفة باسمك وأنا أعدك بصوتى.

أريد أن أكون رئيس جامعة، كبيرة أو صغيرة لا يهم، حكومية أو خاصة لا يهم، المهم أن أرفت من أعضاء هيئة التدريس كل من بلغ سن الثلاثين، وأستبقى شباب الموظفين والسعاة والحراس الحاصلين على بطولات رياضية، يخيفون الأساتذة ويشكمون الطلاب، وأمر بنشر شوّايات الذرة أمام قاعات المحاضرات وكل المدرجات والمعامل، فينشغل الأساتذة بمشاكل جمع الحطب والإعارة فى الدول الشقيقة والسفارة فى الدول الصديقة، ويتمرن الطلاب على مهنة تنفعهم فى شى الذرة والأفكار وتهوية الطموحات، ويعمى الدخان الجميع فلا يرى أحد ما نفعل، هكذا تبقى الجامعة مخزنا للتخلف الفكرى يضم شبابا فى شباب، وعيالا فى عيال، وحين يفاتحنا أحد بالحديث عن جدوى العلم، ندفعه للإيمان بالمعجزات وحفظ عشرات الصيغ من الأدعية المستجابة، نتباهى بعلم أجدادنا من الجيران وبعض الأصدقاء، ونتفاخر بأحبائنا المهاجرين فى بلاد الغربة.

صاحبى الحزب الحاكم، ستصلك وشايات عنى، بأننى أضيق ذرعا بأساليب خلعك للديمقراطية، فلا تصدق أننى قادر على أن افعل شيئا، فقط أعطنى طموحاتى البسيطة وأنا أعدك بصوتى فى كل الانتخابات القادمة أبد الدهر، فبرغم أننى لا أملك بطاقة انتخابية، إلا انك طوال الوقت مفترى وقادر على أن تجعل بطاقة ما، تجوب باسمى كل لجان الانتخابات، وتسجل كل لجنة أنك تملك صوتى بالموافقة، حيا كنت أو ميتا.

المقال نشر فى جريدة الدستور، الخميس – 2 ديسمبر 2010م

Saturday, December 04, 2010

ذنب لم يغفر بعد


السيد وزير التعليم العالى، حج مبرور، نرجو الله أن يمن به عليكم بعد سعيكم للحج هذا العام، ونرجو الله أن يغفر ذنوبكم، أما أنا فلن أغفر لكم ذنبا يتم ارتكابه فى حق مستقبل هذا الوطن، ذنب ترتكبوه إن صمتم على اجتراء البعض على شرعية القوانين الحاكمة لنشاط جامعاتنا، فأنتم مسئولون عن صحيح تطبيقها ومسئولون عن إضافة قوانين جديدة تصلح من شأن جامعاتنا.

السيد وزير التعليم العالى أنتم تعرفون الكثير عن الجامعات المصرية وما يجرى فيها من وقائع فى مرحلة الدراسات العليا ومنح شهادات الماجستير والدكتوراه، فهناك مرضى نفسيون ومهووسون دينيون يحصلون على شهادات الماجستير الدكتوراه ثم يعملون بهيئة التدريس، إنهم يحصلون على ما يحصلون عليه بحجة أن لهم صلة قرابة بوزير أو غفير يدعى السطوة والسلطان، هؤلاء المرضى يصلون إلى مراتب علمية مؤثرة على أجيال من طلاب جامعاتنا، بعضهم يصل إلى درجة عميد منافق، وبعضهم يسرب الامتحانات، وبعضهم يتشرنق خلف لحية أو نقاب ويدعو لتخلف حضارى.

السيد وزير التعليم العالى، القانون الخاص بتسجيل ومنح درجة الدكتوراه ينتهك فى كلية التجارة جامعة المنصورة، فالقانون يقتضى مجموعة من الإجراءات محددة الشكل ومعينة الوقت يجب استيفاؤها ليتم منح الدرجة العلمية، ومع ذلك تدور حفلة موبوءة لانتهاك هذا القانون تديرها بعض من نفوس مليئة بالفساد العلمى والأخلاقى، هكذا تدور الشائعات ويطول الجميع سباب وقلة قيمة، ذلك بأن بعض الداخلين فى تلك الحفلة الموبوءة ليسوا فوق مستوى الشبهات.

يا سيادة الوزير، أنت تعرف التفاصيل بموظفيك، وأن الأصل فى شرعية القانون هو إمكانية تطبيق نصوصه للعدالة، وليس مدى اتساعها للرحمة، فمن باب الرحمة تدخل شياطين الرشوة، وانى هنا أضعك أمام ذنبك كى تسعى جاهدا لغفرانه، ذلك بأن تأمر بإقصاء تلك البؤرة من الفساد، وأنى أخاطبك مباشرة دون التوجه إلى المسئولين فى جامعة المنصورة، ذلك أنى أعلم كما تعلم، مقدار سطوة الإدارة المركزية وضعف القدرة على اتخاذ القرار فيمن هم دونك سلطة، هكذا فى المستويات الدنيا يتم تفسير واضح النصوص القانونية بأكثر من معنى وتنفيذ تلك التفاسير بأكثر من طريقة.

السيد الوزير، تدخل فى الأمر حتى لا يستمر مسلسل الاستعانة بقيادات علمية ضعيفة تساعد فى حشر الكثير من المرضى والمتعصبين ذهنيا والمهووسين دينيا كأعضاء هيئة تدريس فى جامعاتنا.

المقال نشر فى جريدة الوفد، الأربعاء - الأول من ديسمبر 2010م

Tuesday, November 30, 2010

صحيفة جامعية

محافظة الدقهلية يزيد عدد سكانها عن خمسة ملايين مواطن بنسبة تقارب سبعة فى المائة من عدد سكان مصر، وجامعة المنصورة قامت لخدمة محافظة الدقهلية، هذه الجامعة عمرها قارب الأربعين عاما، أنشئت عام 1972م، تضم سبعا وعشرين كلية جامعية، ويدرس بها أكثر من مائه ألف طالب، يخدمهم حوالى ستة ألاف من أعضاء هيئة التدريس.


قضايا الصحافة والإعلام يتناولها النشاط العلمى للجامعة، حيث يوجد قسم علمى يدرس هذه القضايا فى كلية الآداب وتتناولها بالدرس والتدريب كثير من الأقسام المشابهة فى كليات التربية، ومع ذلك فالعدد فى الليمون، يكثر الطحن ولا يوجد طحين، فلا توجد باسم الجامعة صحيفة أو نشرة أو إذاعة محلية ترقى لمستوى التواصل الفاعل بين الجامعة وبين المجتمع المحيط بها.


جامعة المنصورة بها نشطاء يسعون لإثبات وجود إعلامى يتمثل فى إصدار صحيفة جادة، والمتقاعسون يعرقلون هذا التوجه بحجة ضعف الإمكانيات المادية والعوائق القانونية الخاصة بتصاريح إصدار الصحف، لكن الضعف الحقيقى هو ضعف إمكانيات الكثير من القيادات الإدارية والعلمية بالجامعة وتخلف قدراتهم على العمل الجماعى، فكثير منهم يحملون صكوكا بالكفاءة الإدارية، لكنها صكوك تمر عبر بوابة رضا السلطات الأعلى تضمهم فى عقد أهل الثقة ومن لا يجلبون المتاعب، وبعضهم يحمل شهادات بالمعرفة والخبرة، لكنها شهادات ورقية لا تصمد عند الاختبار العلمى والعملى فى مواجهة التردى الشديد فى أحوالنا الثقافية والاجتماعية.


جامعة المنصورة لها مطبعة كبيرة ولديها إمكانيات مادية، وما يهدر سنويا من ميزانية الجامعة، بشكل يثير الألم، يكفى لتمويل صحيفة دورية محترمة تهتم بمشاكل المجتمع المحيط، والجامعة لديها كفاءات بشرية وعلمية، يمكن بالإدارة العلمية أن تصبح قادرة على حل مشاكل إصدار الصحيفة، فأعضاء هيئة التدريس بينهم خبراء وعلماء فى عمليات التمويل والتحرير والتوزيع وقوانين النشر، ومنهم كفاءات علمية تؤدى خدماتها خارج الجامعة ما يجعلها قادرة على مساومة السلطات لإصدار صحيفة تنافسية لخدمة المجتمع.


إن وجود محطات إعلامية محترمة باسم جامعة المنصورة، سواء صحيفة أو محطة إذاعة أو قناة تلفزيونية، يعتبر أمرا بالغ الأهمية لتدريب أهل الجامعة على ديمقراطية الفكر وكيفية صنع رأى عام قوى يؤيد مصالح الأغلبية، فليس من اللائق لبعض قيادات جامعة المنصورة أن تتصدى إعلاميا لمشاكل تلوث الصحة العامة، يبثها مصنع السماد فى مدينة المنصورة ومن تلوث فى بحيرة المنزلة وعشرات غيرها من المشاكل فى ربوع المحافظة ثم تتراجع تلك القيادات عن مواقفها المعلنة أمام مسئولين خارج الجامعة، بحجة ضعف التنافسية الإعلامية فى مواجهة هؤلاء المسئولين وهم يملكون من صليل السيف أكثر مما يملكون من بهاء الشجاعة.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 11 نوفمبر 2010م

Saturday, November 27, 2010

مرشح حكومى



لست متعاطفا مع دور الحكومة فى عملية الانتخابات، أحد مرشحيها ارتدى الطربوش وفى لجنة الانتخابات أعطى صوته لمنافسه، وآخر خلع الطربوش فحرمته لجنه الانتخابات من الإدلاء بصوته لنفسه، لذلك قررت أن أتعامل بطريقتى الخاصة مع مرشحى السلطة.

حين تأكدنا أن مديرنا العام اقترب من سن المعاش، وأنه بعد أسابيع قليلة سيترك منصب رأسنا الكبير ليسلم رأسه لكتبة التاريخ وجامعي الدسائس، وحين تأكدنا أننا نكره المدير العام، فهو طيب جدا، كثير الأمنيات والكلام، شرس جدا، لا يرفع مرتباتنا، بخيل جدا، لا يهبنا مالا أو مأكولات، أنانى جدا، لا يعطينا ترقيات لبعض مناصبه القيادية، ولأننا مثله تدربنا سياسيا فى ساحة العمل الحكومى، أصبحنا لا نؤمن بالديمقراطية أو الديكتاتورية أو العبثية، هكذا شحذنا قدراتنا فى الغيبة والنميمة وتفسير القوانين وبدأنا نلعب حركات انتخابية لتفقد السلطة قدرتها على تعيين المدراء والسعاة والمناضلين، ولأن السلطة المتآمرة تخاف رأينا العام جعلت ولاية المدير القادم أمرا سريا، فانحرفت طموحاتنا فى اتجاه أخر.

مرت أسابيع نضع فيها خططا لاغتيال كل مرشحى السلطة، وفى احدى الخطط المحكمة اقتصر دورى على انتهاز فرصة ركوب أحد المرشحين لأتوبيس العمل، وبالتواطؤ مع السائق يقترب الأتوبيس مسرعا نحو حافة البحر، ومن الباب الأمامى أتولى دفع جثة المرشح نحو الماء، وعند وقت الحساب نقسم بأهداف الثورة وغلاوة الوطن على أن موت هذا المرشح بالذات راجع لإصراره على عبور البحر سباحة وبملابسه الكاملة.

فى الوقت المحدد وصلنى الأتوبيس يحمل السائق منفردا بمرشح سلطة واحد، جلس المرشح متطوعا على الكرسى المجاور للباب الأمامى، دخلت الأتوبيس مسترجعا تفاصيل الخطة، احتفيت بالمرشح وتحسست ملابسه الجديدة، جلست خلفه مباشرة ونبهت السائق على السير بهدوء، تحرك الأتوبيس متلصصا يقطع الطريق بمحاذاة البحر، وحين تناغم هدوء السائق مع انسيابية عجلة القيادة أطرقت رأسى مغمض العينين أسترجع الخطة وأنتظر الفرصة واستحلب بطولات تاريخية سيشيعها الزملاء عنى، هكذا تجاهلت حديثا عابرا للمرشح يذكر فيه مساوئ المدير القديم، وظللت ساهما أجمع مبررات قرارنا فى اغتيال كل المرشحين.

فجأة انتبهت لحديث جميل من المرشح أكد فيه انه سيكون مديرنا القادم، وأنه يضع خططا لإصلاح الأحوال البلاد والعباد على أيدى الممتازين من أمثالنا، فوعدنى بأن أكون ساعده الأيمن وكاتم أسراره، ووعد سائق الأتوبيس بترقية إلى سائق جناب المدير، وحين ظهرت علامات الرضى والموافقة على وجوهنا أقسم المرشح بأن نحتفل فورا باتفاقنا ومن جيبه الخاص.

نزلت من الأتوبيس منتشيا بوظيفة الساعد الأيمن للمدير لأحضر مشروبات وحلوى، ونزل السائق متعاظما بوظيفة سائق جناب المدير ليشترى علبتين من السجائر، كان محل البقالة بعيدا عن البحر بمسافة كفلت للمرشح أن يقود الأتوبيس وينطلق دوننا.


المقال نشر فى جريدة الدستور الجمعة 26 نوفمبر 2010م

Tuesday, November 23, 2010

بُرج الحُمار



عزيزى الموظف الغلبان فى حكومة مصر المحروسة، لا تقلق فالجميع يعرفونك، تشتغل كالحمار وتعيش على راتب هزيل، وفقرك مفضوح، والمسئولون يؤكدون أن حظك ضارب فى السعادة، فأنت صاحب برج الحمار، وتعالى هنا شوف عندنا حظك.


فى الثلاثة أيام التالية لاستلام راتبك ستنضح حياتك بالهناء وتبتسم زوجتك فى دلال ومودة ويخضب الأولاد أياديك بالقبلات، ستطبخ كيلو من اللحم البلدى غارقا فى الخضار والبصل والطماطم، وستلقى فى حجر الأولاد أربعة كيلو موز وخيار وحرنكش، ويمكنك أن تلحس الجيلاتى وتبل ريقك بمياه غازية، عندها لا تحرمنى فضل دعائك لى بأن يكفينى راتبى أنا أيضا.


فى اليوم الخامس ستضيق ذات يدك، فلا تحزن، ستربت على كتفك يد طيبة تعطيك صرتين من المال والزيت والدقيق، يومها توجه بالدعاء لرئيسك المباشر الذى أذاع سرك بين فاعلى الخير.


فى اليوم السابع سينفذ راتبك وتمد يدك لكل طيب وشرير وتهاجمك آلام المعدة وتفضحك زوجتك بأنك قليل الحيلة، يومها اصبر وكرر الدعاء لرئيسك المباشر فربما يمنحك هبات وأجورا إضافية.


فى اليوم العاشر سيصرح رئيسك الكبير بأن أمثالك من الموظفين كسالى غير منتجين، وستشم خلطة من مؤامرات حشرك فى العمل دون أى راتب إضافى، يومها تململ واظهر العين الحمراء للزوجة والأولاد ولرئيسك المباشر، مقتنعا بأن كبار موظفى الحكومة يحصلون على دخول إضافية ترفع رواتبهم ألاف الجنيهات شهريا.


فى اليوم الثالث عشر ستنساب حولك نصائح الأصدقاء وبعض الأعداء قاصدين توريطك فى علاقات حزبية جديدة تخرب عليك طهارة أموالك، يومها كن قنوعا واشتغل وحدك فى الأسود واعجن خلطة من مؤامرات وخوازيق ضد رؤسائك كلهم.


فى اليوم التاسع عشر سيشيع الأثرياء انك فسل جائع متمرد وكاره لنفسك، وسيعلن الفقراء أنك لا ترضى بمرتبك وكاره لنفسك، عندها تماسك بالصبر والإضراب والشكوى فينصرف عنك الجميع بقية الشهر، وتبقى وحيدا سلطان زمانك.


عزيزى الموظف مواليد برج الحمار، ليس مهما أن تعرف اسم رئيسك المباشر واسم والدته الطيبة، كى تنجح فى عمل سحر يفك تقتيره على مفردات دخلك، وليس مهما أن تحيل عليه طوب الأرض يرجونه تسهيل أمورك فى الترقيات وستر العيوب، المهم أن تعرف متى يسعى رئيسك المباشر لتجديد جلوسه على كرسى السلطة، عندها تقعد له على الواحدة، وترصد حركاته، وتتشمم روائحه، وتذيع أسراره للجميع، فمع اقتراب موعد تجديد المناصب سيسعى المدير لرشوتك بأجور إضافية وابتسامات مجانية وأحضان حميمة مقابل دعائك له بالنصر وذكر محاسنه لدى كاتبى التقارير، هنا سيزيد دخلك ويترك حظك العاثر برج الحمار قاصدا حظ النعمة فى برج الماعز.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر الثلاثاء 11 نوفمبر 2010م

Saturday, November 20, 2010

صوت انتخابى

بطاقات التعريف بالبشر يأتى معظمها عبثا ودون اختيار، فهناك بطاقات الميلاد والتموين والزواج والموت، واهم البطاقات ذات الموسم الدعائى فى مصر المحروسة بطاقة الانتخاب، ومثل البطاقات تأتى معظم الأصوات عن أفعال عبثية، صوت من يصيحون عند الميلاد والتموين والزواج والموت، إلا صوت الانتخابات فعبثها يأتى مدعوما بحناجر أولى العزم فى التصحيح والتزوير فى انتخابات مصر المحروسة.

مثل الكثير جدا من المصريين، لا أملك بطاقة انتخابية للإدلاء بصوتى، فلطعة الانتظار مهينة فى أقسام الشرطة من أجل الحصول على أى بطاقة، ولا أتحمل الانضمام للأعداد الغفيرة من كذابين الزفة الذين يلهثون وراء نقود كل المرشحين، وأملك مبررات كثيرة للتزويغ من العمل بدلا من التذرع بحجه الإدلاء بصوتى الانتخابى.

أنا لا املك بطاقة انتخابية، ولم أفكر فى امتلاك واحدة طوال الثلاثين عاما الماضية، فقد عودنى الكبار والصغار أن صوتى لا قيمة له، فالقوانين والقرارات فوقية جاهزة، والمرشحون معينون سلفا، شفت ذلك طوال عمرى فى البيت والمدرسة وفى الجامعة وفى الشغل، وقلبى يمارس الحزن يوميا دون انهيار، فقد تدربت كملايين المصريين على تجرع الأسى.

أنا لا املك بطاقة انتخابية، ولا أفكر فى امتلاك واحدة طوال الثلاثين سنة القادمة، حتى وان هددونى بالغرامة التى يفرضها القانون، فلم أعد اخشى العقوبة من قانون يسمح فى بلدى لأى شخص يحمل الجنسية المزدوجة، لأن يتسلل بالأموال والعلاقات وسوء تخطيط الانتخابات، حتى يدخل مجلس الشعب لينوب عن المصريين، يتسلل عينى عينك، بغض النظر عن ملايين الأصوات الرافضة والمكتومة.

الناس أحرار فيما يختارون من جنسيات ينتمون إليها، لكن معظم الدول تعطى جنسيتها لمن يقضى زمنا معينا على أرضها، تأكيدا لذوبان شخصيته فى شخصية أبنائها، وبالتالى يحكم الولاء القومى للأفراد شروط عقلية وأخلاقية، تتلخص نتائجها فى أن صاحب الجنسيتين هو بالضرورة شخص يتاجر فى الانتماء، فلمن يكون ولاء التاجر المصرى الذى يقضى سنوات فى دولة أجنبية ثم يعود لنا حاملا جنسيتها، ليدخل مجلس الشعب ثم يشرع القوانين لكل المصريين؟ فإذا كنا لا نسمح لغير المصريين الخُلّص بالخدمة فى القوات المسلحة، التى تقوم على تنفيذ بعض القوانين لحماية الدولة، فكيف نسمح لهؤلاء المزدوجين أن يدخلوا مجلس الشعب ليشرعوا كل القوانين؟ وكيف نسمح لبعضهم أن يدخل الحكومة مسئولا عن تنفيذ القوانين؟ قد تكون الإجابة مطمئنة، بأن الأمور فى مصر بيد أبنائها الخلّص، وقد تكون الإجابة قاتلة، بأننا نمهد الطريق لأن نعلن انضمامنا ولاية تابعة لدول أجنبية.

المقال نشر فى جريدة الدستور الجمعة 19 نوفمبر 2010م

Tuesday, November 09, 2010

كعبى الشمال


فى صباحات الأسابيع الفائتة، كلما تحسست رجلى لمست الألم فى بطن قدمى وشعرت بلدغ مسمار فى كعبى الشمال، هكذا بدأت اطرق باب الطب والأطباء محاولا نزع مسمار الألم من كعبى الشمال.

جسنى طبيب أمراض باطنية، وأخبرنى بأن لدي بوادر مرض النقرس، وأن علاجى محصور فى التوقف عن أكل اللحم والفول المدمس، كانت حكمة الطبيب فاجعة، ففى السنوات الخوالى غلبنى الفقر وأطعمنى الفول بكل أشكاله اخضرا ومدمسا وبصارة ونابتا، تناولته فى الدار والمدرسة وعلى كراسى الوظيفة، وفى السنوات الأخيرة صرعت بعض الفقر، فتناولت اللحم فى الأعياد ومواسم الدعايات الانتخابية وموائد تكفير الذنوب، كانت فاجعة الدواء أن أبتعد عن تاريخى فى الفقر مع الفول مخاصما طموحاتى فى الغنى مع اللحوم، وحين توقف عن تناول اللحم والفول خف الألم قليلا واستطعت أن أركب رجلاى بحثا عن كامل العلاج لدى أطباء شعبيين مخلصين.

صديقى موظف حكومة غلبان، لا يكفيه راتبه ويتحايل على ضيق المعيشة بتربية نحل العسل، وحين شكوت له بلواى اجتهد فى تقديم أدلة بأن شفائى ميسور مع جلسات العلاج بنحل العسل، وبحكمة الخبراء ارتدى قفازا وأمسك بثلاث نحلات ووضعها فوق قدمى تلسعنى بجوار منطقة الألم وتدخل سمها في جسدى، بدأ اللسع واعتصرنى الألم وورمت قدماى، وطلب منى العودة لزيارته مرة كل أسبوع لمزيد من اللسعات حتى يذهب الألم، وحين ظل الألم يلاعبنى، قررت الذهاب إلى شيخ مبارك واسع الخطوة.

الشيخ المبارك أكد لى بأن شفائى ليس فى يد أحد من الخلق، وأكد مريدوه وكثير من أتباعه أن الانتماء لطريقة الشيخ فى التدين هما الشفاء من كل مرض، فالشيخ عندهم هو أحد الأولياء الصالحين، واصل وقادر على إخراج كل شيطان من كل جسد مريض، وبرغم ما قدمته من مظاهر ولاء للشيخ، فلوس ودعوات وارتجافات، إلا أن أداء الشيخ فى الطب لم يخرج مسمار الألم من كعبى، وظلت المسامير تصنع الألم فى قدمى فاتجهت إلى نصيحة الشباب.

على المقهى تناولت شراب الجنزبيل مع صديق لى، هو شاب فقير لا يملك القدرة على الزواج، أكد لى أن أمراضى كلها راجعة إلى تأثير حبة برد تخللت عظامى، وأن الزواج من فتاة سمراء عفية تحت العشرين يزيل كل برد، على أن تقتصر قائمة الطعام على اسماك البحر الكبير، وحين شعرت بأن آلام القدمين وضعف الجسد وخسران ما فى الجيب ضد الوفاء بمتطلبات الزواج من عفية، قررت التعايش مع الألم والجلوس فى البيت، مشغولا بمشاكل الطبيخ والغسيل وتربية الأولاد.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر الثلاثاء 11 نوفمبر 2010م

Tuesday, November 02, 2010

نقاب على الفكر




منذ أسبوعين نشرت مقالا هنا لا أوافق فيه على ما جرى فى جامعة المنصورة من مناقشة ومنح درجة الدكتوراه لطالبة منتقبة، تمهيدا لأن تمارس مهام التدريس فى الجامعة، وطبيعى أن يعترض بعضهم على رأيى، لكن من غير الطبيعى أن يصادر أحد على رأيى، سواء أكان ذلك تلميحا من بعض القيادات أو تصريحا من زملاء يحملون توجهات سياسية لا أوافق عليها، الطبيعى فى أحوال التقدم الحضارى أن يتاح للجميع حرية إبداء الآراء وبشكل موضوعى.


أنا ضد ارتداء المرأة للنقاب، حجتى فى ذلك حجة عقلية، فالأزياء التى تجعل من المرأة مجرد خيمة سوداء متحركة تمثل إهانة عقلية للمرأة وللرجل على السواء، أقول إهانة عقلية قاصدا أن لا يصادر أحدهم على حديثى بالقول بأن النقاب أمر دينى، ذلك بأن طبيعة الدين إيمان قلبى وليس فهما عقليا، لذلك فأنا أرفض وجود المنتقبات فى الجامعة، تماما مثلما أرفض وجود العاريات فى الجامعة، فالنقاب والعرى يمثلان شذوذا سلوكيا وفكريا يحولان دون حرية العقل وحياده فى تناول قضايا العلم والتعلم.


خلال الفترة الماضية، وتعاضدا مع فكرة العلانية فى طلب العلم، صدرت قرار من وزارة التعليم العالى بمنع المنتقبات من دخول الحرم الجامعى وكذا منعهن من تأدية الامتحانات، ومع ذلك فالطالبات المنتقبات فى الجامعة سافرات التحدى لهذا القرار، يحضرن المحاضرات ويؤدين الامتحانات، وأتصور أن ما حدث هو وصول تعليمات صريحة إلى الجامعة بمنع دخول المنتقبات، وحين هبطت هذه التعليمات من مستوى القيادة إلى مستوى التنفيذ تم خلطها بفساد وانتهازية العقلية الحكومية البيروقراطية، وتحول القرار إلى استهلاك إعلامى يرفض الشارع العام تنفيذه، هكذا لا الطالبات التزمن بالتنفيذ ولا وزارة التعليم العالى توقفت عن تأييد القرار.


إن رفض الشارع العام لقرارات الحكومة وانتشار نقاب التخلف على فكرنا العام، يرجع لأسباب ثلاثة، السبب الأول: أن الحكومة تدرب المواطنين على عدم المصداقية حين تصدر قرارات تكرس المصالح الشخصية للبعض دون نظر للمطالب الموضوعية للأغلبية، والسبب الثانى: سيادة فكر وثقافة غير حضاريين بين المصريين، فالمسئولين بالجامعة يغضون الطرف عن دخول المنتقبات إلى الجامعة، متسقين ما يصلهم من مفاهيم دينية خاطئة يرضى عنها الإعلام الحكومى، وكذا يمارسون رفضا نفسيا لأوامر سلطة يستشعرون قهرها، والسبب الثالث: أن القيادات الحكومية عاجزة فكريا عن تملك مشرع حضاري يجتمع المصريون حوله، وعاجزة ماديا عن تحقيق مصداقية قراراتها.


نحن فى حاجة إلى ثورة ثقافية تؤدى بنا إلى نقلة حضارية كبيرة، ولن تقوم هذه الثورة دون تضحيات واجبة.


المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 2 نوفمبر 2010م

Tuesday, October 26, 2010

منظرة فاضية

شيئان مؤكدان فى الحياة، النميمة والضرائب، النميمة ميراث إنسانى يروح بها الضعفاء عن أنفسهم، والضرائب تجمعها الحكومة لتتسلط بها على كل الضعفاء.

لأننى موظف حكومة منحول الوبر من تنفيذ أوامر غبية يصدرها مديرون أكثر غباء، لذلك فإنى مقتنع بأن النميمة مرض يمكن الاستشفاء منه بنسمات من حرية الرأى، ومقتنع بأن أمراض بعض الموظفين لا يمكن الشفاء منها دون عزل وتجريس ومحاسبة اجتماعية.

معروف أن الإدارة غير الرشيدة تلقى بمحبتها على المخلصين من موظفيها، يخفضون رؤوسهم للأوامر ويفتحون بطونهم للمكافئات، ولأن علاقتى بالإدارة الحكومية علاقة موظف لا يرضى عنها تماما وهى لا ترضى عنه غالبا، لذلك ترانى بعض قياداتى موظفا مليئا بالعور فلا أرى محاسنها، ومثقلا بالعوز فلا أقنع بكرمها، وأرى معظم قياداتى مريضة تنقصها النظرة الاجتماعية فى رعاية مصالح البلاد والعباد، لذلك قررت أن أمارس النميمة مع موظف مثلى ضربه عوز الكلام.
قلت لصاحبى: داخل المبانى الحكومية عشرات الحجرات يتراص فيها الموظفون، كل منهم له عمله وله أدواته لإنجاز ذلك العمل، كلام سليم يا سيد؟ فقال: نعم كلامك حلو يا صاحبى، وأكملت: تختلف هذه الحجرات كثيرا من حيث السعة والتجهيزات، حسب كل وظيفته وكل حسب أهمية تلك الوظيفة، كلام سليم يا سيد؟ فقال: لا طبعا كلامك حامض يا صاحبى، فحجم الوظيفة ليس بحجم كرسى من يديرها، وانظر معنا أصل الحكاية.

ترتفع كفاءة الموظفين فى أى جهاز إدارى بتطبيق بحوث علوم النفس والاقتصاد وطوابير الخدمة وغيرها من علوم إدارية، تقضى بأن هناك مساحات علمية محسوبة لكل موظف حسب نوع وظيفته، فأن يجلس أربعة موظفين فى حجرة ضيقة، ويجلس موظف واحد فى حجرة واسعة تكفى لبرطعة حصان وحمارين ونصف فيل، وأن تمتلئ حجرة موظف بستائر مخملية وتكييفات وثلاجة وكراسى وتليفونات بينما يجلس زميل له محشورا فى مكتب متواضع ينتظر فيض كريم، يغتصب سخان كهرباء من هنا أو مياه باردة من هناك، فيا صاحبى هذا كلام إدارى حامض.

نحن يا صاحبى أصابنا الغلب وتعب الدماغ من إهدار موظفى الحكومة لإمكانيات شعب فقير، يأخذون منه الضرائب ولا يتركون له غير النميمة، ونسأل أين الاهتمام بالمحاسبة الاجتماعية على فلوس الحكومة؟ من أين تأتى؟ ومن جيوب من؟ وكيف تنفق؟ وماذا تترك من آثار على الأرض والناس؟

إن فهمت يا صاحبى بعض ما نحن فيه من تخلف، فمخك حلو، وان كان مخك حامض فلن تفهم طرفا من بعض الأحوال الحامضة لحكومتنا الرشيدة.
المقال نشر بجريدة نهضة مصر – الثلاثاء 26 أكتوبر 2010م

Tuesday, October 19, 2010

يوم الإحصاء




الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، جيش من العاملين ينتشرون فى ربوع مصر، يجمع البيانات ويستخرج الإحصاءات والمؤشرات الضرورية للباحثين وصناع القرار فى كثير من نواحى حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتعتمد كفاءة الجهاز على كفاءة العاملين به.


منذ أسابيع قليلة أقامت جريدة نهضة مصر ندوة إعلامية، كان المتحدث الرئيسى فيها اللواء أبو بكر الجندى رئيس الجهاز، كان طيبا وفاهما وحكيما فشكرناه، وفى نهاية الندوة أعطيت بعض مساعديه بريدى الالكترونى بقصد أن يمدونى ببيانات إعلامية عن نشاط الجهاز، وبالفعل وصلتنى خطابات من الجهاز، كثيرها أفادنى وبعضها دفعنى دفعا لكتابة هذا المقال.


رغم أن للجهاز موقع الكترونى يفترض فيه كمال مهمة إنشائه من تواصل ومصداقية مع عملاء الجهاز من أفراد ومؤسسات، إلا أن الخطابات لم تصلنى من موقع الجهاز، بل وصلتنى من بريد موقع الكترونى عام لا يتحكم الجهاز فى إدارته، وبالتالى يحتمل تغيير الخطابات الواردة عن طريق هذا الموقع، وأسوأ من ذلك أن الخطابات كانت مرسلة من أشخاص بعينهم وفى أشكال مختلفة، مما يقلل عندى من مصداقية البيانات، فالمصداقية تتطلب شكلا وصيغة يجب المحافظة عليها، مثل خاتم شعار الجمهورية صاحب الشكل واللون المميز.


فى شهر رمضان الفائت وصلتنى خطابات إعلامية من الجهاز بها أدعية دينية وأمانى ساذجة، فهل هذه بيانات من جهة علمية؟ ووصلتنى خطابات بها أخطاء لغوية، فهل هذه خطابات من جهة رسمية؟ هكذا يمكن أن يصل إلى ذهن عملاء الجهاز شك فى صحة البيانات الفنية وفى كفاءة العاملين به، فالجهاز مهمته علمية بالدرجة الأولى ولا يعقل أن يكون من بين المسئولين عن صورته أمام الآخرين من هو ساذج أو متاجر بالدين أو من لا يعرف أصول اللغة.


وبمناسبة حلول يوم الإحصاء العالمى الموافق للعشرين من أكتوبر الحالى، حسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة وبمناسبة احتفال الجهاز بهذا اليوم، فإنى أطالب برفع كفاءة بعض العاملين بالجهاز تعزيزا لقدرتنا على رصد تطورنا الحضارى، قاصدا أن تصل الإحصاءات الرسمية للعملاء فى صورة تحافظ على القيم الأساسية من نزاهة وموضوعية وشفافية.


اكتب هذا راجيا أن لا يرفع بريدى الالكترونى من قائمة عملاء الجهاز، فعادة ما يلجأ المقصرون للتخلص ممن يثيرون لهم المشاكل، ينفذون المثل الشعبي القائل: الباب اللى يجيلك منه الريح سِدُه واستريح، وأكون عند بعض الموظفين أنا الباب والريح معا، هكذا يتمكنون من إرسال خطابات من الجهاز للعملاء ترى أن إحصاء الناس والأرزاق عمل من عمل الشيطان.


Saturday, October 09, 2010

دكتوراه منتقبة


البحث العلمى فى مصر يعانى من آثار تخلف حضاري، وأحد مظاهر التخلف الحضارى أن يكون الباحث العلمى غير قادر على إدراك العلاقة بين الشكل والجوهر، فالطالبة الجامعية التى ترتدى بنطلون غير التى ترتدى فستان غير التى ترتدى نقاب، هن مشتركات فى صفة التعلم، لكنهن مختلفات فى جوهر أداة التعلم وهى موضوعية العقل.

منذ أيام قامت لجنة علمية بمناقشة طالبة منتقبة فى جامعة المنصورة وأجازت منح الطالبة درجة الدكتوراه، المؤسف فى الأمر أن اللجنة سمحت للطالبة بالحضور والمناقشة وهى منتقبة، فالقواعد القانونية لإعطاء الدرجة العلمية تلزم لجنة المناقشة بتطبيق فحوى النص القائل بأن اللجنة ناقشت الطالبة مناقشة علنية، هكذا بارتداء الطالبة النقاب لم تستوف اللجنة شكل المناقشة، فكيف تيسر للجنة ومن بينها أعضاء من خارج الجامعة أن ترى ملامح الطالبة؟، فى الوقت الذى تلتزم فيه اللجنة نفسها بارتداء أرواب جامعية موسومة الشكل، أما عن مضمون المناقشة فالنقاب موقف ديني شخصى جدا لدى الطالبة يمنع إظهار هويتها الشخصية للجنة، والإصرار على ارتداء النقاب يتحول إلى موقف عقلى رافض للبحث العلمى الموضوعى، فالباحث العلمى يفترض فروضا علمية حول بحثه قد يكون من بينها وضع مسلمات دينية موضع الاختبار مما يوقع الباحث فى تناقض منهجى بين الدين والعلم، وبالتالى قد يصل الباحث إلى قبول أو رفض لنتائج غير مختبرة علميا وتصبح أبحاثه فاشلة غير صالحة للتداول العلمى.

حديثنا عن الفشل فى البحث العلمى هنا ليس فيه تجنى على لجنة المناقشة أو على الطالبة، فلو جمعنا لجان مناقشات علمية يتم تشكيلها بين أصحاب يحملون ألقابا علمية مضروبة ويعانون تخلفا حضاريا مع جمود عقلى لطلبة غير مبدعين، لوصلنا إلى نتائج منطقية تقضى بأن جامعاتنا تمنح بالتدليس مئات من شهادات الماجستير والدكتوراه لمرضى يزدادون تخلفا كل يوم.

ذات مرة سألت بعض طلبتى فى مرحلة الدراسات العليا، ما رأيكم فيمن تدرس للطلاب وهى مرتدية النقاب ولا يظهر منها غير عينيها؟ والمفترض من وجهة النظر الدينية للمنتقبة أن صوت المرأة عورة، وأن جلوسها فى المنزل أولى من مخالطة الغرباء فى الأسواق، فأجاب كثير من الطلاب الذين أنجبهم نظام تعليمنا الحالى، لا يهمنا أمر لباسها، نحن نهتم بما تقول فقط، فسألتهم مرة أخرى، ماذا لو دخلت امرأة أخرى لتدرس لكم وهى شبه عارية؟ فبهت كثير منهم وهاجوا حين ظهر لهم حجم الخديعة التى يمارسونها تجاه أنفسهم فلا يستطيعون الفصل بين الشكل والمضمون، لا يدركون أن العرى أو الاختباء عند المعلم كلاهما دعوة للطالب أن يقترب من شخص المعلم دون الاهتمام بمضمون ما يدرس.

هكذا نعيش تخلفا علميا مريعا، بسبب عجز جامعاتنا عن الاحتكام إلى لجان علمية لديها من المعرفة والثقافة ما يكفى للفهم الصحيح لكثير من القيم الدينية.

Tuesday, October 05, 2010

عَمُو كَمِيل




المهندس كَميل حليم، مصرى مسيحى، عايش فى أمريكا من زمان، نشر مقال فى جريدة اليوم السابع المصرية يقول فيه للمسلمين المصريين، لو أنتم مش عاوزين الأقباط فى مصر، يبقى لازم تبطلوا استعمال أى مفردات أصلها قبطى، يعنى متاكلوش بصارة ولا مدمس ولا طعمية ولا سمك البساريا ولا البورى، ولا تزغرطوا، ولا تكسروا القُلل، ولا الواحد فيكم يسخُسَخ ولا يِلَكلِك فى الكلام، ولا يستعمل الطرابيزة ولا يِنَوُر اللًمبة لأن كل دى مفردات أصلها قبطى، ووعد بأن حياة المصريين من غير الأقباط ستكون صعبة.


يا عَمُ كَميل، أنا بقى عندى كلام تانى، سيبك من كلام التاريخ والجغرافيا وخليك معايا، الكلام المعجمى اللى حضرتك وكثير من المناديين بأن مصر قبطية بتقولوه، أنا موافق عليه باعتباره مجهود علمى يسهل نقضه، لأن الناس تضع الأسماء على أعلام، والأسماء لا تُعًُلل، وأن اللغة تكتسب معانيها بالاستخدام البشرى الحى، فانا علشان احل مشكلة المواطنة المصرية على طريقتك ممكن أقدم على حل من اثنين، الحل الأول أنى أسيب البلد وأسافر لبلاد الهمبورجر وشوربة الضفادع، اعمل هجرة يعنى، أو آكل رز مع الملايكة، اعمل انتحار يعنى، والحل الثانى أنى اعمل فيك حركة لغوية، باعتبار أن اللغة المصرية من مفهوم مقالك تعيش فى زمانها القديم وأن ظروف استخدامها لم تتغير طوال مئات السنين، شوف يا عم كميل، أنا هكتب على الطعمية سماطر، وهكتب على البصارة كشروان، وهسَمُى البورى فرابس، وهكتب اللى يعجبنى على كل الأشياء اللى حضرتك قلتها، وهفضل أعيش فى مصر، آكل الفول والبصارة والسمك البورى واللى ربنا يفرج علينا به من مستجدات اسمية، وخللى القاموس ينفعك.


يا عَمُ كَميل، حكاية قبطى مسلم وقبطى مسيحى، أصبحت لعبة ناس عجزة وفقراء ومهضوم حقهم، ومن خوفهم بياكلوا منبر الجامع ويبيعوا مذبح الكنيسة، إحنا كلنا مصريين، والفقر والتجارة بالدين وانحسار دور الدولة جعلونا غلابة، يبقى مفيش قدُامنا غير حل واحد، إن أنا وأنت وكل المصريين الحلوين نعيش فى مصر ونبنيها، علشان الغربة وِحُشَه والموت أوُحَش، بقى يا راجل ينفع أسافر عامل تراحيل، أنام تحت عمارة ابنيها فى صحراء وأقول أهى شغلانة منها حج وعمرة؟، وإلا ينفع أهاجر سواق تاكسى فى أمريكا، ألبس برنيطة وأقول أنا مصرى تحت الطلب؟، لا طبعا مينفعش، إحنا مقامنا كمصريين أعلى من كده.


يا عَمُ كَميل، أنا مسلم عايش فى مصر، وأنا وأنت شاعرين إن مصر وطن مقدس بيعيش فينا، قابلنى يا راجل علشان نعمل سواء من اجل رفعة أنفسنا كمصريين، نعيش جوه مصر أو خارجها وإحنا عارفين إن العمر واحد والرب واحد، وكلنا مع بعض نقدر نغير حياتنا للأحسن.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر - الثلاثاء 5 أكتوبر 2010م