Tuesday, July 27, 2010

منهج التقدم


يخضع أفراد المجتمع الإنسانى لقوانين اجتماعية واقتصادية تتحكم فى ترويج مناهج فكر بعينها، مناهج تتحكم فى آليات معرفتهم للظواهر وطرق استيعابهم لوقائع الحضارة، وعليه فإن رصد المنهج الفكرى السائد فى المجتمع يبين مدى انحياز صُنًاع القرار لمصالح هذا المجتمع.

طوال التاريخ المرصود للبشر، يتنازع الناس منهجان فكريان متعارضان فى معرفة الظواهر، منهج شخصى يبرز من كون الفرد متضخمة ذاته ويرى نفسه محور الكون، والمنهج الآخر موضوعى ينشا من تعامل البشر مع الظواهر المحيطة باعتبارها وجودا حيا ومتشابكا يؤثر فى بعضه البعض، فحين يسود المنهج الشخصى، ينتفى دور العلم فى دراسة الظواهر، ويفسّر الفرد والمجتمع وجود الأشياء بناء على أراء شخصية، ويرسخ لدى عامة الناس، أن من يترفعون بالسّلطة ويمارسون القهر، هم وحدهم القادرون على امتلاك أسباب المعرفة، هكذا تنتشر مظاهر التخلّف الحضارى، من خوف عام واندثار الانتماء، ويصبح البناء الثقافى للمجتمع هشيم من أحداث غير مترابطة منطقيا، يصف طبيعتها هوى الأقوياء وأمانّى الضعفاء.

حين يسود منهج الفكر الموضوعى بين الغالبية المجتمعية، تقل فاعلية الآراء الشخصية فى دراسة الظواهر، ويدرك الناس أن ظواهر الكون يحكمها قانون العلّة والمعلول، وتنتشر مظاهر التقدم الحضارى للمجتمع، بان تسود روح التّجريب وحرية الرأى، ويتكون البناء الثقافى من نظام فكرى يسمح بالاستدلال على وجود مجموعات لأحداث مترابطة منطقيا، أحداث يمكن قياس بشكل محايد وبالتالى يمكن توقّع نتائجها.

ومثالا على ذلك فإن استخدام المنهج الشخصى فى دراسة الحضارة الفرعونية، يؤدى إلى تصور ذاتى يوحى بأنها حضارة صنعتها مخلوقات قادمة من الفضاء، أو أنشأتها عماليق خسفت بهم الأرض، ولا يكون من سبيل أمام لتقدمنا باعتبارنا أحفادا للفراعنة، غير الأمنيات وحمل التعاويذ، كى تصبّ السماء علينا من فضلها، ويكون الضّعف والتّمسح بتاريخنا، أعمدة فى بنائنا النفسى، فنقبل معونات الآخرين مصحوبة بأفكارهم، ويبقى ذلّ شعبنا دليلٌ حَمٌد لأصحاب النّعم.

وعلى الطرف الآخر فإن استخدام المنهج الموضوعى فى دراسة الحضارة الفرعونية، يؤدى إلى يقين علمى، بأنها حضارة أنتجها جهد إنسانى حقيقى، قام به أجدادنا الذين عاشوا بالفعل على هذه الأرض، ويكون شرف انتمائنا لهؤلاء الأجداد، سببا يحفزنا لاستعادة دورنا فى تقدم الإنسانية، فنسعى لإنشاء نموذج حضارى حديث، يكرّس لحرية الإبداع بين المواطنين.

هكذا، تفرض آليات التقدم الحضارى على صنّاع القرار فى بلادنا أن يعتمدوا فى صنع قراراتهم على مناهج بحث موضوعية تدعم الوسائل الفاعلة للانتماء الايجابى والمواطنة الصالحة.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر- الثلاثاء 27 يوليو 2010م

Monday, July 26, 2010

إدانة انتـخابية


مثل الكثير جدا من المصريين، لا أملك بطاقة انتخابية للإدلاء بصوتى، فلا أجد مبررا كافيا للانضمام للحياة الحزبية، ولا أتحمل الانضمام لأعداد غفيرة من كذابين الزفة يلهثون وراء نقود المرشحين، وأملك حججا كثيرة للهروب من العمل السياسى أفضل من حجة الإدلاء بصوتى الانتخابى، فلدى معارك حياتية شتى، إنها الخبز والسكن والصحة والتعليم والتواصل الإنسانى.

أنا لا أملك بطاقة انتخابية، ولم أفكر فى امتلاك واحدة طوال الأربعين عاما الماضية، فقد عودنى الكبار والصغار أن صوتى الانتخابى لا قيمة له، فالقوانين والقرارات فوقية جاهزة، والمرشحون معينون سلفا، شفت ذلك طوال عمرى فى البيت والمدرسة وفى الجامعة وفى الشغل، وفى كل يوم أتدرب مثل ملايين المصريين على تجرع الأسى ويمارس قلبى الحزن الجليل، فثروات بلادى محجوبة عنى، ولا أملك تجاه رفع البلاء غير الرجاء والدعاء.

أنا لا املك بطاقة انتخابية، ولا أفكر فى امتلاك واحدة طوال الثلاثين سنة القادمة، حتى وان هددونى بالحبس والغرامة، فلم أعد اخشى العقوبة من قانون يسمح فى بلدى لحاملى الجنسيات المزدوجة أن يتسللوا بالأموال والعلاقات التحتية وسوء الانتخابات، بالدخول أعضاء فى مجالسنا النيابية ويتولون التشريع والرقابة، لا يقيمون وزنا لملايين من أصواتنا الرافضة والمكتومة.

الناس أحرار فيما يختارون من جنسيات دول ينتمون إليها، لكنهم ليسوا أحرارا فى التجارة بهذه الجنسيات بحجة أنهم يطلبون النجاة لأنفسهم، فمعظم الدول تعطى جنسيتها لمن ترى فيه قدرة على ذوبان شخصيته فى شخصية أبنائها، وبالتالى يحكمه الولاء لها ولمؤسساتها، هكذا تجتمع للأفراد شروط عقلية وأخلاقية، تتلخص فى أن صاحب الجنسيتين هو بالضرورة شخص يتاجر فى الانتماء، فلمن يكون ولاء التاجر المصرى الذى يقضى سنوات فى دولة أجنبية ثم يعود لنا حاملا جنسيتها، ليدخل مجلس الشعب ثم يشرع القوانين لكل المصريين؟ فإذا كنا لا نسمح لغير المصريين الخلّص بالخدمة فى القوات المسلحة، فكيف نسمح لمزدوجي الجنسية أن يدخلوا مجالسنا النيابية ليشرعوا لنا القوانين؟ وكيف نسمح لبعضهم أن يتولى مناصب حكومية رفيعة تسهر على تنفيذ تلك القوانين؟ قد تكون الإجابة مطمئنة، إنها مجرد إدانة انتخابية فالأمور فى مصر بيد أبنائها المخلصين، وقد تكون الإجابة قاتلة، بأننا نمهد الطريق لإعلان أن مصر ولاية تابعة لدولة أجنبية.

Wednesday, July 21, 2010

الصياح بالتغيير


يرى بعض المراقبين السياسيين أن مصر إناء كبير يضج بغليان ثورة شعبية وشيكة، حجتهم فى ذلك تعاظم ثلاثة عوامل رئيسة فى صنع التغيير، إنها فقر الأداء السياسى والجوع الاقتصادى وتآكل المواطنة، لكن القراءة الموضوعية للواقع المصرى تصل بنا إلى نتائج مغايرة تجعل فعل التغيير مقصور على الصياح وأن التغيير صعب.

فى مقابل الجوع الاقتصادى يوجد نسيج اجتماعى غير متجانس لا يقوى على التمازج، فالطبقات الاقتصادية المصرية غير متواصلة اجتماعيا، ففى مصر طبقة ثرية مرفهة يقل حجمها عن عشرة المائة من السكان، وطبقة عريضة تصل إلى أربعين فى المائة من السكان تعيش دون خط الفقر الاقتصادى، وطبقة تزيد عن نصف السكان تعيش حول خط الفقر الثقافى، هذا الوضع الطبقى الاقتصادى الاجتماعى السيئ جعل المصريين يعيشون أنيميا ثقافية وفكرية حادة، وجعل من مصر كائنا مخترقا مفتوحا لتجارب الآخرين.

فى مقابل فقر الأداء السياسى، تحمل غالبية النخب المصرية شتاتا فكريا وثقافيا هزيلا غير مصري الجذور لا يتصارع حضاريا مع الواقع ويتكلس داخل أطر مغلقة تحول دون الفعل السياسى الجاد، وتعوق ظهور منظمات المجتمع المدنى الفاعلة.

فى مقابل تآكل قضية المواطنة، تتصارع آليات الانتماء بين أصحاب حزم فكرية ودينية متناقضة، ففى الداخل ونتيجة احتكار الدولة لآليات الفعل السياسى، تعيش الجماهير وعيا سياسيا منقوصا، ومن الخارج تتطاير أفكار متناقضة بين أقباط مهجر يضيقون الخناق على أهل مصر ليعيشوا فى تاريخ مضى، وبين إخوان بترول يلغون وجود مصر فى تاريخ معاصر، وبين عبيد تدميهم أسلاك النخاسة والكفالة فلا يهتمون بغير تاريخ أسيادهم، هذه الحزم الفكرية يعانى أصحابها من هوانهم على الناس خارج مصر ويسعون لاسترداد قوتهم داخل مصر، يتنابذون بالأقوال ويتشدقون بنقاء العنصر والانتماء العرقى، وتتسع شقة عدم الانتماء.

نحن غلابة، ففى بحثنا عن منهج فكرى للتقدم، يشقينا فعل أناس لهم سطوة وانتشار يدعون أنهم وحدهم المندوبون عن السماء وأنهم وحدهم الناطقون بالحق، أنهم يمارسون التمييز بين أبناء الوطن الواحد، فهذا مؤمن لهم وذلك كافر بهم، المؤمن لهم نصف مقدس والكافر بهم مشروع قربان للآلهة، إنهم لا يعترفون بحق الإنسان فى المواطنة ويشترون بآيات الحكمة ثمنا قليلا، إنهم لا يرون أن السماء فوق الجميع وأن الأرض ملك للجميع.

نحن المصريون، نعانى تخلفا اقتصاديا وعلميا وثقافيا وضعفا سياسيا، جموعنا عمال تراحيل تسكن العشوائيات، تشقينا فعله الحصول على طعام اليوم وتحولت ثقافة التغيير لدينا من فعل الثورة إلى فعل الصياح.
المقال نشر فى جريدة نهضة مصر - الثلاثاء 20 يوليو 2010م

Tuesday, July 06, 2010

مٌسجًل خطر


فى هوجة اشتباه فى تجارة الممنوع تم القبض على (قرنى) وتبين انه ماسح أحذية يتفاوض على عقد عمل فى الخارج، وفى حادثة قطع طريق عام تم القبض على (هشام) وتبين انه قد سجن فى قضايا احتيال على موظفين ونشل مدير عام وقطع طريق مهجور، وفى حادثة زراعة مخدرات تم القبض على (دلال) وتبين أنها ابنة تاجر مخدرات وحبست فى قضايا مخدرات، وقضى (عتريس) خمسين يوما فى الحبس حتى تم القبض على رجل آخر تشتبه الشرطة فى انه القاتل الوحيد لحصان رجل عظيم.

فى بعض المواسم تقعقع أدوات الشرطة فى تطهير منطقة من الخارجين على القانون، تفتش الأرض والمنازل والجيوب، ويتم القبض على العشرات من المشتبه فيهم، وتقيد بياناتهم فى السجلات، وحين تهدأ المعمعة وتصبح الأمور تحت السيطرة، يطلق سراح بعض المحبوسين، ويبقون تحت إمرة طلب جديد أو تسوية جرائم لم يستدل أحد على مرتكبيها.

عشرات من القضايا تقوم فيها الشرطة بالقبض على جناة ومشتبه فيهم، ومن باب استعراض الكفاءة تعلن الشرطة سابق معرفتها بالجناة وبتاريخهم الإجرامى، وتحفظ ذاكرة الناس أن الشرطة تعرف الكثير وأنها تقدر على الأكثر، وحين يتكرر القبض على نفس المشتبه فيهم فى نفس القضايا، يحتار الناس فى تفسير بقاء كثير من المجرمين يروعون الآمنين ويعيثون فى الأرض فسادا، دون أن يأخذهم القانون بيد الشرطة، عندئذ يفسر البسطاء أن إغماض عين السلطة على نشاط كثير من المجرمين، راجع لأن يد السلطة تتحرك لتنفيذ حالات موسمية أو لقضاء مصالح فردية، ويتربى شعور لدى الناس بأن الأمور غير منضبطة، ويحاصرهم إحساس بأنهم مشاريع جاهزة لحالات اشتباه موضوعة تحت الطلب، ذلك بأن إغماض الأعين عن الأجرام أمر صالح للمساومة فى تصفية الحسابات الشخصية.

كل منا يعرف جناة ويعاشر خارجين على القانون من كل نوع، زوجات وموظفين وتجار وفنانين وطلاب علم، لكن الخوف من سطوة الجناة ونوم القانون وفساد الذمم، وما يمليه ضعفنا الإنسانى بأننا فى وقت ما، جناة من نوع ما، وتعثرنا الإنسانى فى تناول قضايا الحرية، يجعل السلطة ترانا صالحين للاستخدام فى مواسم القبض على جناة، كل ذلك الخوف يدفع الكثيرين منا لأن يتحسس فى كل وقت سكينا أو عصا، يهش بها خوفه من البلطجة وفقدان الشعور بالعدالة والأمن.

علاج خوفنا العام من تسرب العدالة يتطلب إدارة علمية ترفع كفاءة الشرطة والقضاء والسجون، وتضمن الفصل بين الجناة والأبرياء وأصحاب الحقوق.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 6 يوليو 2010م

Tuesday, June 29, 2010

حٌمىً وظيفية


طوال نصف قرن من تعاقب الوزراء والمديرين وصك القوانين وأنا أعمل موظفا حكوميا، فشلت فى أن أكون رئيسا كبيرا لأى عمل، فظللت مع الزملاء نمسك السيرة ونغتاب القيادات ونضع الخط المناسبة للحصول على الترقيات، وفى الوقت المناسب حملت خطة مناسبة وقدرا من النصاحة وتوجهت إلى مديرنا الكبير قاصدا الحصول على ترقية كبيرة.

بأدب جم دخلت مكتب مديرنا الكبير، وحين انفرجت أساريره عن ابتسامة كبيرة، انتحيت به جانبا وسررت فى أذنه رغبتى المجانية فى نزع الفساد من وجه الأرض ومن قلوب الموظفين، وأبلغته أقاويل غيرى من الموظفين الحاسدين المتآمرين، بأن قياداتنا الأعلى تهبر أموالا كثيرة تضاعف دخولها الوظيفية فوق مستوى العقل وتجاوز روح القانون، وكله يا باشا بصريح القانون، فلا يرصد هذه الدخول إلا حاسد أو متآمر، وأتممت شحن صدر مديرنا الكبير بأنه عظيم فى الدنيا ومغفور له فى الآخرة.

قبل أن أفرغ من فنجان القهوة الوحيد، طرقت يد المدير الكبير على كتفى، وبصوت واثق أقسم بالعيش والملح دون أن يحلف بالطلاق، أن إدارتنا تعمل بمنتهى الشرف والشفافية، وأن مرتب مديرنا الكبير لا يزيد عن بقية الموظفين غير جنيهات معدودة، ينفقها على شاى وقهوة الضيوف وعابرى السبيل، هكذا اسقط المدير الكبير فى يدى فشل مديحى ورفض خدماتى، فقررت أن أعرض خدماتى على المستوى الأعلى وظيفيا، انه مستوى رئيس مديرنا الكبير.

فى اليوم الموعود، دخلت مكتب رئيس مديرنا الكبير، عرضت عليه خدماتى الوظيفية فى الغيبة والنميمة وبعض المشهيات واقتسام الغنائم، فجحظت عيناه انبهارا بقدراتى وأطلق كلامه فى وجهى، يا زميل: دع القافلة تنبح والكلاب تسير، فجهرت بدعائى لكل قيادتنا بالرشاد والصحة.

قبل أن افرغ من كوب الشاى الوحيد، باغتنى رئيس مديرنا الكبير برغبته السامية فى إنهاء اللقاء، وقال محذًرا : يا سيد أننا نبذل فى العمل كثيرا من جهودنا التطوعية، لا نريد جزاء ولا شكورا، فإذا كان المدير الكبير قد أقسم لك بشرفه بأننا أشرف من الشرف، فإننى اقسم لك بالطلاق بأننا نصنع الشرف ونرعى الشفافية، هكذا خرجت من مكتب رئيس مديرنا الكبير صفر اليدين من أية ترقيات محتملة.

فى مساء نفس اليوم، رقدت فى السرير محموما، أرمى بهذيان الحمى وهلوسة الفشل فى وجه زوجتى، أحادثها: الشفافية يا أختى أن يكون القانون واضحا وتطبيقه مفهوم، وأصل المثل يا أختى أن الكلاب تنبح والقافلة تسير، وعند هذه الوصلات من الشفافية، وترويجا لطرق الحكومة فى علاج حمى صغار الموظفين، كانت زوجتى قد أعدت الماء والصابون والحقنة الشرجية.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر الثلاثاء 29 يونيه 2010م

Tuesday, June 15, 2010

التفكير بالوكالة


تلقيت على بريدى الالكترونى خطابا من أحد طلابى السابقين بالجامعة، أخبرنى فيه انه تخرج من الجامعة وحصل على عقد عمل فى دولة خليجية، وانه الآن يغرف من المال غرفا، ويعانى من سوء المعاملة قهرا، وانه يشكرنى على ما أعطيناه من علم.

فى الفقرة الهامة من الخطاب طلب منى تلميذى أن أكتب مقالا واحدا يظهر وجهة نظرى فى سيل من الأحداث، الأزمة المالية العالمية والكساد الاقتصادى، والقرصنة فى خليج عدن، وحالة الشتات العربى، والوضع فى السودان، ومشاكل عبودية وسخرة يتعرض لها المصريون فى الخارج، هكذا زحمنى تلميذى بكل هذه المشاكل وطلب رأيى فيها مجتمعة دون أن يقدم وجهة نظره فى واحده منها، وفى نهاية الخطاب أسرف فى مدحى وكاد أن يجعل منى القادر الوحيد على إصلاح كل فساد حول العالم.

المديح من تلميذى وقع موقعا طيبا فى صدرى، لكن طلباته أصابت موقعا سيئا فى عقلى، ذلك بأنه يمثلا نموذجا صارخا لمنهج فكرى مريض غرسناه فى عقول خريجينا الجامعيين، انه منهج التلقين والتسميع دون فهم، تلميذى يريد منى أن أكون وكيلا عنه فى رصد الأحداث وتحليلها والتعبير عنها، لا يريد أن يبذل مجهودا بنفسه تجاه حل ما يواجهه من مشاكل، كأنه يخشى المسؤولية عن آرائه، هكذا يعيش تلميذى عصر تخلفنا المهين، يشعر كل منا بأزمات يجمعها فى بؤر شعورية ولا يبذل مجهودا فرديا فى محاولة حلها، إننا ننتظر المخلص والفادى والشهيد والأب الكبير ونسعى لتوريطهم فى الحلول، نأخذ على يديهم مزايا النجاح ونلقى عليهم مسؤولية الفشل، هكذا وجدتنى أدرك حجم المأساة التى شاركت فى صناعتها حين تخرج جامعاتنا هذا الصنف من البشر على هذا المستوى المتدنى حضاريا.

الأصل فى المسائل أن يكون للإنسان مواقف وأن يكون قادرا على التعبير عن مواقفه بوسائله الخاصة، وأن يشارك الآخرين فى إيجاد الحلول، لكن أن يلقى مسئولية الفهم والتحليل والتعبير على أكتاف الآخرين فذلك هو التخلف الثقافى والحضارى بعينهما.

إن أصل العطب فى خريجينا هو نظام تعليمنا الفاسد المتدنى فكريا وأخلاقيا، انه نظام يقدس ما لا يستحق القداسة، يبطل الفكر ويحاصر الإبداع، فلا ينتج غير عبيد يجأرون بالشكوى ولا يتقدمون بالحلول، انه نظام ينتج بلهاء يجلسون أمام شاشات العرض العام وشيخ الجامع وقسيس الكنيسة وكاهن المعبد وكاتب الأحجبة وحامل البوق الحزبى والوزير والخفير، انه نظام مريض ينتج شعوبا لا يشقيها جهل فكرى ولا يؤرقها تخلف حضارى.
المقال نشر فى جريدة نهضة مصر- الثلاثاء 15 يونيه 2010م

Tuesday, June 08, 2010

تنشيف ريق


الكائن الوحيد الذى أحب أن أشاكسه هو زوجتى، أعدها بتحقيق أحلام فظيعة، رئاسة مؤسسات وجامعات ونوادى وامتلاك قصور وخدم، وأتوقف عاجزا عن مناولتها هدمة أو كسرة خبز أو شربة ماء، فتسخر من طفولتى وتدعو بشفاء عقلى، وأفعل ما افعل مدركا أن الأحلام الكبيرة لا يقدر عليها فقراء يشحذون اللقمة والهدمة، وأن العجز يواكب عبيدا لا يسعون نحو الحرية.

والشخص الوحيد الذى أستطيع أن أقرفه هو زوجتى، أخرج عينيها بعشرات من الطلبات والأوامر والنواهى، أنبش قلبها حزنا وكمدا على عيشتها معى، وأفعل ما أفعل متأكدا من قدرتى على المراوغة والتطليق والزواج من عشرات الصغيرات دون أن يسمح الرجال فى مجتمعنا لأى زوجة بحرية البقاء أو الخلع.

ذات مرة استرخى الأمان فى بيتنا، فطرحت زوجتى أسئلة ودودة فى ريق واحد: ما الذى يجعل رجال مجتمعنا أزواجا طغاة فى بيوتهم، متسلطين على أولادهم؟ فى العلن يمتدحون قيما وبشرا وفى السر يقسمون على أنها لا قيم وأنهم لا بشر؟ وحين بلعت زوجتى ريقها، أمطرتها بوابل من الأوامر والنواهى والحكم، قاصدا أن أسمعها الإجابة من زوج مغلوب على أمره.

يا زوجتى الطيبة: مثلى مثل معظم الرجال فى بلادنا، لا ينقصنا من مواهب العظماء شيء، لدى كل منا سبعا من جليل الصنائع، قادرون على الغناء والتطريب فى الحمامات، وقادرون على الهتاف والتصويت فى لجان الانتخابات، حصلنا على شهادات محو الأمية وقادرون على الإمساك بجوائز التفوق، سافرنا لأراضى الغربة وقادرون على أن نكون شيوخا وأصحاب معالى، تاجرنا فى النخالة وقادرون على امتلاك مطاحن الدقيق، امتطينا برادع الحمير وقادرون على إدارة مخازن الطائرات، فكرنا فى الزواج وقادرون على إنجاب الورثة والطامعين، ومع كل هذه الصنائع فان بختنا ضائع.

مثلى مثل معظم الرجال فى بلادنا، حظنا تعيس، لا نملك ظهيرا من خال أو عم أو حمى أو نسيب يجلسنا فى حجر رعايته، فنصبح فاهمين عباقرة، ومتكلمين مفوهين، وقادة حكماء، معداتنا خالية وقلوبنا حزينة، تلوك ألسنتنا إفطارنا بين بصل ناشف وخبز حاف، نخشى الكلام حتى أخر النهار ونصمت بقية الليل، يأتينا غدائنا ناقصا ونكمل شبعنا بالماء ونقضى عشائنا فى النوم، عاجزون عن إطعام أنفسنا لأن أرضنا تبور وتهدر فيها الموارد، عاجزون عن الدعاء المستجاب لأن عقولنا صودرت، وأغلقت أساطيرنا أبواب كل علم، ننجب ذرية ضعفاء، ونرعى قواعد حسب ونسب تفرضها علاقات فاسدة، فهل بعد هذا الإجحاف وتنشيف الريق، هل يبقى فى بلادنا رجال وأزواج طيبون؟
المقال نشر فى جريدة نهضة مصر - الثلاثاء 8 يونيه 2010م

Tuesday, June 01, 2010

أبو العريس


حين بلغ إبنى البكرى عمر الفحولة الكافى لأن أصبح أبا لعريس محتمل، أيقنت أن نسلى سيضرب فى الأرحام أحفادا يملأون المستقبل عزة وفخارا، وحين كثرت خروقات ابنى فى معايرتى بأننى من جيل قديم تزوج مجانا أيام الجنيه الجبس، وأنه من جيل جديد كبر دماغه عن أى زواج، قررت أن أورطه ليشرب كأس الزواج من بنت أصول، وحين تأكدت أن ابنى المحروس رجل كسّيب يعمل فى شغلانة على قد حال النظام الاقتصادى السائد فى بلادنا المحروسة، أعلنت بين الأهل والجيران والطامعين رغبتى فى أن أصبح جدا، وأن ابنى المحروس هو من سيجعلنى جَداً كثير الأحفاد، ولأن أحفادى فى ظهر الغيب عظماء، استظرفت من أجلهم سماجة هذا الصديق، ورضيت غباء ذلك الجار، وبررت سلوك تلك الطامعة، وطال صبرى على من يتحفنى بآرائه فى زواج بنات الأصول.

فى موعد الاستشارة المحدد، جلس صديقى داخل سيارتى الرائعة يسكب على مسامعى أن البنات كثيرات على قفا من يشيل، وأن الزواج من بنات الأصول أمر ميسور، فثلاثون ألف جنيه مصرى هى شبكة معقولة، وتسعون ألف جنيه هى فرش ثلاث حجرات فى شقة الزوجية، مطبخ وصالون وأنتريه، وعشرون ألفا هى حفلة فرح على الضيق، إذن الحسبة بسيطة، قل هى مائة وخمسون ألف جنيه يتكلفها العريس، بشرط امتلاكه لشقة مناسبة، أما العروس فتتحمل ما تبقى من نجف ومراتب وستائر وفوط لزوم إنتاج الأحفاد، ولا بأس أن يزيد صاحب الفضل من سعته.

ظل صديقى يسكب فى سيارتى آراءه عن زواج بنات الأصول، وظلت سيارتى تترنح على الطريق نحو منزله المحشور بين منازل المصريين، وحين بدأ يعيد آراءه رأيتنى أعيد حساباتى وأنظر إلى ربطة عنقه الطويلة تمهيدا لارتكاب جريمة خنق مع تكسير جمجمة، وفى لحظات تقدير لحجم الفاجعة تحسست الشارع والمارة فاصطدم بصرى بعشرات من العابرات سبيل الأنوثة، فأعلنت لصديقى أن أكثر من ستة ملايين فتاة مصرية دخلن سن العنوسة، وأن ابنى فحل من النابهين، وان أكثر من ستين فى المائة من الأسر المصرية تعيش فى حجرتين، يأكلون فى صحون من البلاستيك وعلى طبالى من أوراق الجرائد، وأن كيلو لحم الغنم الشهى لا يزيد على خمسين جنيها، فلا يعقل أن تزيد ثمن العروس من بنات أصوله على ألفي جنيه.

قبل انهيار أحلامى صحت: أيها الرجل غادر سيارتى سالما، وأحذر غضب الفحول منا ومن أبنائنا، فعرائسك أكثرهن من المتردية والنطيحة وما رفس الجحش.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء أول يونيه 2010م

Thursday, May 27, 2010

الردع بالمعرفة


هب أنك وقفت فى محطة أتوبيس واسترعى انتباهك وجود ثلاثة رجال وامرأتان يقفون متجاورين ويلبسون جلابيب بلدى نظيفة، فانك بهذا الانتباه أصبحت تملك بيانات يمكن وضعها فى كشف حساب ترصد فيه حال مجموعة مكونة من خمسة أفراد من الواقفين تجمعهم صفات مشتركة، هكذا البيان مجرد أرقام تحمل صفات معينة يمكن رصدها فى كشف حساب.

حين يلفت انتباهك وجود هؤلاء الخمسة وتبذل مجهودا وتنجح فى التحدث معهم فيقول لك كبيرهم إنهم غرباء قادمون للكشف عند طبيب، فانك بهذا الجهد أصبحت تملك معلومة هى انك رأيت خمسة من الغرباء فى محطة الأتوبيس يتجهون إلى طبيب، هذه المعلومة يمكن نقلها بمفردها إلى آخرين، مثل زوجتك أو رئيس المحطة أو رجل الشرطة وكل منهم يمكنه استخدامها بطريقته ولصالحه، هكذا تتولد المعلومات من جهد فكرى يبذله الأفراد مع بيانات إحصائية مستفيدين من خبراتهم السابقة.

حين يشغلك أمر هؤلاء الغرباء الخمسة وتضع فروضا مختلفة تتعامل بها بطرق مختلفة مع معلوماتك عنهم فانه يمكنك أن ترفع حصيلتك تجاههم من مستوى معلوماتك إلى مستوى معارف، فإذا فرضت إن المرأة الشابة هى المريضة فانك تصل لمعرفة أنها بصحبة أهلها فى زيارة طبيب أمراض نساء، وإذا فرضت إن الرجل الكبير هو المريض فانك تصل لمعرفة انه بصحبة أهله فى زيارة طبيب يعالج أمراض الشيخوخة، هذه الفروض يمكن التأكد من إتباع أحدها عن طريق المتابعة والسؤال من الأسرة والاتصال بالأطباء والصيادلة فى المنطقة، وفى حالة التثبت من الفرض الأول مع استخدام الدواء الذى وضعه الطبيب فانك تصل إلى معرفة أن امرأة شابة مرضت فعالجها طبيب نساء وتم الشفاء أو لم يتم، هذه المعرفة تسمى معرفة علمية موضوعية يمكن التثبت من فروضها، هكذا فى المعرفة العلمية، نحن أمام بيان يتطور إلى معلومة ومع اختبار الفروض بطرق معينة على تلك المعلومة نصل بالمعلومة إلى معرفة موضوعية.

يبقى أمامك فروض آخرى، منها أن المرأة الشابة مريضة وأن الأسرة بصدد زيارة مشعوذ أو القيام بزيارة قبر ولى وبعد مرور الوقت تم الشفاء أو لم يتم، فى هذه الحال تصل إلى معرفة من نوع جديد، تسمى معرفة غيبية تجاه المرأة الشابة، يسميها الصوفية علم يأتى من لدن خبير، إنها معرفة تغيب عنا كثير من معلوماتها ولا يمكن التثبت من فروضها التجريبية.

المعرفة إذن تأتينا من طريقين، تأتينا من العلم الموضوعى الذى هو نتيجة إجراء فروض على معلومات بطرق يمكن التثبت منها، مثل هذه المعرفة نتعامل معها بالاختبار المعملى والتصديق العقلى، وتأتينا من طريق علم آخر غير موضوعى تتعدد مصادره فى الحدس والأديان السماوية والوضعية، ولا يمكننا إخضاع هذا الطريق للتجريب ولا يمكن إثبات وجود هذه المصادر بالمنطق والحساب، هذه المعرفة غير الموضوعية نتعامل معها بالإيمان القلبى والتسليم العقائدى.

عند هذا الحد أنهى المحاضر كلمته فى مؤتمر علمى عن طبيعة المعرفة، عندها هب أحد الأساتذة المتخصصين فى العلوم الإنسانية، ممن يصبغون شعرهم وقت الضيق، ويضيق أفقهم الفكرى على تخصصاتهم، ويمارسون إرهابا ساذجا على عقول طلاب العلم، وعقب على المحاضر قائلا: إن المصدر الغيبى لا يحتاج وجوده إلى إثبات، فضجت القاعة بالتصفيق، عندها أراد المحاضر أن يردع بالمعرفة فأجاب: إن الاشتغال الفكرى بالرياضيات والفلسفة يحتاج جهدا ومثابرة لا يستطيعها بعض المتخصصين فى العلوم الإنسانية، فضجت القاعة بالتصفيق.

Wednesday, May 26, 2010

خطاب الجامعة الثقافى


قديما قالوا إن الجامعة مكان يدرس فيه أصول العلوم الحديثة ويحتضن بين جنباته جليل الثقافة، من قالوا بذلك واراهم التراب وكانوا عند التاريخ من رواد النهضة المصرية، إنهم رفاعة الطهطاوى ومحمد عبده واحمد لطفى السيد وطه حسين وآخرين من دونهم يذكرهم من كان بهم خصاصة غيرة على مستقبل هذا البلد، إما الآن فالمتابع لحالة الجامعات المصرية فانه يرصد حالة من التردى الرهيب والساحق الماحق لأية بارقة أمل فى تقدم مجتمعنا المصرى، فجامعاتنا الآن بؤر متقيحة تنتج تعليما متدنيا وثقافة فاسدة.

تخلفنا الثقافى المرصود فى الجامعات يرجع إلى أن كثيرا من القائمين على أمور الأنشطة الثقافية فى الجامعات يمارسون منهجا كسيحا فكريا وسياسيا، يصرون أن يحبسوا تعاملاتهم على ذوى اتجاهات معينة ممن لا يقدرون على ممارسة حق الاختلاف مع المنهج الثقافى الذى تؤيده الحكومة، إنهم يتبعون منهجا متخلفا قائم على الولاء الإدارى فى مجتمع مغلق.

من المعروف أن القيادات الاجتماعية والإدارية فى المجتمعات المغلقة تتكالب على تحقيق مكاسبها الشخصية بنشر تعريفات متباينة للمحرّمات، قاصدة أن تحشر الوعي العام داخل أسوار من قداسة مزيّفة لا يملك معها الضعفاء فكاكا، ولأننا مجتمع مغلق فبفضل هذا النوع من القيادات تتحول جامعاتنا إلى مدرّجات حجرية وقاعات بحث خاوية من حرية الرأى وجدل الثقافة.

القادرون على مهام الأنشطة الثقافية وصناعة الوعى الجديد داخل الجامعة ينتظمون فى ثلاث مجموعات، مجموعة يقف أفرادها خارج الجامعة فى مصاف نجوم تدعمهم وسائل الإعلام الحكومية ولا تعترض عليهم أدوات الرقابة الفنية، ومع ذلك لا تسمح لهم إدارة الجامعة بدخول مدرجات الجامعة فى أنشطة ثقافية، وهناك مجموعة داخل الجامعة مثقفون بصفتهم الشخصية ولا ينظمهم إطار تنظيمى، وهؤلاء يبتعدون بأنفسهم أو بفعل فاعل عن ممارسة الأنشطة، المجموعة الثالثة مثقفون منتظمون فى أشكال قيادية بالجامعة، قد يكون من بينهم رئيس جامعة أو عميد كلية أو رواد أنشطة، لكنهم ولأسباب سياسية وإدارية يتناسون طبيعتهم الخاصة ويمتثلون لبيروقراطية الإدارة وسوء نوايا السلطة، هكذا بجهد غالبية القيادات الحالية تصبح جامعاتنا مجرد أبنية صماء تفتح مدرجاتها ثقافيا لمن يحملون موافقات سلطات إدارية وسياسية ويعيثون فسادا فى جليل الثقافة.

إن الخطاب الثقافى الحالى فى جامعاتنا مقاوم للتحضر، ويكرس للتخلف، لذلك فنحن بحاجة إلى ثورة ثقافية تحمل صياغة إدارية وفكرية تسمح بأن يتولى أمر الأنشطة الثقافية الجامعية أكاديميون على قدر كبير من الثقافة ولهم تماس أصيل مع الفن، قاصدين أن نقدم لطلابنا معارف موضوعية وثقافة راقية، وقاصدين من خلفهم وجه التحضر لهذا الوطن.
المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 25 مايو 2010م

Wednesday, May 19, 2010

فلوسنا ورق


نذهب للبنوك بحثا عن النفقة والمعاش والمناقصات والمزايدات والوظائف والأخذ بالثأر، والفرجة على ناس محشورة فى الطوابير، ونحسب إمارات الهدوء على وجه صرافين لا تتحرك فيهم شعرة سعادة من آلاف النقود المرصوصة حولهم، نذهب حاملين جثثا لعملات ورقية نائمة متهالكة أسقمها التضخم الاقتصادى، تتسرب قليلة القيمة لاهثة بين أيدى الناس، يهينوها بعرقهم وكتاباتهم وإعلاناتهم السقيمة، نذهب لاستبدال جثث عملاتنا الورقية بعملات جديدة صاحية متماسكة ننفق منها على الموالد والأعياد واستجلاب الرحمات، وحبك خطط التآمر.

لأننى لم أعش زمن الهناء والمقايضة فى عصر الجنيه الجبس، حيث أقة اللحم بقرش ومهر العروسة ريال، وأعيش فى زمن النقود الورق، أضطر للوقوف فى صالة البنك لاستلام مرتبى الشهرى، أنحشر فى طابور طويل وينحشر فمى بالكلام فأتعاطى النميمة والنكات مع المطبورين أمثالى ونشرع فى صياغة عشرات من الحلول والتعاويذ والزيجات الطارئة، ومن حميمية الطابور أستجمع شجاعتى، فأظهر امتعاضى لصراف البنك لما يفعله تشويها لعملتنا الورقية، فيتكالب المطبورون على إظهار امتعاضهم منى توددا وملاطفة لجناب الصراف، وحين يفيق الصراف لفعلنا يبدى امتعاضه منا جميعا ويستمر غير عابئ فى كتابة أرقام وإمضاءات وتوصيات إدارية على أوراق عملتنا ويجبرنا على قبول التعامل معها.

لدينا أنواع من الفساد تعود بالضعف على عملتنا، وأول الفساد تلاقيه عملاتنا الورقية فى شبابيك الصرف بالبنوك، حيث لجان حصر النقود والمدراء والسعاه يشوهون عملاتنا بكتابة الأرقام والإمضاءات والتوصيات على جسدها الضعيف، ويكمل الجمهور بقية الإفساد، هكذا تسير عملاتنا بين المستهلكين حاملة مزيدا من فضائح اقتصادية بقلة القيمة، وفضائح جمالية بتشويه منظرها، وفضائح اجتماعية برسائل الحب والزواج والطهور والتعازى والذكرى، هذا الإفساد المتعمد جهلا من الناس وضعفا فى سياسات الحكومة النقدية، يتنحى فى خجل حين يتعامل نفس الأشخاص مع العملات الأجنبية فتبقى هى وحدها العملات الصاحية والنظيفة.

برغم وجود طرق اقتصادية وعلمية تقلل من سرعة دوران العملات وتجعلها تنام فى أيدى الجمهور موثوقا فى قوتها الشرائية، وبرغم وجود آلات حديثة متخصصة فى عد النقود غير أصابع وأقلام الصرافين، إلا أننا بحاجة لقانون حاسم يلزم البنوك أن تستبدل العملات المشوهة بعملات جديدة صاحية ويحظر على الجميع إساءة تداول عملاتنا، ونحن بحاجة إلى إعلام قوى يرسخ فى قلوب الناس وأذهانهم بأن عملاتنا هى إحدى رموز الوطن مثل العلم والحدود والنيل، عليهم أن يرفضوا التعامل مع حالتها المريضة، إنها رموز واجبة الاحترام.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 18مايو 2010م

Wednesday, May 12, 2010

الناقة سافرة تأكيداٌ


ثلاث لُعب من مَلَك ناصيتهن مَلَك ناصية أداة الإعلام فى بلادنا، بها يصنع التوجه العام ويتلقى التبجيل والتصفيق من غوغاء كثيرين، الأولى لعبة الإسلام أو الكفر، إنها لعبة دينية، والثانية لعبة التوريث أو الانتخاب، إنها لعبة سياسية، والثالثة لعبة السافرة أو المنقبة، إنها لعبة جنسية، على هذه المحاور يلعب المتربصون بصناعة عقلنا الجمعى.

واقعنا الحضارى المعاصر يرصد أن أكثر الناس عصبية وتخلفا علميا هم من يمارسون لعبة التهرؤ الدينى مع الدفاع الأخلاقى، إنهم منافقون يفصلون سلوكيا بين رأيهم الدينى المعلن كأحد مصادر الأخلاق التاريخية وبين سلوكهم الشخصى المستتر كأحد مصادر الأخلاق الشعبية فى الحارات وخلف الأبواب المغلقة، إنهم يشترون بآيات الخلق ثمنا قليلا، ويتاجرون بوحدة المشارب الأخلاقية والدينية بين البشر.

واقعنا الحضارى المعاصر يرصد أن لعبة السياسة فى مجتمعنا يمارسها بالفعل المؤثر قلة من الأقوياء من أصحاب النفوذ المالى تحديدا، لا يزيد حجمهم عن عشرة فى المائة من السكان ويملكون أكثر من ثمانين فى المئة من الدخل القومى، يديرون إمكانات المجتمع بالتوريث لتصب فى صالح طموحاتهم الضيقة، أما غالبية المجتمع من الضعفاء فهم يمارسون لعبة السياسية بالكلام دون الفعل، يمارسون الهتاف والعويل عن إدارة المجتمع بالانتخاب والشورى، تتخبط آراؤهم من باب عجزهم الموضوعى عن جمع المعلومات الصحيحة، وتتفتت قوة اجتماعهم من باب رغباتهم الشخصية فى اصطناع بطولات مزيفة، إنهم مثل غالبية مشجعى كرة القدم، ينتظرون فى توتر وعصبية حدوث لعبة الفوز لناديهم ولكنهم لا يقدرون على صناعة تلك اللعبة.

واقعنا الحضارى المعاصر يرصد أن لعبة الجنس يمارسها أجلاف منحرفون، يرون الرجال ذكورا فقط، فهم فحول مطلقة تأكل من خشاش الأرض دون عمل، ويرون النساء إناثا فقط، فهن أوعية صديد يخضعن بالقول عند كل ناصية، هكذا ظهرت بين الإناث الشقراوات والسمراوات، والغزلان والنوق، والسافرات والمنقبات، وظهر بين الذكور الفحول وأهل البركة، أصحاب السراويل وحليقو الذقون، وتحولت أرقام المشردين والزواج العرفى والمغتصبين والمطلقات وأولاد الشوارع فى بلادنا إلى أرقام نباهى بها الأمم.

أقول قولى هذا ولا أستغفر عما يفعله السفهاء من حكامنا، إنهم بسلطان قهر يتولون أمورنا، وبسقط متاع يشترون فقهاء يباركون تخلفنا، ولا أستغفر عما يبدر من دعاة لا يقدرون على علم مضبوط يصنع لنا قيما حضارية معاصرة، إنهم دعاة يختزلون حضارتنا فى فقه الفصل بين بول الناقتين، ناقة سافرة وناقة منقبة.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 11 مايو 2010م

Tuesday, May 04, 2010

إنهم لصوص


وقائع كثيرة يخلط فيها الناس بين الأرزاق المجانية، تأتيهم من حيث لا يعملون ولا يجهدون، كالهواء والماء وحرارة الشمس والميراث والغباء ومديح بعض المنافقين، وبين الدخول المنتجة، تأتيهم من حيث يعملون ويجهدون، كالمرتب والأجر والذكاء وإنكار تفوق الرؤساء.

وقائع كثيرة فى مجتمعنا تخلط بين الرزق المجانى والدخل المنتج كثيرة، ويؤدى وجودها إلى خلط أخلاقى بين الشرفاء واللصوص، فهذا موظف بسيط فى الحكومة يتقاضى راتبا متواضعا لا يكفى مسح دموع شكواه من ضنك الأيام وتأخر الترقيات، وحين تدخل بيته يلقاك بترحاب ويغرقك فى اللحم المشوى والشراب المثلج، ويدعوك لمشاهدة هزائمنا فى المباريات الرياضية على الطبق الفضائى، وذاك مدرس يحصل بشق الأنفس على شهادة جامعية، وحين يفتح بالوعة لتسليك الدروس الخصوصية يمتلك شاليها للمصيف فى الساحل الشمالى، وهذا مطرب متواضع فنا وقيمة، يشترى بملايين الجنيهات مصانع ومؤسسات لتربية الدواجن والعجول، وذاك رجل قحف لا علم لديه أو معرفة فجأة تدخل أرضه الزراعية نطاق زمام المدينة، هى شهور قليلة بعدها يجلس القحف على المقهى مرتديا جلباب الصوف ويحشو سجائره بالمخدرات، يبيع متر الأرض بآلاف الجنيهات، وهذا أستاذ جامعى يدلس فى أبحاث الترقية ويزور فى امتحانات الطلاب، يعلن فى كل إعارة أو سفارة أن ولاءه لمن يدفع أكثر فيصبح ثريا ومسئولا كبيرا ومرشحا لمسئوليات اكبر، وتلك امرأة تفرك كعبها فى العمل بضع سنوات فى الملاهى، تهدهد عن بعض العابثين متاعبهم فتصبح مليونيرة وصاحبة فضل وصدقات وفنانة كبيرة.

مجتمعنا ملئ بلصوص يتنطعون على إمكاناتنا الاقتصادية والاجتماعية والدينية، يخترقون القوانين بالفساد والرشوة، يحصلون على دخول صغيرة معلنة فى مرتباتهم وإقراراتهم الضريبية، ينفقون من المال أكثر من دخولهم المعلنة، ينتهكون بسلوكهم الاجتماعى كثيرا من لوائح العدل والشفافية، ويحاولون إقناع السذج والبسطاء بأن مسألة الفرق بين دخولهم الشحيحة وبين إنفاقهم المسرف إنما هى مسألة أرزاق تأتيهم من الغيب وتكفى حاجاتهم بفضل بركات دينية.

مجتمعنا فى حاجة ماسة لأن يتبنى قيما فكرية جديدة لا يهين معها فضل علم أو تكسر عندها قواعد حساب، قيم تكفل حرية أن يتخذ المواطنون لأنفسهم أنشطة اقتصادية مشروعة يجلبون منها دخولهم المنتجة، وتكفل وجود آليات علمية يضعها رجال الدين والاقتصاد والاجتماع لمحاسبة المواطنين على دخولهم المعلنة والخفية.

نحن بحاجة إلى قيم وآليات موضوعية تظهر بجلاء تلك الفروق بين عمل الشرفاء وتنطع اللصوص.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 4 مايو 2010م

Tuesday, April 27, 2010

هوجة الفتاوى


هوجة من الفتاوى الدينية تصدر كل يوم، يعارض بعضها بعضا فى دائرة الحلال والحرام، مثل الفتاوى فى فوائد البنوك وعمل المرأة وتحديد مواعيد الحج وأنواع الزكاة، وحين يسود الجهل وتتدهور الثقافة يتحول كثير من فقهاء أى دين إلى بشر مقدسون يصدرون فتواى مقدسة، ربما يصل تطبيقها إلى خرق لأسس ذلك الدين.

الفقيه العالم والمعروفة آراءه بين جمهور المؤمنين هو إنسان له قدرات محدودة، يحتاج إلى قدرة عقلية يحصل بها على علم معروف ويحتاج إلى سلطه إعلاميه تنشر ما توصل إليه من ذلك العلم المعروف، فالناس لا يعرفون العلم إلا من خلال سلطة عقلية تصنعه وتتآزر معه سلطة إعلامية تنشره، هذا الفعل الجدلى بين علم العالم وبين دعوى السلطة يجعل من غياب الثقافة العلمية سببا فى أن يؤيد البسطاء فتوى فقيه يصاحب السلطان بينما يرفضون رأى عالم يصاحب المنطق.

بسطاء المسلمين فى بلادنا، مع غياب العلم وتخلف الثقافة، يطلبون ما يستهويهم من فتاوى دينية، بعضهم يرى أن فقهاء الوهابية فى الحرم المكى أكثر قدسية من فقهاء السنة فى الأزهر، وبعض آخر يرى أن فقهاء الشيعة فى النجف الأشرف أكثر اقترابا من ولاية الحق عن أهل السنة، هؤلاء البسطاء يتعاطفون، لأسباب غير دينية، مع آراء فقهاء يرفضون من خلالهم سطوة الحاكم صاحب السلطة السياسية الغاشمة والقابضة على زمام أمورهم، هؤلاء البسطاء لا يدركون أن فقهاء الحرم أو الأزهر أو النجف الأشرف أو قناة التلفزيون هم علماء دين حبيس ومقيد لا ينشر دون الاستعانة بسلطة حاكمة لسلطان قادر، سواء كان هذا السلطان ملكا خادما للحرمين، أو رئيسا فى الأزهر، أو إماما معصوما فى النجف الأشرف، أو وزيرا فى التلفزيون، سلطان يعطى بركاته وقوته للفقيه السائر فى ركابه والمؤيد لمنهجه.

إن الفتاوى الدينية نظريات حياة يصنعها فقهاء يسيرون تحت إمرة سياسية لحاكم مستبد دينيا، بينما نتائج العلم نظريات يصنعها علماء متحررون من كل سطوة عقلية لأى حاكم، ومع غياب مظاهر الحرية السياسية والاجتماعية وانتشار الجهل وتخلف الثقافة تنتشر تجارة الفتاوى الدينية الرديئة، يصدرها فقهاء سلطان جائر، فتاوى تطمس قلوب البسطاء فيعيشون فى الخرافة، وتكفر عقول السذج فلا يدركون وجود الأشياء منفصلة عن قوة السلطان.

إن تطورنا الحضارى مرهون بحدوث ثورة تغيير فى مؤسسات الفتاوى الدينية، فالتطور بحاجة إلى فتاوى يعتمد بنائها على فكر موضوعى، يقبل محنة الجدل وينسب جودة الفتوى إلى مدى صلاحيتها لتحقيق رفاهية الإنسان المعاصر.

المقال نشر في جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 27 ابريل 2010م

Tuesday, April 20, 2010

إنهم عجزة



لأننى رجل طيب، قررت حضور جلسة افتتاح المؤتمر السنوى الخامس للإعجاز العلمى فى القرآن والسنة بجامعة المنصورة، وفى العاشرة صباح يوم الثلاثاء، الثالث عشر من ابريل الحالى، أخذت طريقى بين الحدائق والمدرجات حتى وصلت إلى قاعة المؤتمرات بمستشفى الأطفال الجامعى.

على باب القاعة التقيت بعدد من الوجوه واللحى والنُقب، طلبوا منى تسجيل اسمى لديهم، قلت: الأمر محتمل فظروف الأمن القومى تطلب ذلك، قالوا إنها وسيلة للتواصل الدعوى فى المستقبل، قلت: القوم لهم أصحاب ومناصرون، طلبوا منى أن أجيب فى ورقة على أسئلة دينية لأدخل سحب قرعة يفوز فيها ثلاثة بعمرة إسلامية، رفضت هذا الطلب لأننى أرفض عمرة تأتينى عن طريق صدفة القرعة، فالاعتماد على الصدفة يعرض الإيمان الدينى للاهتزاز.

جلست وسط القاعة على مقاعد وثيرة ازدحمت بالجالسين، خصص الجانب الأيسر من القاعة لرجال أزهريون من وزارة الأوقاف وخصص الجانب الأيمن لنساء اتشح معظمهن بالسواد والنقب، ومن حولى امتلأت القاع بشباب ورجال انتشرت بينهم اللحى، هى دقائق ودخلت سيدة وقورة لتجلس بيننا، وفى أقل من دقيقة أتى أحد المنظمين للحفل مهرولا وطلب منها أن تجلس بين النساء، نظرت إليه وخرجت من القاعة.

كان أول التعجيز أن انتظرنا أكثر من ساعة ليبدأ حفل الافتتاح، فالقوم وكاميرات التصوير فى انتظار حضور رئيس الجامعة أو من ينوب عنه، لكن أحدا منهما لم يحضر، أخيرا خرج على القاعة رجل دين صحراوى من أهل الجلباب والبترول، انه ممول الحفل وصاحب فضل على تابعيه من المؤيدين، هكذا تحول المتحدثون إلى خطباء دينيين.

أن يجتمع قوم فى ندوة يدعون لدينهم فهذا أمر منطقى ومقبول، لكن أن يدخلوا تحت قبة جامعة علمية بدعوى إنهم يقومون بمؤتمر علمى للأعجاز الدينى فهذا أمر غير منطقى وغير مقبول، فهناك اختلاف جوهرى بين منهج الدين ومنهج العلم فى تناول الظواهر، فالفرض الدينى تسليم بالإيمان ولا يقبل الخصومة، فالخصومة مدخل للبدعة وطريق للكفر، والفرض العلمى تسليم بالخصومة ويقبل الاختبار، فالاختبار مدخل للمنفعة وطريق للمصداقية، هكذا الدين يقين ثابت لا حاجة به إلى معامل اختبار تجريبية، بينما العلم تساؤل دائم لا حاجة به إلى مصادرات عقلية.

جلست ساعة بين الحضور، فتبين لى أن الإعجاز كما يدعون هو منهج دعوى متدنى للارتزاق وتشويه العقول، ودارت فى رأسى بعض الأسئلة، هل تسمح الجامعة بإقامة ندوات دعوية مماثلة لجموع من الآخرين؟ هل الجامعة فى حاجة إلى العائد المادى يأتيها من تأجير قاعاتها بقصد إهانة مناهج البحث العلمى؟ أم أن بعض العاملين بالجامعة يسعون للحصول على عقود عمل وهبات مالية تأتيهم من أثرياء صدفة، هم عجزة حضاريا، وليسوا طيبين؟


المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 20 ابريل 2010م


Tuesday, April 13, 2010

أشجان موظف


لأننى موظف حكومى بسيط، أتقاضى راتبا شهريا منقوص البركة، يداهمنى الإفلاس بعد أسبوع واحد يمر على استلام الراتب، ولأننى متأكد أن الحكومة تجامل أصحابها، تعطى مدير شغلنا أموالا كثيرة لاستضافة زوار مكتبه، ينثرها على المشروبات والمأكولات وتسفيه طموحات الآخرين، يربت على كتف صغار الموظفين كى يسحب أسرار كبارهم، ويجامل كبار الموظفين كى يحكم تشغيل صغارهم، لكل ذلك طرقت باب مدير شغلنا عند منتصف النهار، فى منتصف الشهر، قاصدا مضمضة عيونى بجمال طلعته، وتسليك أذنى برخيم صوته، واستنشاق عبير الحكمة من سلطته، مازجا وجود حضرته مع رشفات مجانية من الشاى والينسون والطعام ونتف ريش الآخرين.

حين تأكدت أن مدير شغلنا فى خلوة بمكتبه، دخلت على حضرته كالنسيم رقة وهدوءا واستعطافا، أبث صوتى حانيا وأنشر توسلاتى بين الأرجاء، سيدى مدير كل شغل: نحن حمير سلطتكم، ونعاج رضاكم، ودجاج فضلكم، جئناكم طامعين فى براح نعمتكم، وكريم عطفكم، نسألكم حق النشوق، وسرسوب مال نبلل به جفاف جيوبنا، وعملا إضافيا نهبر منه أرتالا من النقود، وسلطة نهبش بها وجه كل طامع، وقليل من الخوازيق والمهاميز وتخريجات القوانين، لزوم إفحامنا للحاسدين والكاشفين الغيظ والماكرين بين الناس.

حين أفقت من هيامى لاحظت جثة المدير تتأرجح عابثة بين طيات كرسيها الفخيم، ترقب أدعيتى مع السقف, وتحصى رجائى على الجدران، وحين أدركت جثة المدير أننا وحدنا وجها لوجه، أفاق المدير على دواعى تشغيل منصبه، بعثر دخان سيجارته حول أنفى، وأجلسنى فضلا منه بجوار مكتبه، وتصاعدت أقواله: أيها الموظف الطيب، نحن نحب الموظفين أمثالك، مطيعون تلهج ألسنتهم بالدعاء لكل مدير، نحسب عليك قدراتك ومواهبك، يا بنى: الغُلب ضارب أوتاره فى قلوب الجميع، فدعنا نجمع القرشين ونربى العيال، نسأل رؤسائنا عملا إضافيا نهبر منه أرتالا من النقود، نحن حمير الوظيفة، ونعاج القانون، ودجاج السلطة.

حين انكشف أمامى تراكم الأسى فى قلب المدير، عاودتنى الثقة فى أن إفلاس الجيوب لا يمنع تحريك الألسنة، فأعلنتها واضحة، أيها المدير الغلبان: نحن الموظفين بشر نولد أحرارا من غير نقود أو ملابس أو وظائف، هكذا تصبح وظيفتنا فى الحياة أن نضع قيمنا على الأرض، انتماء لما نحب وقدرة على ما نستطيع، لا نزرع فى أفئدتنا قبورا تعشش فيها مذلة الخنوع لبشر فاسدين أو قوانين متهرئة.

أيها المدير الطيب اهتف معى: يا بعض الموظفين فى الأرض، يا حمير الوظيفة ونعاج القانون ودجاج السلطة، تحرروا، فأحرار البشر وحدهم يصنعون الحياة الجميلة.


المقال نشر فى جريدة النهضة – الثلاثاء 13 ابريل 2010م

Tuesday, April 06, 2010

حرية الرأى – معزة خالتى نظيرة



ليس التاريخ الفاعل هو ما نستقيه من بطون كتب الحكام أو من حواف أضابير الأعداء، التاريخ الفاعل هو ما يعلق فى ذاكرتنا ويصنع جنبات طرق أخلاقية تسير فيها أرواحنا دون كسر لإشارات المرور، على هذه الطرق تنسى الجماعة قدسية الحكام وفظاعة الأعداء تمهيدا لأن تمزج بينهم فى الأيام القادمة، وتاريخى مع حرية الرأى كان فظيعا وجميلا أيضا.

على مشارف السابعة من عمرى، أبديت رأيى فى جمال فتاة فى السادسة كانت تلعب معى بعرائس الطين فى وسط حارتنا، ولما كان شرف عائلتها يراق على جوانبه كثير من الخناقات والردح والتهديد بإطعام السم لدجاجنا وبقر بطون بهائمنا، أصبح مقررا أن ترحل جثتى فى تغريبة خارج قريتنا، وافتدانى أبى من قرارات الترحيل، شدنى من جلبابى أمام الجموع وكسر على ظهرى كثيرا من أعواد الحطب والبوص غير مكترث ببكائى، من يومها أرى الجميلات خفر يورثن كتمان الرأى وبعض الأورام فى الظهر والرقبة.

على مشارف الحادية عشرة، فقدت خالتى نظيرة معزتها البيضاء، فاستعارتنى من أمى باعتبارى طفلا طاهرا لم يبلغ الحلم يفى بمتطلبات الشيخ عصفور فى عقد جلسة مكاشفة ترصد خطوات العنزة البيضاء داخل القرية، تسلمنى الشيخ عصفور فى حجرته الطينية الهادئة وخافتة الضوء، وبعد قراءات وتعاويذ من الشيخ عصفور أدليت بمواصفات عنزة بيضاء تقف عند دار بعينها، هى دقائق مرت وانتشرت معارك بين خالتى نظيرة مع أصحاب تلك الدار وتدخل كثير من أهل القرية، وبرغم طهارتى وكثرة الماعز الأبيض إلا أن أحدا لم يعثر على رفات عنزة خالتى البيضاء، من يومها أرى أن إبداء الرأى فى جلسات مكاشفة أمر تحيط به كثير من الطقوس تبرر عدم الشفافية.

تخرجت من الجامعة شابا مقتنعا بأن الناس سواسية يحق لها أن تبدى رأيا وتعارضه برأى آخر، وحين أصبحت موظفا حكوميا وأبديت رأيى فى النظام انهمرت على رأسى قرارات نقل إدارية فتوزعت أشلائى منثورة بين جنوب الوادى وشماله، يومها أدركت أن إبداء الرأى عند الشباب جالب للبطالة وطارد للزوجات ودليل اتهام بعدم الانتماء.

حين أصبحت موظفا عجوزا بمؤسسة حكومية ونشرت رأيى فى أدائها فى مقالات صحفية استقبل كبار الموظفين مقالاتى باعتبارها سلوكا معيبا، وتخندق صغار زملائى لوقف هذا السلوك المعيب، يومها أصبح نقد النظام سببا كافيا للطرد من رضا الحاكم وتعاطف المحكومين.
هكذا شق تاريخى الخاص علامات على روحى وجسدى أدركت معها أن صاحب الرأى فى بلادنا مسكين تحفه المخاطر، إلا من رحم السلطان وكان به من المؤيدين.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 6 ابريل 2010م

Wednesday, March 31, 2010

تسابيح ثورية

منذ اكثر من عام ونصف نشرت هذا المقال فى جريدة البديل القاهرية، وتظل الامورفى بلادنا على نفس الوتيرة انها لحن الدوجما الثورية، لذلك انشره مرة ثانية
.
لا أحد يكره التغيير، قليل من الناس هو القادر على التغيير العبقرى، الأزواج يمارسون تدريبات يومية فى الطلاق والخلع، قليل منهم هو القادر على فعلة الزواج من جديد، الأولاد والبنات يتشاكسون على النواصى ومفارق الطرق ويرقصون على حواف العقوق والبر مع الأبوين والأهل والجيران، قليل منهم هو القادر على فعلة الاستقلال الذاتى، معظم الفقراء يسبون الأغنياء وكثير من الأغنياء يتآمرون على الفقراء، قليل هو القادر على أن ينتقل طبقيا بين الفريقين دون ضجيج.

لا أحد من الأسوياء يكره التغيير، قليل هو الذى يسعى لأن يكون التغيير ثوريا ناضجا يضيف وقائع وأحلاما للتحضر الإنسانى، لا أن يكون ثوريا ساذجا ضامر الفكر جدب التخيل، الثوريون السذج فقط هم الذين يرفضون تغيير ثوابتهم، إنهم يصنعون الثورة على أعينهم ويجعلون من أحداثها أصناما وأقانيم للتسبيح وخناجر لوصم الآخرين بالعداء، فعل التغيير لدى الثوريين السذج هو مقطوع آن يتوقف عند لحظة فى الزمن، هو فقط موصول بشعارات تجرى على لسان قائدهم الأوحد وزعيمهم الملهم، يفدونه بالروح حين يسلبهم روح المبادرة تكريسا لفرديته، ويفدونه بالدم حين يمتص دمائهم تكريسا لخلوده ويتحول الثوريون السذج إلى رجعيين جدد يحرسون أصنامهم، هكذا أصبح حال القيادات المصرية طوال ثمانية وخمسين عاما منذ ثورة التغيير فى يوليو 1952م وحتى الآن.

سدنة ثورة يوليو والمرددون لعهودها أفرغوا أفعالها من كل فضل، ولم يتخلص ورثتهم من توجهاتهم أو أدبياتهم، كان مأمولا أن يصبح التعليم للمصريين كالماء والهواء ضرورة وطموحا لكنه الآن أصبح تعليما آسنا وملوثا، كان مأمولا أن يتحرر الاقتصاد المصرى من عناصر الضعف لكنه الآن أصبح اقتصادا تابعا تحكمه قواعد احتكار بغيض وعولمة غاشمة، وكان مأمولا أن يعيش المصريون فى ظل نظام حكم ديمقراطى لكنه الآن أصبح نظام حكم يعتمد حزمة من عيوب كل النظم، انه نظام ديمقراطى من غير أحزاب، ودينى من غير شرائع، وملكى من غير وراثة، وعشائرى من غير ولاء.

سدنة ثورة يوليو ليسوا هم جثث الضباط الأحرار وجثث تابعيهم فقط، إنهم أدمغة تكلست أفكارها عند عصر بذاته وعند ظروف بعينها، من أخطائهم فى التوجهات فقدنا نحن المصريين بوصلة الطريق إلى مشروع قومى فى العلم والثقافة والاقتصاد، وتحولنا إلى مجتمع ممتلئ بالثقوب ينسحب من الحضارة.

هكذا لا يبقى أمامنا نحن المصريين غير جدل التعامل مع موضوعية العلم وإنسانية المعرفة أملا فى بناء مجتمعنا المتحضر.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الأربعاء 31 مارس 2010م

Thursday, March 18, 2010

مسارح المنصورة


المجتمعات الجميلة حضاريا تزدهر فيها مسارح جميلة فنيا، ذلك بأن المسرح أب شرعى لكثير من الفنون، فالعرض المسرحى ينقل المشاهد إلى عالم خيالى آخر مواز لعالمه الواقعى وربما يتقاطع معه، عالم يعيش فيه ممثلون بشر من لحم ودم يعرضون فنونهم أمام مشاهدين، وانتشار النشاط المسرحى بين المواطنين ضرورة حضارية تبعث فى الجميع روح راقية على تناول الحياة الإنسانية بذائقة فنية، لذلك فان الدعم الإيجابى من السلطات المحلية للنشاط المسرحى يعتبر أمرا لازما سياسيا واجتماعيا وثقافيا لرفع مستوى التحضر لدى المواطنين، هنا سأتناول الوضع المسرحى فى مدينة المنصورة باعتبارها أحد العواصم الكبيرة لتجمع مصرى كبير.

المنصورة عاصمة محافظة الدقهلية، عدد سكانها يقارب نصف مليون مواطن، وسكان محافظة الدقهلية تجاوز الخمسة ملايين مواطن، وتملك أكبر تجمع سكانى فى مصر بعد محافظة القاهرة، وبها مقر جامعة علمية كبيرة هى جامعة المنصورة، وبرغم صلاحية كثير من الأماكن بالمحافظة للقيام بنشاط مسرحى إلا أن المحافظة فقيرة تماما فى نشاط الفنون المسرحية، ويتوقف أمر نهضتها المسرحية على مدى وعى الكثير من قيادات تنفيذية وشعبية، هذا الوعى يؤثر بالإيجاب على مستوى ثقافة شعب محافظة مصرية أنجبت ابن لقمان وعلى مبارك وأم كلثوم وأنيس منصور وغيرهم من قيادات الفكر والفن فى مصر.

لتنشيط الحركة المسرحية فى مدينة المنصورة وبالتالى فى محافظة الدقهلية فإننا نعرض هنا أربعة مقترحات تعالج مشاكل التمويل والكفاءة البشرية، أولا: بحثا عن أبواب للتمويل المادى فإننا نقترح إنشاء صندوق مالى ذو لائحة خاصة، تقوم إيراداته على ما يجمع من رسوم سيادية وخدمية وتبرعات، وثانيا: من أجل رفع مستوى الكفاءة العلمية للعنصر البشرى، نقترح أن تفتح جامعة المنصورة أبوابها للدراسات الأكاديمية فى الفنون المسرحية، على أن تشجع الدراسات الحرة للراغبين فى هذا المجال، وثالثا: من أجل رفع مستوى الكفاءة الفنية للعنصر البشرى، نقترح أن يوضع نظام علمى لتفرغ للفنانين المتميزين، نظام يكفل التمييز بين الموظف والفنان، ويتخطى بمرونته عقبات الروتين الحكومى، ورابعا: من اجل الاستخدام الأمثل فى توظيف الإمكانيات المتاحة، نقترح أن تستفيد المحافظة بشكل مقنن بكل ما يصلح أن يكون مقرا للتدريب والعرض المسرحى، مثل هذه المقار متوفرة فى المدارس والمؤسسات ونوادى الشباب ومدرجات الجامعة.

الأمر هنا على مثال واضح، فإذا توفرت رغبة فى اللحاق بالتطور الحضارى فلابد أن تمهد السلطات التشريعية والتنفيذية السبل من أجل نشاط مسرحى كبير يعم كل المدن.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 16 مارس 2010م

Wednesday, March 10, 2010

فئران ملونة


كان للفئران الملونة دورً حاسمً فى توسعة دارنا، فحين ملأت فئران البيوت الرمادية جدار دارنا الشرقى بالثقوب انهار الجدار، وانفتحت دارنا على جرن ملئ بأكوام السباخ وجحافل من خنافس وفئران وسحالى صغيرة، بعد شهور نجحنا فى ضم جزء من الجرن إلى دارنا وأقمنا حائطا شرقيا أكثر ارتفاعا، وفى أيام وشهور تالية طاردت عائلتنا فئران البيوت الرمادية بالصيحات وضربات العصى ومواء القطط ومحارق البخور.

وكان للفئران دور فى الحفاظ على ثرائنا، فحين اشترى خالى العظيم سبعة قراريط زراعية زجّ باسم عائلتنا لأول مرّة فى عالم مٌلاّك الأراضى، وفى اليوم التالى لحصاد أول قمح من غيط خالى نشرنا بين الناس أن فئران الغيط السوداء هاجمت القمح، كانت وفرة المحصول وإدعاء هجوم الفئران مبررات كافية لأن نقيم محرقة كبيرة لفئران الغيط، يومها أشعلنا صدر الغيط بالنيران ندفع بها عيون الحاسدين بعيدا عن محاصيلنا ومداراة لفحولة شبابنا.

وكان للفئران دورً حاسم فى إنجاب وريث شرفنا الرفيع، الولد الفار ابن عمى الكبيرّ، فحين ضربت العنّة كثيرا من رجالنا، أسرف عمّى الكبير فى تناول لحوم الهدهد وزيت العنبر وحلل التمساح ومطاردة الغوازى، ومع ذلك ظل صلب عمّى الكبير بليدا لا ينجب الذكور، فأجمع كثير من الطيبين والشامتين على أن يستعين عمى برجل فى المدينة يجلب البخت، وفى اليوم الموعود وضع الرّجل فأرا أبيض اللون ومر به قريبا من صندوق أوراق البخت، ثم ضغط على بطن الفار بخفّة، فالتقط الفأر الأبيض ورقة بخت أخذها الرجل وفتحها ليعلن على رؤوس الأشهاد أن عمّى أصبح فحلا كبيرا، بعد سنوات وفى حدث غير مبرر أنجب عمىّ الكبير ابنه الوحيد وأسماه الفار.

كانت شقوق فئران البيوت الرمادية، ومحرقة فئران الحقول السوداء، وأوراق فئران البختُ البيضاء، بداية لأن يمسك الناس بسيرة عائلتنا، نسكن فى بيوت مليئة بالشقوق، ونعيش فى باطن الأرض ونتقافز بين الجسور، نقرض أوراق الفكر ولا نقرأ ما بين السطور، وتحمل خلفتنا أسماءً للفئران.

منذ أيام شاهدت متحدثا حكوميا فى ندوة إعلامية، كان الرجل يعيش فى جلد فأر، أذناه طويلتان تبتعد أطرافها عن رأسه، عيناه جاحظتان سريعتا الدوران، يتكلم عن ألوان من الناس يعيشون فى الجحور وتنهار عليهم حوائط البيوت، وتساءل كيف للمصريين أن يتخلصوا من فئران السياسة والاقتصاد والثقافة؟ وثب إلى صدرى فخر شديد بأن صيت عائلتنا يضرب الآفاق، وأن فئرانا ملونة ترفع بيوتنا وتحمى ثرواتنا وتدير صناعة مستقبلنا الرائع.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر الثلاثاء 9 مارس 2010م

Monday, March 08, 2010

غربتنا الدينية

فى بحث علمى عن أحوال المصريين، عرض فى المجلس الأعلى للثقافة، تم طرح سؤال على عينة عشوائية من المصريين، ما هى الدول الأكثر التزاما بالدين؟ هكذا كان السؤال مبهما غير واضح التعريف ليدلى المبحوث برأيه معتمدا على انطباعاته الأولية عن تعريف الدولة والدين والالتزام، ويمس قناعاته بأن الدين منهج إيمانى يرسم للإنسان طريقا لتحقيق قيم أخلاقية لا يدركها إلا بالرضى، غالبية أفراد العينة رأت إن الدولة المصرية بعيدة عن الدين، بعضهم يرى التدين فى الدولة السعودية وفريق يرى التدين فى دولة أمريكا وبقية تؤكد وجوده فى دولة الصين.

ليس واردا هنا أن ندرس الحياة الاقتصادية والاجتماعية فى دول غربة يبحث فيها المصريون عن حلم انتماء لوطن، فقط نحن نحاول تفسير هذه النتيجة الفاجعة والهادمة لمبررات الانتماء الوطنى، فنتيجة البحث تقسم غالبية المصريين إلى قسمين، قسم يعيش داخل مصر متعايشا مع واقع متدنى حضاريا، وقسم آخر يعيش فى غربة خارج مصر تدفعه هجرة عمل أو هروب مقدس.

غالبية المصريين بالداخل لا يشعرون بالانتماء للوطن، يعيشون غرباء سياسيا وجوعى اقتصاديا، يصارعون موجات فقر وتخلف، يفتقدون رموزا حيا للقدوة والمثل العليا، يختصرون الدين فى أدعية ووعود غير واقعية يبثها فى روعهم مناور سياسى هنا أو شيخ هناك أو كاهن فوق الرؤوس، هكذا يدفع الإجهاد السياسى والاقتصادى بالمصريين لأن يجلبوا صورا مقدسة للدين من خارج مصر.

غالبية المصريين من المهاجرين فى دول الغربة، تحسنت أحوالهم الاقتصادية، وأصبح مبررا أمامهم أن يختزلوا دور الدين فيما يحققه للفرد من منافع مادية، هكذا أصبحت دولة السعودية أكثر تدينا من دولة مصر، إنها دولة غربة تعطى للمغترب منافع مادية أكثر وتصيبها مسحة من قداسة دينية، وكذلك أصبحت دولتى أمريكا والصين أكثر تدينا من مصر، فتقدمهما الحضاري من منتجات مادية ودعاوى حرية جعلت منهما نبراسا للتدين الجديد، هكذا أصبح مبررا لغالبية المصريين أن يعيشوا غربة دينية داخل مصر ويبحثون عن بديل قداسة وتدين فى بلاد الغربة، إنهم لا يستطيعون نقد الأوضاع داخل مصر ضعفا وهلعا، ولا يستطيعون نقد أوضاع الخارج تقديسا وطمعا.

نتائج هذا البحث العلمي الجاد، تشير إلى ضرورة تغيير الخطاب الدينى السائد فى مصر وتحويله من أدعية وتعاويذ إلى توجه علمي له نوازع روحية يسعى لتحقيق منافع حضارية للناس.

Tuesday, March 02, 2010

حادثة انقلاب

حين أحصيت فى الوجوه عدداً مناسبا من التحيّات والابتسامات وعلامات الوداع، أدرت محرك السيارة، وانطلقت أقودها متباطئا ومناورا ومتسابقا، أشق طريقى غندورا وسط انبهار الجموع، متجها إلى مدينتى البعيدة، ممنيا نفسى بطيب اللقاء مع الطريق ثم الزوجة والأولاد.

طريق الإسفلت ناعم والسيارة مطيعة، واخضرار حقول البرسيم يشد زرقة السماء إلى اتساع الأفق، وأشجار الكافور تلقى بظلالها على الطريق فاتحة بين السحب كوات من شمس شتاء حانية، فتحت زجاج السيارة قليلا فتسرب هواء طيب معبأ برائحة الحقول، وانتعشت فى رأسى أحلام ومواقف منتقاة من زمن جميل، وظلت الموسيقى تنساب حولى.

فجأة لمحت من خلفى سيارة باهرة الأضواء تأتى مسرعة، تشق الريح برعونة وتمرق بجوارى، انها رعناء تسارعت خلفها سيارة أخرى أكثر رعونة، تشاكس الطريق والسيارات وتحاول اللحاق بالأولى كأنهما فى سباق محموم، فجأة انحرفت الرعناء إلى أقصى اليمين تقفز من نهر الإسفلت إلى حقل برسيم مجاور للطريق، هكذا وجدتنى أمام حادثة انقلاب.

حين وصلت سيارتى لمكان الحادث، كانت الرعناء قد انقلبت مرتين واستقرت على ظهرها تدور عجلاتها فى الهواء، وعلى جانبى الطريق توقفت سيارات عابرة فتحت أبوابها وخرج ركابها مفزوعين، هى ثوان مرت واشتعلت النار فى الرعناء المقلوبة، وظلت بمن فيها ينتظرون النجدة.

حين فكرت فى تقديم يد المساعدة تذكرت أشياء وأشياء دارت بينى وبين الجميع، كراهيتى لضابط شرطة أجبرنى على تغيير طفاية حريق لسيارتى رغم صلاحيتها، احتقارى لمحامى يتاجر فى ملفات حوادث الطرق، حنقى على مسئول تحرش بأستاذ جامعى حاول إبداء رأى سياسى مخالف، اعتقادى بأن من يملكون سيارات فارهة قادرون على تكاليف العلاج من آية حوادث، إنهم يدفعون من خزائنهم ومن أموال الدولة وحين تفرغ خزائنهم يملأونها من دمائنا ويسحقون حبات كرامتنا، ومعرفتى بقصور أجهزتنا الحكومية فى إدارة الكوارث، وان الكوارث فى بلادنا تتكالب على رؤوس المجهدين والغلابة، هكذا عضنى الإيمان الشعبى العام بأن تبرعى للشهادة على ما حدث سيدخلنى فى دوائر تعذيب على يد سلطة غبية ترانى مجرما طول الوقت، وتحاكمنى على اعتبار أننى القاتل الوحيد لكل صنوف الحياة على الأرض، وأصبح منطقيا أن اتخذ قرار الابتعاد.

هكذا تسربت مبتعدا عن موقع الحادثة، وتسرب معى كثير من عابرى الطريق وأهل القرى، يضمون شفاههم ويلوون أعناقهم، وواصلت بين الجموع طريقى حاملا سؤالا جديدا لم أعرف له إجابة صريحة، كيف لمواطن شهم مثلى فى هذه البلاد، أن يرى سيارة يصيبها حادث انقلاب ويتركها تتلوى دون مساعدة؟.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر - الثلاثاء 2 مارس 2010م

Tuesday, February 23, 2010

حنطور الثانوية


الثانوية العامة فى بلادنا نظام تعليم متخلف ومجهد، إنها عربة حنطور تجرها كل عام مئات من الخيل المثخنة بالجراح يلهث وراءها مئات الألوف من الطلاب، وفى كل عام ترصد بيوتنا احتفالات بائسة لنتائج امتحانات مزورة، فالكثير من طلابنا يحصلون على الدرجات النهائية فى امتحانات الثانوية العامة ومع ذلك يفشلون دراسيا فى مرحلة التعليم الجامعى.

بعض المحللين يرون أن ارتفاع درجات الطلاب هو نتيجة جهد المسئولين فى تطبيق سياسة تحقيق التفوق الدراسى لجميع الطلاب بغض النظر عن قدراتهم الفردية، مثل هذه السياسة لا تفرق بين الأغنياء والفقراء، فأبناء الأغنياء المدللون بضاعة جاهزة نفسيا للتصدير إلى دول المهجر، وهم مرشحون للعمل عبيدا فى كفالة نظم حضارية متقدمة تسلب انتماءهم القومى، وأبناء الفقراء المحبطون هم بضاعة جاهزة نفسيا لتجرع أعباء البطالة، إنهم صالحون للعمل عبيدا فى كفالة نظم حضارية متخلفة تميت كل فكر مستنير.

سياسة التفوق للجميع مصدرها نظرية تربوية ترى أن التفوق العلمى حاجة حضارية للطلاب والمعلمين ولباقى أفراد المجتمع، وتطبيق هذه السياسة يعتمد على وجود دولة قوية تتمتع بإمكانيات اقتصادية واجتماعية وثقافية، وبنظرة فاحصة لواقعنا نجد أن إمكانياتنا ضعيفة، لدينا مئات من المدارس غير صالحة لتطبيق العمليات التعليمية الحديثة، ولدينا عشرات الآلاف من المعلمين يتداولون الدروس الخصوصية، ومؤسساتنا التعليمية يحركها عائد الكسب المادى دون اكتراث بالعائد الاجتماعى، هكذا يصبح تطبيق سياسة التفوق للجميع مجرد حرث فى البحر.

الراصد المحايد لواقعنا الاجتماعى يلاحظ أن قيمنا الاجتماعية السائدة تحكمها روح القبيلة، تسعى لأن يظل الفقير الضعيف عبدا للغنى القوى، وأن يدلس القوى على تابعيه من الضعفاء، لذلك يتبارى الآباء الحقيقيون فى المنازل ويتبارى الآباء الاعتباريون فى هيئات التعليم على استخدام سلطاتهم تجاه الطلاب، يحددون لهم طبيعة ما يدرسون من علوم ومناهج، وينشرون بينهم التدليس والتدليس، هكذا تتحول نقيصة الغش فى الامتحانات إلى كرم واجب يمنحه الآباء والأساتذة للطلاب، وهكذا تكون حصيلتنا السنوية مئات الألوف من طلاب علم مزورون ومدلسون.

لن ينقذنا غير ثورة حقيقية على نظمنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الحالية، ثورة ترعى توجهاتنا القومية وتجعل من نتائج الثانوية العامة مؤشرا حقيقيا للفوارق الفردية بين الطلاب، هكذا يمكن أن يتوقف نظام الثانوية العامة عن ضخ أعداد هائلة من طلاب أنصاف أميين إلى الجامعة يزداد بهم مجتمعنا انحشارا بالملايين من مدلسين وجهلة يمارسون كل عام الابتهاج بأفراح ساذجة لتفوق مصطنع.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر - الثلاثاء 23 فبراير 2010م

Wednesday, February 17, 2010

سيناء .. لحن الأسى

فى إجازة عمل اصطحبت صديقا وحشرنا سيارتنا القديمة بتجهيزات رحلة فقيرة، بصل وسكر وشاى وفسيخ مع أربعين رغيفا وجركن ماء كبير، واتجهنا فى رحلة قاصدين زيارة أصدقاء لنا يعيشون فى صحراء التيه، أرض سيناء.

اتجهنا إلى نفق الشهيد أحمد حمدى تحت قناة السويس، كان علينا أن ندفع رسوما للعبور إلى أرض سيناء، وحين مددت يدى بالرسوم أعطيها للموظف المختص هاجت فى ذاكرتى حواجز تصنعها حكومات متتالية للفصل بين سيناء وبين بقية مناطق مصر، ففى عهود مضت لم يكن لمصرى أن يدخل سيناء دون موافقات تصدرها جهات أمنية، واليوم أصبح الأمر أكثر تعنتا نفسيا حين تفرض الحكومة رسوما للعبور إلى سيناء، تضغط بها على ذاكرتنا الجماعية بفواصل مقصودة تمزق بقاع الوطن الواحد.

بعد عبور النفق قطعنا حوالى مائة وخمسين كيلومتر على طريق إسفلتى حتى وصلنا إلى أصدقائنا فى مدينة نخل عاصمة وسط صحراء سيناء، حيث يعيش حوالى خمسة آلاف نسمة من السكان بينهم موظفون قادمون من أنحاء مصر.

البدو من أهل وسط سيناء يعيشون حياة جافة غلبا، تنقصهم الكثير من الخدمات فى مجالات الصحة والتعليم والنشاط الاقتصادى، يحيط بهم فقر التجهيزات المادية والبشرية، وتلفهم وقائع الأمية والفقر والأمراض.

الأكثر غلبا من البدو هم الموظفون الحكوميون، حياتهم مأساة حقيقية، يعانون نقصا فى الماء والمواصلات والسكن ووسائل الترفيه، حياتهم صعبة لا تشفع فيها الزيادة النسبية فى مرتباتهم التى قد تصل إلى ثلاثة أمثال مرتبات زملائهم فى وادى النيل، ولا تسلم أسرهم من آثار سلبية لنظام عمل يقوم على بقاء الموظف بعيدا عن أهله معظم أيام الشهر، ثمانية عشر يوما متصلة مقابل اثنتى عشر يوما إجازة كل شهر، إنهم موظفون يقضون معظم حياتهم فى صحراء دون قدرة على تغيير المكان أو العلاقات الاجتماعية.

إن بقاء وسط سيناء على وضعها الحالى يصنع ظروفا موضوعية لانتشار الانحرافات بين السكان وبين موظفى الحكومة، بين الإنسان وبين البيئة، يصنع متطرفين عقائديا ومنحرفين فى نشاطهم الاقتصادى، يصنع مرضى معزولين مؤقتا فى سجن واسع الأرجاء.

سيناء أرض الفيروز والفحم والبترول والتيه، تحتاج إلى إمكانيات مادية وجهود علمية ليسكنها بشر أصحاء نفسيا وبدنيا واجتماعيا يصنعون تقدما حضاريا على أرض مصر، لا أن تبقى أرض تيه نعزف عليها لحن أسى، تتناثر على وجهها بؤر سياحية يستجم فيها كثير من محدثى النعمة وقليل من الصالحين.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر – الثلاثاء 16 فبراير 2010م

Tuesday, February 16, 2010

إلى وزراء التعليم


هذا العام دخلت طابور القائمين بالتدريس فى التعليم المفتوح، كان نصيبى هو التدريس لطلاب فى السنة الأولى الجامعية، إنهم خليط من صغار السن الحاصلين على الثانوية العامة بدرجات متدنية يدرسون مع طلاب كبار السن من موظفى حكومة وعاطلين وعوانس.

مع بداية كل فصل دراسى يتم تداول عرف غير مكتوب لمن يشملهم نظام التعليم المفتوح، الجامعة تتولى تجهيز الأماكن وإدارة النظام لتحصل على نصيبها من كعكة أموال يدفعها طلاب فى التعليم الخاص، أساتذة الجامعة يقومون بالتدريس لزيادة دخولهم وتصريف كتبهم القديمة، والطلاب ضعاف علميا تربوا على الغش والتدليس وتتبارى جهات التعليم فى رشوتهم بتزوير النجاح، أولياء الأمور يدفعون أموالا اقل مما يدفعونه للمعاهد الخاصة ليحصل أبنائهم على شهادات غير ملاحقة بتهمة التزوير الورقى، وكله محصل بعضه، هكذا تدور العجلة فى نظام التعليم المفتوح.

فى الفصل الدراسى المنقضى قمت بتدريس مبادئ الرياضيات، استعنت بنصائح أهل الدار القدامى، فاحتوى الكتاب المقرر منهجا دراسيا تم تدريس معظمه من قبل فى المرحلة الثانوية مع إضافات قليلة، أثناء التدريس اكتشفت أن كثيرا من الطلاب لا يعرفون مبادئ الحساب ويعانون من ضعف فى القراءة والكتابة فقمت بتبسيط المقرر وتكرار الشرح معتمدا على مقولة أن التكرار يعلم الشطار، وفى نهاية الفصل الدراسى وضعنا امتحان يكاد أن يكون نقلا من الأمثلة المحلولة فى المحاضرات وعلى صفحات الكتاب المقرر، هكذا توافقت مع السياسات التنفيذية للتعليم المفتوح.

حين تلقيت أوراق الإجابة فوجئت بنتائج غير متوقعة وحادة فى تطرفها، عدد قليل جدا من الطلاب حصل على الدرجات النهائية، وغالبية عظمى حصلت على أصفار حين قدمت أوراقا بيضاء أو نقلت الأسئلة دون إجابة أو كتبت رسائل وشكاوى اجتماعية، وتضاءلت النتائج الوسيطة، ولو تم تطبيق العدالة فى التصحيح فان نسبة نجاح الطلاب لا تزيد عن عشرة فى المئة.

إن ما حدث من انهيار فى نتائج الامتحان يرجع إلى سببين، أولهما اختلاط حديثى الثانوية العامة مع قدامى الخريجين دون تجانس فى القدرات بين الطلاب، وثانيهما وهو الأخطر أن مجتمعنا العلمى تسود فيه ثقافة الغش والتدليس والتزوير، فمعظم الطلاب يدخلون الامتحان وفى تصورهم أن نجاحهم دون جهد هو حق مرصود يكفله واقع التعليم فى مجتمعنا من الابتدائى إلى الدكتوراه.

بعض المدلسين فى إدارات التعليم المفتوح يرفعون نسب النجاح على غير الواقع، يطرحون حججا تجارية منها الحفاظ على الطلاب فلا يهربون للجامعات الأخرى أو المعاهد الخاصة، وحججا غير أخلاقية منها تقديم العلف للثور فى المكان الذى يربطه فيه صاحبه.

الأمر خطير وجاد، فنظام التعليم المفتوح بوضعه الحالى يمثل كارثة تحتاج معالجتها إلى مناشدة جميع المخلصين باعتبارهم وزراء مسئولون عن حال التعليم فى بلادنا أيا كانت طبيعته، مفتوح للتدليس أو مغلق على الفساد.

Tuesday, February 09, 2010

إنهم مزورون

حجج كثيرة تصاحبها أخلاقيات متواضعة، تدفع بعض أعضاء هيئة التدريس بالجامعات إلى التدليس والتزوير ليتمكنوا من الإعارة للعمل فى الخارج، هكذا يشترون عقودا مزورة تقضى بأن أزواجهم يعملون فى دول أجنبية، ويحصلون بها على الإعارة المرجوة متكئين على الوجوب القانونى لمرافقة الزوج لزوجه حين الإعارة الخارجية، بعضهم حصل على عقد مزور لزوجته بالعمل فى ليبيا وقدم هذا العقد للجهات الإدارية وبتدليس واضح تمت إعارته للعمل فى السعودية، هكذا ينتشر التعريض بالأخلاق مع التزوير فى الأقسام العلمية وإدارات الجامعات، ويصبح لدينا جيل من أعضاء هيئة التدريس يجدون المبررات لممارسة التدليس والتزوير وتواضع الأخلاق.

المدة القانونية بدون تزوير للإعارة الخارجية لا تتجاوز ست سنوات، هى سنوات كافية جدا لتحقيق التوازن بين الحاجات الشخصية والمصالح القومية، وهى لا ترضى طماعا يمارس التزوير والتدليس ويتدرب أخلاقيا على أن يعيش فى غربة دول عربية باعتباره عبداُ رقيقاً تحكمه نظم استرقاق وكفالة، لا يستطيع أن يكون حراً ولا يسعى لأن يكون حراً، انه يتدرب على أن يكون انتهازيا أخلاقيا ومتخلفا ثقافيا.

مع التزوير القانونى والأخلاقى تجاوز بعض المعارين المدد القانونية فقضى أكثر من عشر سنوات يعمل فى الخارج، إنها تجاوزات استوجبت على بعض رؤساء الجامعات من النابهين أن يرفضوا عودة المتجاوزين إلى وضعهم القديم بجامعاتهم الأصلية، ولأن المتجاوزين انتهازيون فإنهم رفعوا قضايا إدارية يطالبون فيها باستعادة وضعهم الوظيفى وكيانهم العلمى، بل ويطالبون بمراتب إدارية عليا كرؤساء أقسام علمية وعمداء كليات.

هناك أحكام صدرت لصالح هذا الصنف من المعارين، تقضى بعودتهم إلى أعمالهم باعتبار أنهم يخضعون لقانون الموظفين المدنيين بالدولة، لكن إذا اعتبرنا خصوصية الصفة العلمية والأخلاقية لعضو هيئة التدريس بالجامعة فنحن لا نرى مبررا موضوعيا أو أخلاقيا لصدور تلك الأحكام القضائية المجافية لروح المشرع النابه، فالجميع يرى قرائن وشواهد موضوعية تشى بالتزوير والتلاعب من موظفين ارتضوا التخلى عن دورهم الثقافى والأخلاقى.

صحيح أن قرار عضو هيئة التدريس الجامعى بالسفر للعمل بالخارج هو قرار فردي يتخذه لأسبابه الخاصة، لكنه قرار يمس الهيكل العلمى والأخلاقى للعاملين بالجامعات بما يمثله عضو هيئة التدريس المعار من خصوصية علمية وثقافية تؤثر فى المجتمع.

ليس صحيحا أن المعارين المزورين والمتجاوزين لروح القانون اكتسبوا مهارات ثقافية وحضارية من دول الإعارة، الصحيح إنهم كانوا قبل الإعارة أعضاء هيئة تدريس بجامعاتنا، وبعد الإعارة عادوا ليكرسوا فى بلادنا فساداً ثقافيا وتخلفا حضارياً.
المقال نشر فى جريدة نهضة مصر- الثلاثاء 9 فبراير 2010م

Monday, February 08, 2010

مهرجون فى الجامعة


حين أصبح الزميل رئيسا، قرر أن يحتفى بنا فى مكتبه الجديد، وضع أمامنا علبة كبيرة مليئة بقطع من الشيكولاته الفخمة وأخرى مليئة بخبز أهل البندر من بقسماط وباتون ساليه، وعلى مقربة وقف عامل تم انتقاءه بعناية ليقدم المشروبات المعتبرة، لم تكن خبرتى القروية كافية لتساعدنى فى تطبيق بروتوكولات تناول حلويات المنصب الجديد، لكن خبرتى مع المخصصات المالية لكبار الموظفين تكفى لأن أزيد راتبى بطريقة جديدة، هكذا انطلقت يدى اليسرى تلتقط من الشيكولاته واحدة إلى فمى واثنتين إلى جيبى الأيمن وواحدة إلى جيبى الأيسر وانشغلت يدى اليمنى بتوزيع قطع أخرى على فمى وعلى زملاء الجلسة.

تناولت فنجان قهوة محوجة يكفى لإثارة انتباه عشرة من جنود الأتراك العثملية، فانتبهت لقول رئيسنا الجديد بأننا بحاجة لنشاط ثقافى يحرك الراكد فى نفوسنا نحن أعضاء هيئة التدريس بالجامعات، نشاط نطور به أنفسنا ونساعد طلابنا على ملامسة الواقع المتحضر، هكذا قرأت ورقة مشروع رئيسنا الجديد لإثارة الوعى الثقافى المأمول، انه مشروع يتضمن عقد ندوات ثقافية يقوم بها محاضرون يمتلئ بهم إعلامنا الرسمى.

واقع المجتمع المصرى يرصد أن غالبية بيوت مصر بها واحد على الأقل يصنع الرأى من آباء وإخوة، انه صانع رأى اشتغل أو يشتغل أو يسعى للشغل فى دول غربة يعتمد اقتصادها على ريع وكفالة وعبيد، ويعتمد فكرها على مصادرات وإيمان أعمى، هكذا أصبحت الغالبية العظمى من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية يستقون ثقافتهم وطموحاتهم من خارج الحدود، يؤمنون بأخلاقية نظم الكفالة والسخرة وتغيير الهدوم والذقون والنقاب والإعجاز العلمى فى الأديان.

واقع الجامعات يرصد أن من يسمح لهم بإقامة ندوات ثقافية داخل الجامعة هم من يرضى عنهم نظام الأمن الجامعى بما يحمله من بيروقراطية إدارية وتحجر فكرى وضمور سياسى، وسلطات نظام الأمن السياسى فى الجامعة فى وضع محددات النشاط الثقافى هى أعلى من سلطات قياداتها الفكرية، هكذا فى عصر الانحطاط الفكرى والجمود السياسى يدخل الجامعة مهرجون يروجون لفكرة الإعجاز العلمى فى الكتب المقدسة، يحاضرون دون احترام لمنهج علمى، وهم فاعلون ما يفعله المتعصبون السذج من أتباع كل دين، فى مثل ذلك العصر يدخل الجامعة من يحترفون بالتواطؤ احتلال مقاعد الرغى فى كل مناسبة ويتنطعون على كل شاشة عرض، يقدمون خرافات عقلية وكوارث أخلاقية.

يقولون فى علوم الإدارة أن القيادات الوسيطة، مثلها مثل الطبقات الاقتصادية الوسيطة، تحافظ على النظام وتسعى لجموده، وبمرور الوقت تعمل ذاكرة القيادات الوسيطة بالقصور الذاتى دون رغبة فى تغيير أو طموح نحو ابتكار، ويصبح أمر التغيير قاصرا على طرفين متباعدين، قيادات عليا تنظر للمستقبل من خلال خطط وبرامج فوقية، وجموع من ذيل القائمة فى السلم الوظيفى يرفضون الواقع من خلال انفلات ومبادرات فردية.

حين طلب رئيسى الجديد المشاركة فى تنفيذ خطته الثقافية، مع بقاء الظروف المحيطة به كما هى، مجرد قيادة وسيطة تعمل وسط حصار أمنى، كانت كمية الشيكولاته المخلوطة بالقهوة المحوجة قد رفعت الحموضة فى معدتى فضاقت إمكانياتى فى التفكير الموضوعى، هكذا أقنعت نفسى بأن لكل غربال شدة، وقررت الخروج مسرعا لألحق بمكتب زميل آخر يحتفل بترقية جديدة، زميل ليس لديه سلطة ثقافية ويعدنا بأطباق من لحم وثريد لا تتعب المعدة.

Tuesday, February 02, 2010

مزاد علنى



كان أبى يؤمن أن الحياة أعطته خيرات كثيرة، زوجة وفدان أرض وفرن خبيز، ودارا من الطين تعجّ ساحتها ببنين وبنات وحمارا ودجاجا وبطّا وحماما وأرانب، كان أبى حريصا على تعطيل مبررات الحسد لدى الأهل والجيران، فجعل من جلبابه وسرواله جيوبا يخفى فيها كل ما يجلبه لنا من لحم وبلح رطب وحبات برتقال، وكانت أمى تجيد قراءة علامات الجوع على وجوه صغارها من الأطفال والفراخ، وتتحسّس فى الجميع ملامح السّعادة كلما عاد أبى منتفخ الجلباب، وكنا نعرف أن الحياة لنا، نحن المتكاتفين من أهل القرى.

فى طفولتى المبكّرة، كثيرا ما صارعت الدواجن فى وسط دارنا من أجل الحفاظ على لقيمات خبز ممسوسة بالسّكر تعوّدت أمى أن تلقيها فى حجرى، أحيانا كنت أنجح فى التهام الفتات مختلطا بالتراب وما علق به من أفواه المهاجمين، وأحيانا ينجح المهاجمون فى اغتصاب طعامى ونقر جسدى فى أماكن العفّة فيعلو بكائى، كانت حركة أفواه الأرانب تحوّل بكائى إلى ضحكات وحبور، من يومها عرفت مطاردة الدّجاج وكراهية البطّ وحُب للأرانب.

فى طفولتى المتأخرة، حملت سبات البوص محشوة بالخبز الحاف والجبن القريش والبيض المسلوق، أنتقل من قرية إلى مدينة، أدرس الكتب وأحفظ النصوص فى ضوء الشمس ووهج الكهرباء وبصيص لمبات الكيروسين، وحين توطنت البلهارسيا فى أجسادنا، أصبح لأطفال حارتنا بطولات خاصة يكسبها كل من يتبول قطرات أكثر من الدم.

فى شبابى تصالحت مع البلهارسيا والأنيميا وصديد البول، ودخلت الجامعة أدرس الاقتصاد والبورصات والقانون والمحاسبة، وحصلت على الدكتوراه فى إحصاء الناس والأرزاق، وشغلت بالدكتوراه منصبا جامعيا، مؤمنا بأن بلدى هى كل مصر.

فى شيخوختى عرفت أن مصرنا ثلاثة أمصار، أولها مصر البلد، حيث أعيش ويدبّ الناس من حولى فى حياة فقر وطلوع رّوح، وفيها دكتوراه العلم لا تطعم خبزاً أو سكّر، وثانيها مصر المحطة، حيث يعيش متعددو الولاء، يمتصون الدّماء ويتلصصون سعيا للهروب خارج كل وطن، وثالثها مصر الكَفُر، حيث يعيش المماليك الجدد فى قصور مشيدة، يتاجرون فى القيم والأقوات، تتحجر قلوبهم على كراسى الحكم دون إيمان بوطن، لا يعنيهم حال أهل مصر البلد ولا يرون أهل مصر المحطة.

أيها العظماء من أهل مصر المحطّة أو مصر الكَفر، فتح المزاد، إنى أبيعكم دكتوراه صناعة بلدى، سأعطي المشترى الورقة واللقب، وأعطيه من تاريخى قصصا باهرة تزيد عظَمَته، مقابل أن أضطجع على سُرر مفروشة فى جنان من نخيل وأعناب، وأقيم مباخراً من الطّيب لدرُء كل حسد.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر - الثلاثاء 2 فبراير 2010م

Thursday, January 28, 2010

مرتبى زاد


أنا موظف مصرى، واحد من بين أكثر من خمسة ملايين موظف حكومى، أتقاضى مرتبا هزيلا لا يكفى مواجهة أعباء حياتى اليومية، مرتب يدربنى على الدخول فى زمرة العصاميين، أستعين بالصبر والشكوى والنميمة على تحمل قلة قيمة نقودى فى سوق الحاجات وعلى تجرع هوان أمرى على السلطات، أدفع نقودا وضرائب وهبات ورشاوى للمحليات والدولة والشركات والجزار والبقال، ادفع ثمن الطعام واللباس لأبنى الأكبر الذى تخرج متفوقا من جامعة الحكومة ولا يجد عملا، وادفع للولد الثالث ثمن الدروس الخصوصية فى مدارس الحكومة وقيمة الأدوية فى العلاج المجانى، وأدفع للولد الثانى ثمن الهاتف المحمول وبعض علب السجائر التى تدسهم فى وجدانه إعلانات التلفزيون وتواطؤ الحكومة، المصيبة أننى أدفع تلك النقود مجبرا بموجب عقود إذعان تفرضها على سلطات الأهل والجيران والحكومة وبعض الحاسدين، فى مقابل مستوى متواضع جدا من الخدمات، ومع ذلك الإذعان لا أحصل على صفات العميل الجيد أو الأب الحنون أو المواطن الصالح.

ولأننى مازلت موظفا، تعلمنى لوائح الحكومة حرفية تعطيل واختراق كل القوانين، ولأننى ادفع نقودا أكثر مقابل خدمات أقل، لذلك أخذ بحقى كل تبن وحلفا من الحكومة والأولاد والجزارين والبقالين، أعمل فى المتوسط سبعة وعشرين دقيقة كل يوم، وأنفق ما تبقى من يومى فى طوابير العيش ووسائل المواصلات والعراك مع الجيران، ولا أسعى لرفع كفاءتى فى العمل المنتج، ذلك بأن رئيسى فى العمل لا يملك أدوات موضوعية لتقييم أدائى، يصدر أحكامه الوظيفية بناء على معايير شخصية ترسمها مصالحة الخاصة.

هكذا أنا موظف أسعى للحصول على أموال وهبات ورشاوى أرى فيها استعادة بعض من حقى المهضوم، وحين يتحرك ضميرى بالألم، أستعين بذخيرة من حكم وأمثال وميراث حكومى وشعبى تكفى للاقتناع بأن الحساب عن الخير والشر لن يقف عندى، فطالما أن أحدا لا يهتم باستيفاء حقوقى كمواطن، فان أحدا لن يهتم بمتابعة واجباتى كمسئول، ذلك بأننا نحن الغلابة نهدر بعضا من الموارد، لكن الكبار يأكلونها والعة، يهبرون أموالنا بالملايين ويغسلون أموالهم فى دمائنا، عيونهم فاجرة تندب فيها ألف رصاصة دون أن يهتز لهم طرف.

برغم أننى موظف حكومة، أعانى من ضعف الإدارة ومن عجز القوانين عن تحقيق قدر معقول من العدالة، إلا أننى فى لحظة صفاء يمكننى أن استعيد قدراتى على التفكير الموضوعى وأطرح سؤالا عاما، ماذا يحدث لو قررت الحكومة مضاعفة موظفيها خمس مرات مثلا، هل ستحل مشاكلنا الوظيفة؟ إن الإجابة بالطبع لا، بل سيظل حالنا كما هو عليه من تسيب إدارى وضعف الخدمات وفساد بيروقراطى، ذلك لأن عملية زيادة المرتبات وحدها دون مساس ببقية عناصر أدائنا العام، يعنى حسب مصطلحات أهل الهندسة أن الحكومة تسعى لأن تعيد رسم الصورة بمقياس رسم جديد، دون أن تغير الزوايا أو العلاقات فى مكونات الصورة، وهكذا يظل فقرنا الاقتصادى والأخلاقى والاجتماعى، جاثما على صدور الجميع.

القيمة الحقيقية للمرتبات تقاس بتغيير العلاقات الوظيفية وسن القوانين التى تصنف الأعمال من حيث طبيعتها وأهميتها، وتحدد طرقا علمية لتقييم الكفاءة وإصلاح الأخطاء، أما أن يزيد مرتب موظف بألف جنيه ويزيد مرتب رئيسه بعشرة آلاف جنيه، دون أن يصاحب ذلك تقدم فى مفاهيم وأدوات العمل الحكومى، فمعنى ذلك أن الحكومة تدفع المرتبات بإصدار نقود ضعيفة القيمة، تزيد التضخم وتجنن الأسعار، وتفتح مزيدا من أبواب الفساد.

المقال نشر فى جريدة نهضة مصر - الثلاثاء 26 يناير2010م

Wednesday, January 27, 2010

عليه العوض


فى مواسم جرد الذمم، احترق مخزن كبير بفعل فاعل، فتغامز الجيران وقالوا عليه العوض، وفى عملية جراحية مدفوعة الأجر، فقأ طبيبُ عين شاب، فولولت أم المريض وقالت: عليه العوض، وفى يوم موعود حملتُ بطيختين وعود قصب ودخلت بهما على زوجتى، ولما اكتشفَت أننى مرهق تماما, مصمصت شفتيها وقالت: عليه العوض، وانتشر فى حياتنا لحنُ ثقافى مميّز: عليه العوض ومنّه العوض.

ثقافتنا الشعبية السارية تقبل تصنيف المقصرين إلى طبقتين، طبقة فوقية غنية معصومة بعلاقاتها وقدراتها المالية والاجتماعية يعجز القانون عن ملاحقتها بعقوبة التقصير، وطبقة دونية فقيرة يمسك القانون برقبتها عند كل هفوة، ثقافتنا الشعبية تقبل إرجاء حساب المقصّرين طمعا فى أخذ بديل أكبر فى المستقبل فتترك أمر حسابهم لعظيم سيتدخل فى قادم الأيام، هكذا يفلت من العقاب كل من يوارى سوءة الفعل خلف منظومة دعائية من العصمة والقدرة.

فى مجتمع يتبنى ثقافة تأجيل حساب المقصرين، يسهل تحريك الرأى العام بأساليب إعلامية تحيل أسباب القصور إلى عوامل يصنعها الأعداء والآخرون دون أن يكون لمقصر معروف ذنب فيما يحيق بالمجتمع من فساد، هكذا يبنى المجتمع المتخلف ثقافة أفراده على نظام معلومات ضعيف تتآكل أدواته بعوامل التعرية الحضارية، ويكثر اعتماد ذلك المجتمع فى التعامل بالأرقام والبيانات على أفراد غير مدربين يخضعون لضغوط ثقافية واجتماعية واقتصادية متخلفة، عندها تخضع عملية جمع البيانات وتصنيفها إلى معايير شخصية، وتتحول صناعة المعلومات واتخاذ القرارات إلى صناعة مزاجية يداخلها شروع الضعفاء فى تصفية حساباتهم مع الآخرين.

ملايين وطاقات تنفق على مشاريعنا القومية، ولا يملك المواطنون وسائل موضوعية لتقييم جدواها الاقتصادية والاجتماعية، وتختلف نتائج التقييم باختلاف توجهات كل فريق، فريق يملك المعلومات وتنقصه الموضوعية فى اتخاذ القرار, وفريق يملك موضوعية العلم وتنقصه المعلومات.

شعبنا هو صاحب الحق الأصيل فى العوض عما نلاقيه فى حياتنا من هدر الإمكانيات والدوران فى حلقات الفقر والجهل والمرض، ولتعويض خسائرنا المادية والحضارية، علينا أن نتجاوز عصر الاعتماد على أهل ثقة يطبخون القرارات لمصالحهم الشخصية، وأن ندخل فى عصر شفافية المعلومات يستعين بأهل الخبرة ومن يقدرون بموضوعيتهم على حشد قدرات الجميع للنهوض بهذا الوطن، وتحديث ثقافته.

Wednesday, January 20, 2010

الذين يفسدون فى الأرض



أنا لا أكره وزيرا يحنث فى قسم توليه الوزارة بأنه سيرعى مصالح الوطن، ولا أكره صاحب مصنع يحتكر منتجاته ولا يفصح عن مصادر دخله، ولا أكره قائدا يخذلنا بالهزيمة ويجعل رقبتنا مثل السمسمة، أنا بالفعل لا أكره فقط، بل أكره وأحتقر هذا الصنف من القيادات يأتى لمنصبه بالتزوير ويفسد فى الأرض، أفعل ذلك باعتبارى لاعب كرة قديم عرف أصول حراسة المرمى.


فى قريتنا ومنذ الصغر اكتسبت مهارات اللعب بكرة القدم وتخصصت فى القيام بالمهام الخطيرة لحراسة مرمى فريق حارتنا المرعب، ملعبنا نقيمه على أرض شارع أو على ساحة جرن حصاد أو فى زنقة، حين نفتقد الأحجار الكبيرة نصنع شواهد متحركة للمرمى من أكوام تراب وطوب وملابس اللاعبين، وقت مبارياتنا مفتوح ولا مانع من أن يشاركنا اللعب بعض العابرين من بشر أو بهائم، وللجميع الحق فى الرجوع عن قراراتهم الكروية متى شاءوا.


فريق حارتنا المرعب أبدع طرقا عبقرية للفوز فى المباريات، طريقة تحريك شواهد المرمى تضيقا أو توسيعا ليعجز المنافس عن تسديد الكرة فى مرمانا، وطريقة الصياح والقسم بأغلظ الإيمان أن الكرة لم تدخل مرمانا، الطريقة (بَلْبَصْ) كانت هى الأفضل، نتحرش بملابس الفريق المنافس ونضيعها بعيدا عن أرض الملعب بقصد المساومة عليها، (بَلْبَصْ) هى تعرية الفريق المنافس من الهدوم وفضيحته مقابل الاعتراف بعدد من الأهداف تشفى غليلنا فيه، هكذا فى كثير من مبارياتنا حصدنا أهدافا تقارب ثلاثين هدفا لنا مقابل خمسة أهداف للخصم، ومع كل فوز تبدأ معارك يشترك فيها اللاعبون والمتفرجون وعابرى السبيل، وتتعدد الإصابات بالطوب والحصى والجلة الناشفة.


خبرتى فى حراسة المرمى مع فريق حارتنا إصابتى بالإحباط والأسى، فمهما كانت نتائج مبارياتنا عادة تنهال على رأسى الشتائم وبعض الطوب مع تقطيع الهدوم، إذا فزنا يتهمنى الفريق المنافس بتحريك الهدوم حتى ضاقت شواهد مرمانا وضاعت عليهم كراتهم، وإذا هزمنا يتهمنى فريقنا بتحريك الهدوم حتى وسعت شواهد مرمانا فاستقبل كرات المنافسين، هكذا مع انتشار مباريات كرة القدم كثرت الأورام والتسلخات فى جسدى وكثرت الرتوق فى هدومى، فتوقفت عن حراسة كل مرمى كروى، ونقل العقلاء عنى خبرة الطريقة (بَلْبَصْ) لتجريس المنافقين والفاسدين.


مع كثرة مشاكلنا، أرانى صالحا لقيادة حكومة أضبط سيرها على الطريقة (بَلْبَصْ)، يتم التحرش بهدوم كل مسئول لا يقوم
بواجبه، المشكلة عندنا أن بعضهم عينه باكسة وسيفرح بضياع الهدوم
.

Tuesday, January 05, 2010

ثرثرة جامعية


علشان الدنيا تلاهى، واحد عجوز صاحبى شغال فى الجامعة أخدنى على جنب وقعد يرص فى ودانى كلام يودى فى داهية، قال إيه وزير الجامعات غلطان، فى ايده الحل ومع ذلك مفيش حل.

وعلشان أنا موظف جامعة قلت لصاحبى: أقطع دراعى لو الوزير ده راح وجابه مكانه ألف وزير جديد ما فى حاجه هتتغير فى الجامعات، أصل الحكاية فى النظام اللى جعل الجامعات غير مستقلة إداريا وفكريا، أمن التخلف السياسى ماسك الجامعات من الشمال وإخوان التخلف الحضارى ماسكينها من اليمين، علشان كده مفيش حاجة هتتغير، على فكرة يا صاحبى، الإخوان موجودين فى الجامعات مش باعتبارهم تنظيم سياسى قوى، دولم موجودين باعتبارهم تخلف حضارى سارى بين كثير من أعضاء هيئة التدريس والقيادات الإدارية، واللى مش من الإخوان بيعانى من فقر وتخلف سياسى وثقافي، علشان كده تلاقى عميد كلية حاطط صورة لجمال مبارك فى مكتبه، يمكن يعينوه رئيس جامعة، وتلاقى رئيس جامعة مكتبه خالى من لوحات فنية، وتلاقى عميد كلية يتوقف عن العمل لمدة نصف ساعة صباح كل يوم فى مواعيد العمل الرسمية، قافل مكتبه على نفسه ويقرأ أوراد الصباح.

شوف يا صاحبى، الجامعات عندنا خربانه وكل يوم بتزيد خراب، فيها أعضاء هيئة تدريس وإداريين يستحقوا الصدقات والزكوات علشان يعيشوا بنى ادمين، وفيها محاضرين يرون أن الفن والفلسفة حرام، وفيها من يضيع الوقت ليثبت الإعجاز العلمى فى الكتب المقدسة، وفيها اللى بيزور أوراق علشان يسافر لبلاد الغربة يطرش كلمتين ويلطش قرشين ويرجع بمخ مقفول ينادى بقيم متخلفة.

يا صاحبى الجامعات فيها وفيها، ربنا يخليك كفاية غيبة ونميمة، ما تودناش فى داهية، ومن الآخر كلام فى ودنك: الناس وأولياء الأمور والحكومة والرقابة الإدارية تعرف عن الجامعات وقائع مخجلة أكثر منى ومنك عشرات المرات، وإذا سألتنى الحل إيه، أقولك الحل فى أيد ربنا، ومفيش قدامنا غير الدعاء، يا راجل ارفع ايدك وادعى معايا: إلاهى وأنت جاهى تاخد رؤوس الفساد وتحط عليهم نيلة وتصيبهم بالجرب والعنة والحول وتلزق وشهم فى قفاهم، يا رب دى دعوة أستاذ جامعة واخد دورات فى الندب والشحتفة، ومخدش دورات فى التسبيح بحمد الوزير أو الدعوة بعصمة المرشد، يارب علشان مستقبل مصر إقبل دعوتى وطينها بطين علي اللى سايبين جامعات بلدنا فى الحال ده، جاتهم واكسه، لا بيرحمونا ولا سايبين رحمة ربنا تنزل.

Saturday, January 02, 2010

العمداء الجدد

سيادة وزير التعليم العالى، كثيرة هى الأيام التى يجلس فيها أهل الجامعات على مصاطب النميمة يذكرون الطرق المعلنة لاختيار عمداء الكليات، ما بين انتخاب أو تعيين، ويتندر الجميع بالطرق السرية لتثبيت معظم القيادات.

طريقة انتخاب العميد ترى أن أهل الجامعة قوم أحرار وهم أحق من رجال الأمن باتخاذ القرار فى تعيين العمداء ورؤساء الأقسام العلمية وعمال النظافة، بينما طريقة اختيار العميد بالتعيين ترى أن أهل الجامعة أقنان أرض يتبارون فى إرضاء رجال الأمن ويتسابقون على مناصب تمنحها سراديب العلاقات الخاصة.

سيادة الوزير، نحن العاملين فى الجامعة لا يهمنا أن يكون المرشح للعمادة مصاب بضغط دم أو السكر، أو انه يصبغ شعره ثم يكويه ويرتدى ملابس داخلية سوداء ويستخدم عطورا زيتية مما يباع على أرصفة دور العبادة، ولا يهمنا أن المرشح يتناول البصل الأخضر أو الفجل الأحمر أو يفضل التدريس للطلبة دون الطالبات، فمثل هذه الأمور عيوب شخصية يمكن التجاوز عنها، فكلنا أصحاب مرض ونقترف كثيرا من الآثام الصغيرة، ولا يهمنا أن تكون الأستاذية هى الدرجة العلمية للعميد، فكثير من المرشحين يحمل درجة أستاذ مضروب جهلا أو أستاذ معار فقرا أو أستاذ يأكل العيش سحتا، ما يهمنا هو الوعى الثقافى للمرشح بمشاكلنا التعليمية واستشرافه طرقا علمية لحلها.

سيادة الوزير، لو تقدم مرشح للعمادة قضى معظم سنوات خدمته فى إعارة ارتزاق خارج مصر وعاد محملا بتخلف ثقافى مريع، يغازل الوقت الملائم لمنح درجة الدكتوراه لأبن مسئول كبير ويصطاد الوقت المناسب للعزاء فى قريبة مسئول كبير آخر، مثل هذا الأستاذ غير الملتزم لو خضع لاختياركم بطريقة التعيين فانه يصبح عميدا لكلية جامعية، يسبح بحمدكم صباحا وبعد كل تجشأ ودبر كل طعام، ولو خضع لاختيارنا بطريقة الانتخاب الحر لخرج من المنافسة الشريفة.

يا وزير التعليم العالى، انتم تؤيدون تدخل الأمن فى شؤون الجامعة، وتدفع سياستكم الكثيرين نحو السلبية فتجعلهم ينظرون إلى الجامعة كحمار ترعاه السلطة، ويتركون لأحبابكم حرية ربط الحمار فى المكان الذى تريدون، ونحن نرى أن تعيين العمداء بالانتخاب الحر مع الكفاءة العلمية يحفزنا لأن نشارك فى بقاء الجامعة حمارا قويا يخدم الجميع.

Friday, December 18, 2009

عن الدولة المدنية


الإنسان الفرد هو الوحدة الأولية للجماعة السياسية، وتناول مشاكل الجماعة السياسية المعاصرة يتناول وجود الدولة الحديثة، ولفهم السلوك السياسى للإنسان يلزم التفرقة بين العلم والإيمان.

العلم أسبق فى التناول الفردى من الإيمان، هكذا يتطور العلم من جيل إلى جيل، وهو منهج موضوعى للمعرفة يعتمد على البديهيات العقلية والحواس الغريزية فى تفسير وفهم العالم، تتساوى عنده الفروض مع المصادرات ويقبل مناقشة الجميع، العلم منهج يسمح للفرد البشرى بتخزين المعرفة ونقلها إلى غيره من البشر متجاوزا إمكانيات الأفراد المتباينة بسبب حياتهم فى موطن جغرافى بذاته أو ضمن قبيلة بعينها، هكذا يبقى المنهج العلمى فى المعرفة هو المنهج الأكثر ديمقراطية لتفسير أحداث كل من الماضى والحاضر ولاستشراف المستقبل، هو منهج يحتمل وجود مناهج أخرى للبحث عن المعرفة.

الإيمان منهج ذاتى فردى لتفسير العالم يعتمد على الحدس والمصادرات العقلية، فالإيمان بأن البشر أصلهم نطفة حصان يلزم المؤمن بتفسير الوجود البشرى بناء على مصادرة وجود هذا الحصان، والإيمان بأن آدم أبو البشر يلزم المؤمن بتفسير الوجود البشرى بناء على مصادرة وجود آدم، هكذا تتعدد تفسيرات الوجود بتعدد المصادرات، ويبقى الإيمان كمنهج فردى صالحا فى نظر المؤمنين لتفسير الأحداث فى الماضى والحاضر ولاستشراف المستقبل، والإيمان صالح بقدر ما يحققه من منافع للفرد المؤمن، ولأن الإيمان منهج ذاتى فردى فهو لا يقبل الاعتراف بمنهج الآخر فى المعرفة، حتى ولو قبل الفرد إلى حين فكرة التصالح مع ذلك الآخر، فكل دين هو منهج معرفى ناسخ لغيره من الأديان، هكذا لا يمكن تعميم الدين على جميع البشر كمصدر وحيد لمعرفة الحياة والتعامل معها.

فى عصرنا الحاضر يعيش البشر فى كيانات سياسية يتعاظم حجمها من أسرة إلى عائلة إلى قبيلة إلى دولة، وهناك نظريات مختلفة تفسر وجود الدولة الحديثة، من بينها نظرية ترى أن غريزة حب الإنسان للحياة هى حجر الأساس لوجود الأشكال المتباينة للجماعة السياسية، هذه النظرية لا تقيم وزنا للفصل التعسفى بين حرية الجماعة وبين حرية الفرد، وترى أن دستور الدولة الحديثة هو عمل وضعى يمكن تعديله لصالح الجماعة، كلما أقبلت الجماعة على أمر سياسى جديد.

هكذا يتطلب المنهج العلمى للتقدم البشرى وجود دولة مدنية حديثة لها دستور يكرس للمواطنين حريات الانتقال والاعتقاد والعمل، دون تمييز بينهم بسبب جنس أو لغة أو دين.


Saturday, December 12, 2009

شفت مليونير


أنا مصرى قديم، عشت قبل أربعين سنة فى عصر الجنيه الجبس، ثمن كيلو اللحم نصف جنيه مصرى، والراتب الشهرى للموظف الكبير خمسون جنيها، والمليونير يملك من الجنيهات عشرات كثيرة فوق الخمسين، فى ذلك العصر من ستينات القرن الماضى سمعت بأذنى فى مدرجات الجامعة محاضرة لأستاذ الاقتصاد الدكتور يحيى عويس قال فيها: لو أن مصريا سعيد الحظ تم تعيينه منذ يوم ولادته فى أعلى الدرجات الحكومية غير السياسية، درجة وكيل وزارة، وظل يتقاضى راتب الوظيفة حتى بلوغه سن المعاش عند الستين، وأن هذا السعيد عاش مقطوعا من شجرة غير مدين بالتزامات مالية تجاه أحد، فان مجمل ما يستطيع ادخاره لا يزيد عن عشرة آلاف جنيه مصرى.

كان هذا حديث عالم متخصص فى الزمن الماضى، وبحساب أسعار أيامنا الحالية، فان كلام العلم يقضى أن الفرد المنتج بقدراته الذاتية حسب الأصول الاقتصادية والأخلاقية لا يمكنه أن يدخر طوال حياته العملية أكثر من مليون جنيه مصرى، من يومها وضعت الحسبة حلقة فى أذنى وركبت نهر الحياة أبص على أولاد بلدنا، وأمارس بعض النميمة.

منذ أيام ذهبت إلى ندوة ثقافية تتناول طموحاتنا الصناعية، وأمام مقر الندوة وقفت سيارة سوداء كبيرة، نزل منها مليونير مصرى كبير يبنى لنا مصانعا ويسكب فى أدمغتنا أفكارا، درت فى المكان أغافل بعض العيون ألامس السيارة وأحادث سائقها، أنها سيارة فخمة ضد الرصاص والحسد، فى نهاية الندوة طوح المليونير بيديه واقفا أمام عدسات التلفزيون وبجواره حرسه الشخصى، ليقول أننا دولة صناعية متحضرة يأتيها الخير مع حرية رجال الأعمال، ولا مجال لتدخل للدولة إلا فى أقل القليل، وأن التقدم تحكمه آليات السوق، فحشرت نفسى وسط الزحام مبتعدا عن رائحة فكرة يبثها المليونير تقضى بأن رجال الصناعة وحدهم ملائكة الرحمة بالعباد.

يا لسعدى، أنا مصرى عملت لمدة تزيد على الأربعين عاما، موظفا حكوميا بشهادات جامعية وفوق الجامعية، أرتب أمورى كل شهر لأفلت من دائرة الديون ومع ذلك لم يصبنى حظ الإفلات من العوز، عشت وشفت ولامست مليونيرات مصريين، ولو أن كل أساتذة الاقتصاد والأخلاق فى بلادنا نهضوا من ثباتهم وشافوا أثرياء مصر المحدثين فسيعرف الجميع أن بعض مليونيرات مصر رجال شطار، لا يعيشون عيشة أهلهم ويتبارون فى نهب مصر وإفقار المصريين.

Sunday, November 22, 2009

التعليم الخربان


مئات الألوف من المصريين، ينضمون لسوق العمل بمؤهلات غير جامعية، يعانون من فساد نظام إدارى وثقافى يعطيهم تواضعا فى المرتبات والترقيات والمعاشات والتفاخر الاجتماعى، هكذا أصبح لدى بعضهم رغبة فى الحصول على شهادات جامعية يتجاوزون بها وضعهم السيئ، ومئات أخرى من ألوف المصريين خريجو الثانوية العامة يعانون من ضعف نظام التعليم الثانوى ويطلبون التعليم العالى، هكذا وجدت وزارة التعليم العالى زبائن فى سوق التعليم جاهزين للمتاجرة برغباتهم، فشجعت لنظام التعليم المفتوح، وواقعه انه لا هو بالنظام الكفء ولا هو بالتعليم المحترم، انه نظام مفتوح على الفساد العلمى.

خبراء التعليم المفتوح يخططون له باعتباره إضافة ثقافية ومهنية لنوع من الطلاب لهم ظروفهم الخاصة، لكن عند التنفيذ فى قاعات الدرس يرى رجال التعليم أن سلوك طلاب التعليم المفتوح أبعد عن سلوك طلاب العلم واقرب إلى سلوك شحاذين يطلبون أوراقا مختومة بشهادات تحسن من وجاهتهم الاجتماعية.

فى أول محاضرة ألقيتها على طلاب من التعليم المفتوح، ظهرت الصورة واضحة أمامى، معظمهم شباب وآباء وأمهات وأصحاب بيوت لديهم إمكانياتهم فكرية وثقافية متواضعة، يملكون تصورات إنسانية جميلة عن شهادات علمية يسعون إليها، يتحملون مشقة التعليم فى جو فاسد ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا، إنهم فى قاعات الدرس يبررون كسلهم الطلابى بأعباء مهامهم الوظيفية وقسوة ظروفهم، وفى أعمالهم الوظيفية يبررون كسلهم بأعباء مهامهم الطلابية.

منذ البداية قررت أن أكون أستاذا يحاضر طلاب علم حقيقيين، وحين منعت طالبة أتت متأخرة عن موعد دخول المحاضرة انهارت وبكت، إنها أم وموظفة، وحين لمت طالبا على عدم التزامه بأصول المناقشة العلمية غضب وانزوى، انه يسعى للوجاهة الاجتماعية، ومع الانهيار والغضب ظهرت دلائل خداع وتدليس يمارسه كثير من أساتذة التعليم فى جامعاتنا حين قال بعضهم لى: ارحم طلبة التعليم المفتوح وارحمنا معهم، إنهم مصدر رزق لنا، إنهم مرضى اجتماعيا ومتخلفون ثقافيا، يدفعون نفقات الدراسة كاملة ليشحذوا بها شهادات علمية، وعلينا أن نعطيهم شهادات بأقل جهد ممكن ودون إحراز تفوق.

قضية التعليم المفتوح فى بلادنا تشبه فى كثير من الأمور قضية التعليم الخاص فى مدارس بئر السلم والشقق المفروشة، إنها قضية طلاب علم يتناولون بداية الأمور بحسن نية لكنهم فى النهاية يقعون فى أيدى تجار علم فاسدين.

Sunday, November 08, 2009

لا تفهـمنى خطأ


صاحبى الحزب الحاكم فى بلاد الأهل والجيرة، صاحب الحكومة والناس والكل كليلة، طوال عمرى أفزع من خيال المآتة وعفاريت الغيطان والسواقى الخربة، لكننى أفزع أكثر من بعض المنتمين إليك، يطفئون معظم الأنوار ويظلمون كل الطرق ويحتكون بى كل يوم، هكذا أصبحت أفزع من ظلى، فهذا موظف متواضع حالة أهله ضنك اشتغل فى حكومتك، وحين انتمى إليك بالعضوية أصبح خبيراُ فى اللّجان الاقتصادية، وذاك المدلّس فى انتخابات الجامعة، حين أرهبنا باسمك أصبح مشرفاً على اتحادات الطلاب، وهذا الذى يستبيح الغش فى الامتحان لينجح أولاده، أصبح بتدليسك صاحب قرار فى مؤسسة التعليم، وذلك صاحب شهادة تعليم متوسط، غلبان يحسبها بالسحتوت، هتف باسمك فدخل مجلس الشعب وأمسى جامعيا ومليونيراً وحاجاُ أيضا.

حبيبى الحزب الحاكم، يا صاحب المعالى وسعادة الباشا، فى البداية لا تؤاخذنى إذا استخدمت ألقابا تخلفت من عصر العبيد ويمنعها الدستور، لكنى أمدحك بها وتكتب الآن فى محرراتك وتنطق فى أجهزة إعلامك، ويستخدمها البسطاء وصبية الورش لأغراض أخرى، ما علينا يا باشا، أنت خططت فى مؤتمراتك وتستعد للانتخابات القادمة، وأنا أتمنى أن أدلى بصوتى فى انتخابات نزيهة لمرة واحدة فى العمر، فلترشحنى لوظيفة كبيرة وأنا أعدك بصوتى.

أريد أن أكون رئيس جامعة، أرفت من هيئة التدريس كل من بلغ سن الثلاثين، لتبقى الجامعة شبابا فى عيال، وأمر بنشر شوّايات الذرة أمام كل المدرجات والمعامل، فينشغل الأساتذة بمشاكل جمع الحطب والإعارة والسفارة، ويتمرن الطلاب على مهنة تنفعهم، ويعمى الدخان الجميع فلا يرى أحد ما نفعل، ومن يتكلم فى بلادنا عن العلم، نعلمه التفاخر بالمهاجرين فى بلاد الغربة، وإذا كانت هذه المهنة محجوزة لغيرى، فتكفينى مهنة أن أكون كاتم أسرار أى وزير لديك، عندها سأكون ساعدك الأيمن فى إفشاء أسرار كل الوزراء فيدوم لك أمر البلاد والعباد.

صاحبى الحزب الحاكم، ستصلك وشايات عنى، بأننى أكرهك وأضيق ذرعا بظلمك، وتهربك من الأداء الديمقراطى الاجتماعى فلا تصدق أننى قادر على أن افعل شيئا، فقط أعطنى طموحاتى البسيطة وأنا أعدك بصوتى، وبرغم أننى لا أملك بطاقة انتخابية، إلا انك طوال الوقت تجعل بطاقة تزوير ما تجوب باسمى كل لجان الانتخابات، وتسجل كل لجنة أنك تملك صوتى، حيا وميتا.

Friday, October 30, 2009

النقاب إهانة عقلية



بصفة عامة، أنا ممن لا يؤيدون ارتداء المرأة لزى النقاب، حجتى فى ذلك حجة عقلية، فالأزياء التى تجعل من المرأة مجرد خيمة سوداء متحركة إنما هى أزياء تمثل إهانة عقلية للمرأة وللرجل على السواء، أقول إهانة عقلية قاصدا أن لا يصادر احدهم على حديثى بالقول بأن النقاب أمر دينى، ذلك بأن طبيعة الدين إيمان قلبى وليس فهما عقليا، لذلك فأنا أرفض وجود النقاب بين طالبات الجامعة، تماما مثلما أرفض العرى بينهن، فالنقاب والعرى يمثلان شذوذا سلوكيا وفكريا يحول دون حرية العقل وحياده فى تناول قضايا البحث العلمى.

خلال الأيام الماضية صدر قرار حضارى من وزير التعليم العالى بمنع المنتقبات من دخول الحرم الجامعى، ومع ذلك عند دخولى قاعات الدرس بالجامعة رأيت طالبات منتقبات يجلسن أمامى، أمام هذا الإصرار على عدم تنفيذ هذا القرار، أتصور أن ما حدث هو وصول تعليمات صريحة إلى إدارة الأمن فى الجامعة بمنع دخول المنتقبات، وحين هبطت هذه التعليمات من مستوى القيادة إلى مستوى التنفيذ تم خلطها بالعقلية الحكومية السائدة فى نظامنا البيروقراطى العسكرى، قيادات كبيرة تضع قرارات دون النظر فى إمكانية تنفيذها، وقيادات وسطى تسعى لتسديد الخانات دون فعل حقيقى، وقيادات تنفيذية تنقصها ثقافة النقاش المتحضر، هكذا تحول قرار منع المنتقبات إلى استهلاك إعلامى ساذج، لا الطالبات التزمن بالتنفيذ ولا وزارة التعليم العالى توقفت عن تأييد القرار.

إن رفض الشارع العام لتنفيذ كثير من القرارات الحكومية يرجع لسببن رئيسين: الأول أن الحكومة دربت المواطنين على عدم المصداقية حين تصدر كثيرا من القرارات يشتم منها رائحة الخدمة الشخصية لشخص أو مجموعة دون نظر للمطالب الموضوعية للأغلبية، أما السبب الثانى فيرجع لخلو الساحة من فكر ناضج علميا يصارع فكرا غير حضارى يتفشى بين المصريين ويمارسون به ازدواجية سلوكية مقيتة، فرجال أمن الجامعة يتسقون مع أنفسهم حين يغضون الطرف عن دخول المنتقبات إلى الجامعة ذلك بأن الكثيرين منهم يرى فى ذلك اتساقا دينيا يرتضونه ثقافيا ويرون فيه رفضا نفسيا لسلطة قاهرة عليهم، فى حين أنهم يمارسون الازدواج السلوكى حين يتعلق الأمر برشوة أو اجر إضافى غير مبرر، إنهم موظفو حكومة عاجزة فكريا لا تملك مشرعا حضاريا للتقدم، وعاجزة ماديا عن تحقيق مصداقية قراراتها.

Friday, October 16, 2009

الأحزاب داخل الجامعات


يبدأ كل عام دراسى فينضم عشرات الآلاف من طلاب الثانوى إلى مئات الآلاف من طلاب الجامعة، وطلاب الثانوى فى بلادنا شياطين صغار، تعلموا القفز فوق سور المدرسة وشراء شهادات مرضية تسمح لهم بالغياب عن الفصول والانضمام إلى علب الدروس الخصوصية، لم يتعلم معظمهم فضل العلم والثقافة داخل الفصول المدرسية، إنهم يحملون ثقافة مجتمع بليد متسيب، هؤلاء المغلوبون على أمرهم ينضمون إلى بيئتنا الجامعية المعاصرة، المتواضعة ثقافيا بفعل المسئولين عن جامعاتنا، فكثير من المسئولين يسعون لأن تبقى جامعاتنا مرتعا لهامشية الوعى وضياع الانتماء، هكذا ينتهى كل عام دراسى بتخريج المزيد من البشر الهامشيين في مصرنا المحروسة.

وترجع هامشية الوعى الثقافي بين طلاب الجامعات للأسباب الآتية:

أولا: عدم التواجد الحزبى فى الجامعة، بحجة أن الجامعة لا دخل لها بالسياسة، ومن ثم ينقسم الطلاب إلى جموع ينهبها الفراغ الفكرى، قليل منهم ينضم إلى أحزاب تعمل فى الظلام، وأقل القليل ينضم إلى نعاج السلطة يتلقون الرشاوى المختلفة من ميزانية الجامعة كى يبقون فى القطيع.

ثانيا: اللوائح الإدارية التى تحكم العمل الثقافى تضم عشرات من القوانين والتعليمات المعلنة والسرية، جعلت أهل الثقة يحتلون معظم المراكز القيادية، ينفذون أوامر السلطة دون مناقشة، ويتم تنحية أصحاب الكفاءة بعيدا عن صناعة القرار، ويغلب أن يتولى مسئولية النشاط الثقافى فى الكليات من لا يقرأ الأدب ولا يفهم السياسة ولا يذهب إلى المسرح.

ثالثا: القضايا الحيوية مثل الديمقراطية والنمو الاقتصادى وتحرير الفكر والتقدم الحضارى، لا تطرح للنقاش علي المستوي العلني داخل مدرجات الجامعة، فالنظم الإدارية تحول دون مشاركة الطلاب والعاملين فى نقاش موضوعى، هكذا ينسحب الكثير ممن لديهم المقدرة علي الإفادة تاركين الساحة لأنصاف المثقفين وبقايا البشر ممن تحترف النفاق للجميع.
إن العمل الثقافى في الجامعات المصرية مجال تلعب فيه الأجهزة الإدارية دور مصارع وحيد يتولى الحكم علي جدوى الثقافة والمثقفين، ولأن كثيرا من قياداتنا الجامعية يسيئون الفهم السياسى لدور الثقافة، هكذا تسرى على طلابنا الجامعيين حالة عامة من الجبن السياسى والانكفاء على الذات، ولا مخرج من هذا التردى غير تشجيع الأحزاب على العمل داخل الجامعات.

Saturday, September 26, 2009

كبسولة فى التوقيع الإلكترونى


أهمية التوقيع الالكترونى

التوقيع الالكتروني ضرورة ملحة فرضتها آليات العصر فى المعاملات الدولية والمحلية عبر شبكة الإنترنت، وما تتطلبها من سرعة الأداء وإنهاء المعاملات بين الإطراف المختلفة خلال وقت قصير في سهولة ويسر، بما يتمشى مع اتفاقيات التجارة العالمية التي توجب علي إطرافها سرعة إنهاء المعاملات التجارية الدولية وإلا تعرضت لتوقيع العقوبات عليها.

تعريف التوقيع الالكترونى

يعرف التوقيع الإلكتروني بأنه ما يوضع على محرر إلكتروني ، شريحة إلكترونية، ويتخذ شكل حروف أو أرقام أو رموز أو إشارات أو غيرها ويكون له طابع متميز ومنفرد يسمح بتحديد شخص الموقع ويميزه عن غيره.

ماهية التوقيع الإلكترونى

التوقيع الإلكتروني هو نظام تشفير الكترونى يعتمد على مفتاح خاص ومفتاح عام، وتنشأ المفاتيح بواسطة عمليات حسابية خاصة تضمن السرية.

المفتاح الخاص عبارة عن أداة إلكترونية خاصة بصاحبها، ويستخدم فى وضع التوقيع الإلكتروني على المحررات الإلكترونية ويتم الاحتفاظ به على بطاقة ذكية مؤمنة، وهو مثل البصمة لا يتكرر مع أي شخص آخر، والبطاقة الذكية عبارة عن وسيط إلكتروني مؤمن يستخدم فى عملية إنشاء وتثبيت التوقيع الإلكتروني على المحرر الإلكتروني وتحتوى على شريحة إلكترونية بها معالج إلكتروني وعناصر تخزين وبرمجيات للتشغيل.

والمفتاح العام عبارة عن أداة الكترونية توضع لدى شخص مستقبل الرسالة نفسه، ويتم إصداره من الجهة المصدرة للتوقيع الإلكتروني، ويستخدم المفتاح فى التحقق من شخصية الموقع على المحرر الإلكتروني والتأكد من صحة وسلامة محتوى المحرر الإلكتروني الأصلي.

خطوات التوقيع الالكترونى

يقوم مرسل الرسالة الالكترونية بكتابة الرسالة والتوقيع عليها إلكترونيا باستخدامه مفتاحه الخاص، ثم يخضعها للتشفير من خلال برنامج خاص فى الحاسب الآلى فتتحول الرسالة المكتوبة إلى رسالة رقمية، وبالتالي يكون الشخص قد وقع على رسالته كما يوقع ماديا فى المحررات الورقية العادية، ولكى يتمكن مستلم الرسالة من قراءتها يتعين علي المستلم أن يفك شفرتها باستخدام المفتاح العام الذى يرسل إلى مستلم الرسالة من خلال جهة محايدة موثوق بها تقوم بدور الوسيط بين المرسل والمرسل إليه.

الفرق بين التوقيع العادى والتوقيع الإلكتروني أن التوقيع العادي عبارة عن رسم يقوم به الشخص بمعنى انه فن وليس علم ومن هنا يسهل تزويره، أما التوقيع الإلكتروني فهو علم وليس فن ويصعب تزويره.

أهم تطبيقات التوقيع الإلكترونى

المعاملات التجارية الإلكترونية وتشمل المعاملات ذات الطابع التجارى مثل البيوع والتصرفات القانونية التجارية وعقود الاستيراد والتصدير وحجز تذاكر السفر والفنادق والمعاملات المصرفية، هذه المعاملات تتم فى شكل محررات إلكترونية موقع عليها توقيعا إلكترونيا.

المعاملات المدنية الإلكترونية، وتشمل كل معاملة إلكترونية تخرج عن مفهوم المعاملات التجارية.
الحكومة الإلكترونية، وتشمل كافة المعاملات الإدارية الحكومية وخدمات المواطنين بشكل عام، مثل التصاريح المختلفة والخدمات التى تقدمها الجمارك والضرائب ومصلحة الأحوال المدنية.

مزايا استخدام التوقيع الإلكتروني

يؤدى التوقيع الإلكتروني إلى رفع مستوى الأمن والخصوصية بالنسبة للمتعاملين على شبكة الإنترنت خاصة فى مجال التجارة الإلكترونية.

إمكانية تحديد هوية المرسل والمستقبل إلكترونيا والتأكد من مصداقية الأشخاص والمعلومات .
يساعد التوقيع الإلكتروني المؤسسات على حماية نفسها من عمليات التزييف وتزوير التوقيعات.
يسمح التوقيع الإلكتروني بعقد الصفقات عن بعد ودون حضور المتعاقدين وهو بذلك يساعد فى تنمية وضمان التجارة الإلكترونية.

أنواع التوقيع الإلكتروني

توجد أنواع كثيرة من التوقيع الكترونى منها

1- التوقيع الرقمى أو الكودى
هو عدة أرقام يتم تركيبها لتكون فى النهاية كودا يتم التوقيع به، ويستخدم هذا فى التعاملات البنكية والمراسلات الإلكترونية التى تتم بين التجار أو بين الشركات وبعضها، ومثال لذلك بطاقة الائتمان التى تحتوى على رقم سرى لا يعرفه سوى العميل.

2- التوقيع الشخصى
يقوم على أساس التحقق من شخصية المتعامل بالاعتماد على الصفات الجسمانية للأفراد مثل البصمة الشخصية، مسح العين البشرية، التعرف على الوجه البشرى، خواص اليد البشرية، التحقق من نبرة الصوت، والتوقيع الشخصى، ويتم التأكد من شخصية المتعامل عن طريق إدخال المعلومات للحاسب أو الوسائل الحديثة مثل التقاط صورة دقيقة لعين المستخدم أو صوته أو يده ويتم تخزينها بطريقة مشفرة فى ذاكرة الحاسب ليقوم بعد ذلك بالمطابقة، ويعترى هذا النظام العديد من المشاكل منها أن صورة التوقيع يتم وضعها على القرص الصلب للحاسب ومن ثم يمكن مهاجمتها أو نسخها بواسطة الطرق المستخدمة فى القرصنة الإلكترونية.

3- التوقيع بالقلم الإلكتروني
هنا يقوم مرسل الرسالة بكتابة توقيعه الشخصى باستخدام قلم إلكتروني خاص على شاشة الحاسب الآلى عن طريق برنامج معين ويقوم هذا البرنامج بالتقاط التوقيع والتحقق من صحته، ويحتاج هذا النظام إلى جهاز حاسب آلى بمواصفات خاصة ويستخدم هذا التوقيع للتحقق من الشخصية، وهذا النوع أفضل من التوقيع اليدوى والذى يتم على شاشة جهاز الكمبيوتر أو على لوحة خاصة معدة لذلك باستعمال قلم خاص عند ظهور المحرر الإلكتروني على الشاشة ، وهذا النوع لا يتمتع بدرجة عالية من الأمان ولا يتضمن حجية قانونية فى الإثبات.

وبذلك يتضح أن التوقيع الإلكتروني هو عبارة عن إجراء يقوم به المرسل بحيث يتم ربط هويته بالوثيقة الموقع عليها، وبحيث يمكن لمستلم الوثيقة التحقق من صحة التوقيع، ولا يعني التوقيع الإلكتروني الإمضاء المعروف الذي يتم غالباً على الورق. بل إنه مجرد نص قصير يضاف إلى أول الوثيقة أو آخرها. أو أن يكون مفصولاً عنها تماماً. كأن يرسل في ملف مستقل.

يختلف التوقيع الإلكتروني عن التوقيع على الورق في أنه يؤكد هوية المرسل بشكل قاطع، ويمنع حدوث أي تغيير أو عبث في الوثيقة الموقع عليها، وذلك بشرط أن تتم العملية بكاملها حسب قواعد وأسس البنية التحتية من آلات وبرامج لإعداد المفاتيح العامة، أو ما يعادلها من تقنيات أخرى.

التوقيع الالكتروني وحجيته القانونية

التوقيع الالكتروني المعمول به قانونا في مصر تم ابتكاره عام 1975 وهو توقيع من النوع ذو المفتاحين العام والخاص، بحيث يسمح لكل شخص طبيعي أو معنوي بأن يكون لديه مفتاحين منفردين للتشفير احديهما عام متاح للكافة يستخدم من التحقق من شخصية الموقع علي المحرر الالكتروني والتأكد من مطابقته للمحرر الأصلي، والأخر خاص يجب أن يحتفظ به الموقع علي درجة كبيرة من السرية ويستخدم لوضع التوقيع الالكتروني علي المحررات الالكترونية ويتم الاحتفاظ به علي بطاقة ذكية تعمل ضمن منظومة تسمح بتحديد شخص الموقع وتميزه عن غيره.

صدر أول قانون للتوقيع الالكتروني في أمريكا في الأول من أكتوبر عام 2000م ولم تتأخر مصر كثيرا عن إصدار قانونا بهذا الخصوص حيث صدر أول قانون لتنظيم التوقيع لاكتروني في مصر في 22 ابريل عام 2004، وهو القانون 15 لعام 2004م بتنظيم التوقيع الالكتروني وبإنشاء هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات، وتبعه صدور لائحته التنفيذية في 15 مايو 2005م بالقرار الوزاري رقم 109 لعام 2005م.

وعلي الرغم من صدور التشريع المنظم للتوقيع الالكتروني فى مصر،إلا ان التوقيع الالكترونى مازال معطلا تقنيا حيث أن الجهات المرخص لها بإصدار التوقيع الالكتروني لم تكمل بنيتها التحتية، ومازال الحصول التوقيع الالكترونى مقتصرا على مصادر أجنبية مختصة بإصدار التوقيع الالكتروني وشهادات التصديق الالكتروني ويتم اعتمادها من هيئة تنمية وصناعة تكنولوجيا المعلومات وهي الهيئة المهيمنة على كل ما يتعلق بالتوقيع الالكتروني من النواحي الفنية قانونا، حيث تعتبر سلطة التصديق الالكتروني العليا في مصر كما تعتبر جهة الخبرة الوحيدة أمام المحاكم في هذا الخصوص ويشترط لاعتماد الجهات الأجنبية أن تستوفى مجموعة من الشروط الفنية والتقنية القانونية، من بينها أن يكون لها وكيل بمصر مرخص له بإصدار شهادات تصديق، وأن يكون مرخصا لها بإصدار شهادات فى بلدها، وأن تكون من ضمن الجهات التي وافقت عليها مصر بموجب اتفاقية دولية.

يتم التوقيع الكترونيا علي المحرر الالكتروني عن طريق منظومة تتكون من مجموعة عناصر مترابطة و متكاملة تحتوي علي وسيط الكتروني مثل البطاقة الذكية وجهاز الكتروني خاص يوصل بالحاسب الآلى يستخدم لإدخال وإخراج المعلومات من البطاقة الذكية وبرامج حاسب آلي، وجميعهم يتم الحصول عليهم من الجهة المرخص لها بإصدار التوقيع الالكتروني، وبواسطة هذه المنظومة يتم التوقيع الكترونيا علي المحرر الالكتروني والحصول علي شهادة التصديق وتثبيتهم جميعا على دعامة الكترونية والاحتفاظ بها كمستند قانوني له الحجية الإثبات القانونى فى المواد المدنية والتجارية والإدارية.

تتلخص الآلية المطلوبة للتوقيع الكترونى فى وضع التوقيع على المحرر الالكتروني من قبل الموقع، وإرساله عبر وسيلة نقل الكترونية، واستلام المحرر الالكتروني الموقع الكترونيا من قبل المرسل إليه، والتأكد من هوية المرسل وصلاحية المحرر الالكترونى عبر وسيط محايد ومرخص له، وعدم العبث بمحتوى الرسالة، والحصول علي شهادات التصديق.

التوقيع الالكترونى يتعرض إلى موضوعين هما الحكومة الالكترونية، والجريمة الالكترونية

الحكومة الإلكترونية

مصطلح الحكومة الإلكترونية يشير إلي العمليات والهياكل التي تعتمد تكنولوجيا المعلومات وتتفق مع إمداد الخدمات الإلكترونية للمواطنين ومؤسسات الأعمال علي حد سواء، كما يشير مصطلح الديمقراطية الإلكترونية للعمليات والهياكل التي تشتمل علي كل نماذج التفاعل بين الحكومة والمواطنين ومنظمات الأعمال بحيث تضيف قيمة حقيقية مضافة يشعر بها المنتفعون منها.

تمثل الشفافية أسلوبا جديدا للتعامل في حل المشكلات التي تواجه مسار إمداد المعلومات والخدمات الحكومية لجمهور المستفيدين.
لذلك فإن الحكومة الإلكترونية تتطلب قيادة سياسية وإدارية قوية تلتزم علنا بدعم الجهود التي تؤدي للتحول نحو الحكومة الإلكترونية من خلال توفير الوقت والجهد والمال والموارد والمناخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي الذي يسهم في إطلاق قدرات القوي العاملة الإبداعية والخلاقة.

الجريمة الالكترونية

والجريمة هي كل فعل ضار يمس بمصلحة محمية قانونا, وتختلف الجريمة باختلاف المكان والزمان وظروف المجتمع، والجريمة الالكترونية تتخذ صورا متعددة مثل جرائم التزوير، والاعتداء علي الملكية الفكرية، وأمن المعلومات، والاستخدام غير المشروع لبطاقات الائتمان، وانتهاك ماكينات الحاسب الآلية.

من اجل مواجهة الجريمة الالكترونية أصدر المشرع المصري القانونين 42 و43 لسنة 1994م ثم أعقبهما بالقانون رقم 15 لسنة2004م بإنشاء هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات والتي تهدف إلي رعاية المصالح المشتركة لأنشطة تكنولوجيا المعلومات، ومن أهم ما جاء به هذا القانون ما جاءت به المواد23 و24 حيث نصت علي عقوبة الحبس والغرامة التي لا تقل عن عشرة ألاف جنية ولا تجاوز مائة ألف جنيه أو بأحدي هاتين العقوبتين علي من أتلف أو عيب توقيعا أو وسيطا أو محررا الكترونيا, أو زور شيئا من ذلك بطريق الاصطناع أو التعديل أو التحوير كذلك من يستعمل محرر الكتروني مزور مع علمه بذلك وعلي كل من يخترق وسيطا أو يعطله عن أداء وظيفته.