Sunday, August 09, 2009

الرأى رأيكم

ما رأيكم، دام فضلكم
فى
خطاب مفتوح لرئيس الجمهورية

إخوانى وأخواتى:

أنا الآن أفكر فى كتابة خطاب مفتوح لرئيس جمهورية مصر العربية، أقول فيه:
أنا مواطن مصرى، بناء على حاجتى الشخصية وبناء على إعلانات تجارية مسموح بها فى مصر، ومنذ أسابيع قليلة، اشتريت من حر مالى موقد بوتاجاز جديد من شركة مصرية كبيرة، ومع البوتاجاز شهادة ضمان ضد عيوب الصناعة لمدة سنه، عند استخدام البوتاجاز ظهر به ثلاث عيوب فنية واضحة، أخطرها عيب الشواية، قامت زوجتى بالاستخدام العادى للبوتاجاز وضعت دجاجة صغيرة فى الشواية وأشعلت نار الشواية وأغلقت باب الفرن، بعد فترة مناسبة فتحت زوجتى باب الفرن فوجدت الشواية مطفأة فحاولت إشعالها من جديد فهبت النار فى وجهها، وتكرر ذلك مرتين فتوقفنا عن استخدام الشواية، وعلى الفور قمت بالأتى:

- اتصلت بالشركة فماطلت فى الإصلاح أو الاستبدال ببوتاجاز جديد.
- كتبت شكوى صحفية، وكتبت أيضا مقالا صحفيا حول الموضوع.
- تدخل جهاز حماية المستهلك واتصل بى ووعدنى بالاتصال بالشركة.
- مرت ثلاث أسابيع على بداية الاتصالات ولم يتغير الوضع، مازال البوتاجاز فى منزلى، ومازال البوتاجاز فى فترة الضمان، وما زال البوتاجاز يهددنا بالمخاطر.
هكذا أجد نفسى مستهلكا مصريا لبضائع مصرية أواجه الوقائع الآتية:

- الشركة المنتجة غير صادقة فى أدائها الصناعى والتجارى، ومازالت تعلن عن منتجاتها لمستهلكين جدد.
- جهاز حماية المستهلك ليس له سلطات حقيقة تكفل حماية المستهلك.
- أنا كمستهلك عادى أعانى من إهدار حقوقى وضياع وقتى ومالى.

هكذا أفكر فى كتابة خطاب مفتوح لرئيس الجمهورية، قاصدا أن ينصفنى وينصف آلافا غيرى ممن يتعرضون للتدليس والغش التجارى.
ملحوظة: حتى الآن لم اذكر اسم الشركة هنا ولم أذكر مواصفات الجهاز، قاصدا أن أترك فرصة للشركة كى تراجع موقفها.

هكذا إخوانى وأخواتى ما رأيكم دام فضلكم:
هل توافقون على أن أكتب مثل هذا الخطاب؟
أم تفضلون أن أتناسى الموضوع وأفكر فى شراء بوتاجاز جديد؟ وعندها لا تسألونى من أين وكيف سأدفع الثمن؟.
أفيدونى، الله لا يرميكم فى ضيقة، فأنا مستهلك يحاول أن يطالب بحقه.
أخوكم
د. ياسر العدل

Wednesday, August 05, 2009

أحلم بالراحة

أسباب كثيرة يا حضرات المستهلكين تدفعكم لشراء موقد بوتاجاز جديد، أن يكون جهازكم القديم مضروبا بالصدأ، وأن تناوروا بمرتبات الحكومة وتدخلوا فى جمعيات وديون، وأن تتعرضوا لإعلانات مغرية، كل هذا حدث معى، فقررت شراء بوتاجاز جديد من شركة كبيرة ذات فروع، إدارتها فى قلب مدينة نصر، إعلاناتها تعرض الراحة والتكنولوجيا للعملاء، وحين التنفيذ ظهرت الشركة بصدد ارتكاب جريمة إنسانية واضحة المعالم، فى الجانى والمجنى عليه وأدوات الجريمة.

بدأت الواقعة يا حضرات حين اشتريت منذ أسابيع بوتاجاز جديد من الشركة المذكورة، دفعت ثمنه من دم قلبى، أخذت البوتاجاز الجديد ومعه شهادة ضمان لمدة سنة، اشتغل البوتاجاز أعمالا بسيطة أياما وأيام فطعامنا وشرابنا بسيط، حين أصابنا ثراء مفاجئ اشترينا دجاجة خالية من أنفلونزا الطيور، ذبحناها وحشوناها وكتفناها وأدخلناها فى فرن البوتاجاز، وأشتغل الفرن، وحين قررت زوجتى اختبار الوليمة فتحت الفرن فهبت النار فى وجهها، ربنا ستر، قليل من الشعر المحروق وسخونة فى الوجه مع تهديدى بالخلع، على الفور اتصلنا بالشركة، فزارنا خبير فى اكتشاف العيوب، البوتاجاز به ثلاثة أعطال بسيطة، عطل حساس الفرن هو سبب هبة النار، سيأتيكم خبير للتصليح، فى اليوم الثانى أتى الخبير فأصلح عطلا غير عطل الفرن ووعدنا بالعودة فى اليوم التالى للإصلاح الكامل، مر يومان ولم يأتنا أحد، عاودنا الاتصال بالشركة فأخبرنا خبير ثالث أنهم قرروا أخذ البوتاجاز لإصلاحه فى مقر الشركة، رفضت إعطائهم البوتاجاز، وكتبت هذا البلاغ.

حضرات المستهلكين، المجنى عليه أمامكم، زوجتى وآخرون ممن يستخدمون البوتاجاز الجديد من الشركة الكبيرة معرضون لانفجار البوتاجاز فيحترقون، وتتعرض حكومتنا الرشيدة للاستقالة، وأمامكم أدوات الجريمة، البوتاجاز الجديد قائم بعيوبه فى منزلى، ومازال فى فترة الضمان.

حضرات المستهلكين، الشركة الكبيرة هى الجانى، تبيعنا أجهزة به عيوبا فنية خطيرة، وتخدعنا بإعلانات كاذبة عن الضمان، وترسل بفنيين عاجزين عن التصرف، وتطلب سحب الجهاز الجديد لإصلاحه دون أن تأتى للعميل ببديل يستخدمه خلال أيام من الشيل والحط والصيانة.

حضرات المستهلكين، اتصلت اليوم تلفونيا بإدارة الشركة قاصدا الراحة، فسمعت صوتا يقول (مين فينا مبيحلمش بالراحة)، وحين عاودت الاتصال أجابنى صوت جميل، جميع الخطوط مشغولة.

Saturday, July 25, 2009

الفاضل مستجاب


من طين الأرض خرج المصريون، يعيشون بين النخيل والصحراء والحقول ومقابر الأولياء وأديرة الرهبان، بعضهم اختار أن يسكن روح مصريته بين هامات الشجر والجبل الغربى ونصوص الأهرامات وعمال التراحيل وأثار المبدعين، ساعيا أن يعيش مصريا فاضلا وأن يموت شامخا على قارعة الوطن، وقليل منهم سطى عليه فكر بداوة جاهلية متخلفة، فأصبح عبدا لا يقيم وزنا للأحرار المبدعين.

من طين مصر وفى ديروط الشريف بصعيد مصر، نبت الأديب محمد مستجاب، طفلا فقيرا يلعب على حواف الترع ولا يكمل تعليما نظاميا، شابا فقيرا يصوغ الشكاوى على أوراق فى مكتب محام بأسوان، عاملا فقيرا يصيبه الدرن من تراب المحاجر فى بناء السد العالى، وأصبح كاتبا مبدعا يجمع أشلاء تخلفنا الاجتماعى متناثرة تحت المياه الأسنة فى قصته (كوبرى البغيلى)، ويمسك بأعمدة بنائنا الثقافى الفقيرة فى قصته (التاريخ السرى لنعمان عبد الحافظ)، ويلمس نهايات حزينة لوجودنا الحضارى، نستجدى طعامنا ونبيع أثداء الوطن للغرباء فى قصته (عباد الشمس).

كان مستجاب أديبا يكتب عن أهل مصر، يكتب بشفافية المفكر وجرأة المبدع وسخرية الحكيم، يرى أن مصر هى إيزيس الأسطورة، تسعى لجمع أشلاء حبيبها المنثورة فى أرجاء الوطن قاصدة أن يقيل الحبيب عثرتها، وحين تنجح فى تجميع أشلاء تكتشف أنها ليست للحبيب الموعود فتعاود البحث والشقاء من جديد، هكذا نادى مستجاب بأن الفاضل الوحيد هو طفل يحب الحياة ويؤمن بأن قلوب البشر المبدعين أكثر تسامحا مع كل ضعف بشرى.

فى هذه الأيام مرت الذكرى السنوية الثالثة لرحيل الأديب محمد مستجاب، عاش عصاميا سبعا وستين سنة (1938- 2005م)، سعى أن يكون فاضلا جميلا، ومات فقيرا، وبعد شهور منحته مصر جائزة الدولة التقديرية فى الآداب، وتحققت لمصر بشارة كتبها مستجاب عن نفسه فى مقدمة مجموعته القصصية المسماة قيام وانهيار آل مستجاب ( ويكون لك ولد ذكر من صلبك، تضيع عينه اليمنى جهلا واليسرى ثقافة، يكون رءوما قلقا جامحا، جامعا لصفات الكلاب والعصافير والحنظل والحشرات والأنبياء والأبقار، يداهمكم بقصصه القصيرة، حتى يقضى نحبه مجللا بآيات الفخار فى العراء على قارعة الوطن).

آه يا مصر، تنجبين عظماء فى كل علم وفن، وتتركينهم نهبا لطيور ظلام جارحة، باسمك يا أم الغلابة، أسأل الله رحمته ومغفرته لأصيل من أبنائك، أقصد ذلك الفاضل محمد مستجاب.

Friday, July 24, 2009

مداعبات افتراضية


فيما يلى إحدى وخمسون عبارة انتقيتها من بين سبع وستين عبارة وضعتها على صفحتى بالفيسبوك على مدى شهرين، من 22 مايو إلى 23 يوليو 2009م، تمثل نسبة 76% من كل عباراتى المكتوبة على الصفحة، هى عبارات أسعى بها لمداعبة نفسى وغواية مزاجى الخاص، كتبتها أثناء تواصلى مع عالم الفيسبوك الإفتراضى، تتمحور حول ما استطيع المشاركة به فى النشاط العام لأهل الفيسبوك دون الدخول فى حرج كبير، حرج من سياسات حكم عشوائية ومن تدين مصطنع ومن جنس فاضح.

العبارات حسب تاريخ كتابتها أخذت النصوص التالية:

1- أعلن محبتى للسلطة، دون تشكيل أو تشديد أو تسكين.

2- الصراحة بتطفش ناس كتير ، يعنى الصراحة راحة.

3- لابس نهارى، وخالع ليلى، والدنيا تساهيل.

4- آه يا شيخه، أنا مفروس منك، لسه بتقولى لا؟.

5- ليه أنا مشغول بحال الناس، وسايب للعزول حالى.

6- كبر دماغك يا أخى، واضرب طبق فول.

7- الحمد لله، تخلصت منها بحرفية عالية، ضربة مقشة واحدة.

8- يا رب، ولا يكتر عليك، صابع عسلية بالسمسم.

9- قلت للطبيب: أنا مريض، فقال لى: حل عن نافوخى، هو أنا ناقص مرض.

10- شوية شوية، وهتجينى يا زهر، والكون يتملا بعطرك.

11- وبعت لها جواب، نتقابل فى نص الطريق، قالت: أنا مش ليبرالية.

12- ابعد يا شيطان، ابعد يا شيطان، مياصة بنات.

13- وقال لى بكره أنا مسافر، سألت الشمس تستنى.

14- يا رب أنا شبعت من الغفر، والتخان، والهبل، نفسى أتعجرم على قديمه.

15- بقالى 28 سنة مطول بالى، لا هو خلع، ولا هى رضيت.

16- واحد قال لى: هو يعنى لازم قلة الأدب، قلت له: هما خلُفوك ازاى.

17- الأصدقاء، كل واحد فيهم شايل طاجن سته على دماغ الباقى.

18- عود طيب، وكوكب درى، وشموع صغيرة، وعبارات رقيقة، انه الهشيم.

19- أخيرا، الحبيب الحبيب، علينا رضى ، ترلم ترلم.

20- يا خرابى ، يا خراشى ، يا لهوى، جتك ايه، ضحكتنى.

21- قلت لها: إتاخرتى ليه؟ قالت : كنت بربى إخواتى.

22- ابذل مجهودا ضخما كى اكتب مقالا، المصيبة أن الكلام خلص.

23- يا رب، النهارده الخميس، أم كلثوم ماتت، والحشيش غالى، افرجها من عندك.

24- آخر الكلام ، سأبقى ساهراً، أهرش قفاى والبتاع.

25- من قال: إن العرب جرب، كان يعنى الأغلبية.

26- شوفتوا الناس الفيس، واحد لا بس بدلة من غير كلسون، والتانى أمه ولدته من غير دم نفاس، والثالثة تخينة وحاطه صورة قطة، والرابع لص كلاب بينادى بالثورة، والخامسة قرشانه بتغنج، وواحد مندوب عن ربنا شخصيا، آه يا أولاد الزيف.

27- يا رب لم تركتنى، أريد جبنه قديمة ورغيف ناشف وخيارتين، ومنصب نائب الرئيس.

28- معالجة الأخطاء متعة، حزين أنا، ارتكبت اليوم ثلاثة أخطاء فقط.

29- ظل يهيم بها عشقا، وافترقا، فى الشهور التالية بدأت أهيم بها عشقا، والتقينا، فى لحظة كشف قال لى: انت ذوقك واطى.

30- أصبح لدى كثير من المعارف على الفيسبوك، سأبدأ اختيار الأصدقاء.

31- كان لصا وقاتلا يخوض فى الأعراض، فقررت قريتنا قتله، بعد أن عاد من سفرة إلى الديار المقدسة أهدى لكبير قريتنا زجاجة ماء ومسبحة، فقررت القرية قتل رجل آخر.

32- فى وقت موعود ابتسمت فى وجه زوجها فقال حازما: ابعد يا شيطان .. ابعد يا شيطان.

33- ابتسمت لى، فزادت جمالا، فقلت لها: الله يخرب بيتك، جايبه الحلاوة دى منين.

34- لماذا لا تتوقف الجميلات عندى؟ هو أنا كخه ياى ، وإلا مش قادر باى.

35- الدنيا حر، لست بحاجة إلى من يرتدون ربطات العنق.

36- قالت والخبث بعينيها: لم لا تحكى عنا، قلت: يا سماء، أعطنى رشوة بالغة.

37- قابلتها بابتسامة هادئة: أهلا يا آنسه، ردت على بضحكة صاخبة: أنا متزوجة عرفى.

38- وحين طوانا ظل الشجرة سألتها: اتأخرتى ليه قالت: أخويا زملكاوى.

39- أنا عيانه، ألف بعيد الشر عليكى، أنا هموت، متقوليش كده ربنا يطول فى عمرك، انا عيانه، ربنا يشفيكى وتبقى زى الحصان، أنا عيانه، يا شيخه غورى، هو أنا ناقصك.

40- الحرَم حرَم، والحرَمين حرَمين، أنا بقى خادم الثلاثة وملك الأربعة، وإيييييييه.

41- يا اسطى، أنت تصر على أن عملك الأدبى عظيم، فلماذا تصر على أن أحضر مناقشته؟.

42- الجنة قريبة جدا: فى ليل القاهرة، كرسين بلاستيك على كوبرى المنيب مع ترمس وحلبة.

43- بدأت إضافة أصدقاء عرب، قاصدا وبكل خبث، التعرف على ملامح حية فى الثقافة العربية.

44- إلى بعض أنواع الكلاب: أنا لا أسعى للتعامل مع السذج أو المندوبين عن السماء، ابتعدوا قليلا.

45- كنت سأزداد توحشا ورجولة لأقتص حقوقى من كل النساء، لو أنى تدربت على يد حماتنا الجميلة، مارى منيب، الله يرحمها.

46- يا إخوانا فيه واحدة اسمها جيهان، عندها عقدة الخواجة، اعمل لها إيه؟.

47- أصبحت هادئا، أجلس ساعات طويلة، صامتا، أكتب فقط، وحين اكتشفت زوجتى انه الفيسبوك، قررت أن تشترى لى فيسبوك إضافى.

48- أخوتى فى الفيسبوك: ابتسموا بصدق، تضحكوا بقوة، فتهتزوا وينفك رباط البامبرز.

49- قلت للجميلة: انت جميلة، فقالت: بس انت عجوز، ماذا كانت تقصد بالضبط؟.

50- أكد الطبيب أنها ستموت بعد ساعات، لم نصدقه واتجهنا بالدعاء لها بطول العمر مائة عام، كانت دعواتنا صادقة والسماء تستجيب، ماتت بعد يومين ونصف اليوم فقط، هل كانت دعواتنا شرعية؟.

51- الجميلات لا يركبن السيارات، سجع سخيف، الدراجات الهوائية أكثر إمتاعا، لدىّ دراجة.

Saturday, July 18, 2009

انقلاب سلمى



كان الشيخ عنتر رجلا من أعيان قريتنا، يملك فدانين ونصف الفدان من كبد أرض البلد، لا يعرف القراءة ولا الكتابة، يؤمن بأن الكتابة هى صنعة لعمل أحجبة وتعاويذ لربط زوجين عن الإنجاب، أو توفيق رأسين فى الحرام، أو إلقاء الشلل فى يد لصوص النحاس، كان سياسيا خبيرا بأحوال الأهل والجيران وعابرى السبيل، ومعارضا قويا للحكومة، وحين عاد الشيخ عنتر من أول حجة له، رفعه ناس قريتنا من مقام الأعيان إلى مقام الحجاج أصحاب الرأى والفعل المتين.

فى حديث استعراض وفخار، شكك أحد المنافسين فى قدرات الحاج عنتر السياسية، فأقسم الحاج عنتر أن يبسط نفوذه على ناس الحكومة، فى يوم جمعة بالذات، وفى قلب مسجد الأوقاف التابع للحكومة بالذات، وعلى مرأى من جموع المصلين وبعض الأثرياء الطامعين فى مكاسب سياسية.

اختار الحاج عنتر يوم جمعة شديد الحرارة، وتأكد أن خطيب مسجد الأوقاف شاب غريب عن قريتنا، وأن هذه أول جمعة يقيمها الخطيب فى المسجد، وبدأ الحاج عنتر تنفيذ الخطة، امتطى حماره واتجه عابرا الطرقات فى خيلاء نحو مسجد الأوقاف، شاهرا جلبابه الأبيض ورافعا شمسية خضراء وهازا قدميه ببلغة بيضاء، وفى كبرياء ربط حماره بجوار المسجد ثم تأبط بلغته واتخذ طريقة داخل المسجد متخطيا صفوفا ورءوسا حتى وصل إلى المنبر وجلس بجوار صديقه الشيخ مرزوق، ذلك الشيخ الفقير العارف بالقراءة والكتابة والحافظ لأحاديث ونصوص دينية والمعارض للحكومة.

ألهبت الشمس ظهر المسجد بالسخونة وصعد خطيب الحكومة إلى المنبر يلقى وعودا وويلات وثبورا، فأزعج صوته من اعتادوا النوم فى المساجد، هكذا أصبح الخطيب جاهزا لتوريط الحكومة، فحين أخطأ فى نص دينى لم يغفر له الشيخ مرزوق وقام يجادله أمام الشهود، زجر الخطيب الشيخ فحقر الشيخ من الخطيب، طالت المكلمة وهاج المصلون وبدأ الحاج عنتر تنفيذ خطته فى إحراج الحكومة.

أمسك الحاج عنتر بقفا صديقه الشيخ مرزوق وصعد المنبر بجسد الصديق ليثبته خطيبا، ونزل من فوق المنبر خالعا جسد خطيب الحكومة، وحين تبادل الخصمان أماكنهما تراوحت أراء المصلين بين القبول والرفض، وفى وقت الحسم، ارتفع صوت أثرياء يؤيدون الشيخ مرزوق خطيبا، وارتفع نهيق حمار الحاج عنتر، فخرج الحاج عنتر من المسجد ليركب حماره ويتجه إلى الغيط مرددا شعاره الجديد: الصٌح صح يا حمار، الزرع عطشان وناس الحكومة فاضيه.

Tuesday, July 14, 2009

عن الدولة المدنية



البحث عن حلول لمشاكل الجماعة السياسية يتطلب الحديث عن نظرية الدولة المدنية، أول الخيط فى هذا الموضوع هو طبيعة الإنسان الفرد باعتباره الوحدة الأولية للجماعة السياسية، والإنسان الفرد يتناول صراعه مع الحياة فى دوائر زمنية ثلاث تتداخل فيما بينها، دائرة ماضى يعرف بعضا عنه بالنبش فى ذاكرة احتمالية يطغى عليها الحدس الإيماني، ودائرة حاضر يعيشه بحواس تطغى عليها المعرفة العلمية، ودائرة مستقبل يصنعه بأحلام يطغى عليها الحدس الإيماني مرة أخرى، ولفهم السلوك السياسى للإنسان يلزم التفرقة بين الإيمان والعلم.

الإيمان منهج ذاتى فردى لتفسير العالم يعتمد على الحدس والأحلام والمصادرات العقلية، فالإيمان بأن البشر قد خلقوا من نطفة حصان يلزم تفسير الوجود البشرى بناء على مصادرة وجود هذا الحصان، والإيمان بأن آدم أبو البشر يلزم تفسير الوجود البشرى بناء على مصادرة وجود آدم، والإيمان بأن لون دم البشر يختلف من دم متفوق أزرق إلى دماء أخرى دون ذلك يلزم للجنس الأبيض صاحب الدم الأزرق مصادرة التفوق على باقى الأجناس، هكذا تتعدد التفسيرات بتعدد المصادرات، هكذا يبقى الإيمان كمنهج فردى صالحا فى نظر المؤمنين لتفسير الأحداث فى الماضى والحاضر والمستقبل، هذه الصلاحية مستمرة بقدر ما يحققه الإيمان من مصالح فردية للفرد المؤمن.

العلم منهج موضوعى جماعى للمعرفة يعتمد على البديهيات العقلية والحواس الغريزية فى تفسير وفهم العالم، تتساوى عنده الفروض مع المصادرات ويقبل مناقشة الجميع، العلم منهج يسمح للفرد البشرى بتخزين المعرفة ونقلها إلى غيره من البشر متجاوزا إمكانيات الأفراد الخاصة والمتباينة بسبب حياتهم فى موطن جغرافى بذاته أو قبيلة اجتماعية بعينها، هكذا يبقى العلم كمنهج جماعى هو المنهج الأكثر ديمقراطية لتفسير كل من الماضى والحاضر واستشراف المستقبل.

لأن الإيمان منهج ذاتى فردى فهو لا يقبل الاعتراف بمنهج الآخر فى المعرفة حتى ولو قبل إلى حين فكرة التصالح مع ذلك الآخر، فكل دين هو منهج إيمانى ناسخ لغيره من الأديان، هكذا لا يمكن تعميم الدين على جميع البشر كمصدر وحيد لمعرفة الحياة والتعامل معها، ويبقى أن المنهج العلمى منهج معرفة موضوعى يصل إلى الجماعات المتباينة، ويعترف بوجود مناهج أخرى محتمله للبحث عن المعرفة.

الآن فى العصر الحاضر يعيش البشر فى كيانات سياسية يتعاظم حجمها من أسرة إلى عائلة إلى قبيلة إلى الدولة، احدى النظريات لتفسير وجود الدولة هى نظرية العقد الاجتماعي، ويرى أصحاب هذه النظرية أن الدولة كائن مستقل جرى تعاقد بينه وبين الجماعات المكونة له على ضمان حماية الحريات وتأصيل الحدود بين مجموعات تتفق على الحقوق والواجبات يربطها أساس قانونى من الأهلية والكفاءة، هذا العقد يوضع فى دستور فوقى ثابت تنبع منه كافة القوانين التى تقود النسق المعرفى للجماعات المكونة للدولة، هذه النظرية تفترض الكفاءة والأهلية فى الجميع وتضعهم فى مواجهة حرية العمل بالدستور.

هناك نظرية أخرى تفسر سبب وجود الدولة، وترى أن حب الإنسان الحياة هو الأساس لوجود الأشكال المتباينة من صور الأسرة العائلة القبيلة الدولة، هذه النظرية تراعى حركة الجدل البشرى مع الحياة باعتباره أخذا وعطاء، وترى أن دستور الدولة عمل وضعى يمكن تعديله كلما أقبلت المجموعات على أمر جديد, نظرية حب الحياة هذه لا تقيم وزنا للفصل التعسفى بين حرية الجماعة وبين حرية الفرد، وترى أن جدل الإنسان هو الذى يضع حد للتوازن بين البشر، هذا الجدل قائم على محصلات قوى ليست بالضرورة متصارعة، وعليه يصبح للشمول الفكرى تمارسه الجماعة الغالبة فى حالة جدل مع التكلس الفكرى تمارسه الأقلية، جدل الإنسان يتخلص من الشمول والتكلس السياسيين.

الآن فروض التقدم فى البيئة الحضارى للجماعة السياسية، تتطلب وجود دولة مدنية لها دستور يفصل بين أديان الجماعات والطوائف وبين سلطات الدولة، حيث يكون للمواطنين حريات الانتقال والاعتقاد والعمل فى دولتهم، ويكون للدولة سلطات مدنية على مواطنيها تنسق بين حرياتهم على أسس من العدل والمساواة، دون تمييز بسبب لغة أو ثقافة أو دين أو جنس.

Thursday, July 09, 2009

يا خرابى


عيالى كبروا وتخرجوا من الجامعة، ولأن الحكومة تخلت عن رعاية الضعفاء، انتظم طابور عيالى يطلبون منى المسكن والوظيفة، وأنا الآن منتظم فى تلقى معاش الحكومة والذهاب للمستشفى وتناول الأدوية ومساعدة أم عيالى فى غسيل الأطباق وقرطفة أوراق الملوخية.

يوم الجمعة الفائت قررت البدء بالحصول على سكن لكل عيل، أخذت أم عيالى قاصدا أحد مشاريع الإسكان التعاونى، فالوعود الانتخابية قوية، ولابد أنها صادقة، وأنا عشت أربعين سنه موظفا حكوميا شريفا، أدعو الله أن يعز سلطان الحكومة، ولابد أن مكافأة معاشى تكفى لشراء مدينه كاملة.

من الميدان الكبير ركبنا سيارة شركة تبنى قرية على مشارف الصحراء، على أرض القرية استقبلنا موظفو الشركة بلطف وأعطونا بالمجان سندوتشات فول وطعمية وشاى فى بلاستيك، فقطعنا أنا وأم عيالى نصف الطريق إلى السعادة، وبعد جولة فى القرية جلسنا فى صالة المبيعات المكيفة كزبائن محتملين.

الوحدة السكنية مساحتها ثلاثة وستون مترا عمياء، يحصل عليها الشاب بشروط ورقية تعجيزية فى الوظيفة والدخل المرتفع، هى شروط يمكن تزويرها عند نصاب محترف مقابل خمسة ألاف جنيه، وثمن الوحدة مرتفع يدفع بطريقتين، إما الدفع الفورى وهو مائة وخمسة ألف جنيه، أو الدفع بالتقسيط وهو أربعون ألف جنيه تدفع فورا ثم يدفع قسط شهرى قدره ألف جنيه لمدة عشر سنوات.

فى طريق العودة بسيارة الشركة، صرح بعض الركاب أن سندوتشات الفول كانت من نوع رديء والشاى لم يكن بفتله، قالت أم عيالى لأم عيال أخرى: يا خرابى عيالى ضاعوا، لا وظيفة محترمة بمرتب معقول ولا سكن يلمهم، الله يخرب بيوت من كانوا السبب، فقلت لأم عيالى: الحكاية نصب على الذقون، فأجابنى شاب: لا يا باشا، الحكاية سرقة علنى، يا عم شوف مشاريع المهندس حسن فتحى فى مبانى البيئة المصرية، الأرض قدامهم صحراء بتراب الفلوس ويبنوا علب سردين، وحين وصلنا الميدان الكبير ابتسم موظف الشركة قائلا: شرفتونا يا حضرات، المرة القادمة شاى بفتله.

فى طريقنا إلى المنزل، عاودتنى مشكلة سكن العيال، فقررت شراء جريدة مليئة بإعلانات صادقة عن مساكن حضارية ورخيصة للمصريين، يسعى لها أهل التخطيط والأثرياء فى بلادنا باعتبارها مطلب غير معجز تكنولوجيا، وحين سألت أم العيال عن جريدة مناسبة قالت: اشترى جريدة كثيرة الورق، إنها صالحة لقرطفة اثنين كيلو ملوخية دفعة واحدة.

Saturday, July 04, 2009

مطلوب جريدة



المنصورة عاصمة محافظة الدقهلية، يسكنها نصف مليون مواطن ويزيدون، وعلى أرضها عاش كثير من المثقفين وأهل الفن أجمعون، وجامعة المنصورة تجاوز عمرها أكثر من ربع قرن، تضم أكثر من مائه ألف طالب، يخدمهم حوالى خمسة ألاف من الموظفين وأعضاء هيئة التدريس، ويوجد بالجامعة أقسام علمية تدرس للطلاب قضايا الصحافة والإعلام، ومع ذلك فالعدد فى الليمون، يكثر الطحن فى جامعة المنصورة بغير طحين، فلا توجد باسم الجامعة جريدة أو قناة إعلامية جادة ترقى لمستوى التواصل الفاعل بين الجامعة وبين المجتمع المحيط بها، هكذا تبقى الجامعة حقلا معطوبا فى إنتاج الثقافة.

المتقاعسون فى جامعة المنصورة عن إصدار جريدة تحمل اسم الجامعة يطرحون ضعف الإمكانيات المادية، والضعف الحقيقى هو ضعف إمكانيات كثير من القيادات الإدارية والعلمية بالجامعة وتخلف قدراتهم عن ثقافة العمل الجماعى، فكثير منهم يحملون صكوك ثقة بكفاءتهم الإدارية، لكنها صكوك تمر عبر بوابة رضا السلطات الأعلى صاحبة قرار تعينهم، ذلك الرضا يضمن لضعاف النفوس أن يتكسبوا من بقاء الأمور على حالها فى تخلف، وبعض القيادات تحمل شهادات بالمعرفة والخبرة، لكنها شهادات ورقية لا تصمد عند الاختبار العلمى والعملى فى مواجهة التردى الشديد فى إمكانيات الجامعة الثقافية والاجتماعية.

إن إنشاء جريدة جامعية يحتاج إلى إرادة ثقافية وإمكانيات مادية، وجامعة المنصورة لديها إمكانيات مادية غير موظفة ثقافيا، فالجامعة تملك مطبعة كبيرة، وما يهدر سنويا من ميزانية الجامعة يكفى لتمويل جريدة دورية محترمة تهتم بمشاكل الجامعة والمجتمع ويمكنها تحقيق عائد مادى، والجامعة لديها كفاءات بشرية وعلمية يمكنها بالإدارة العلمية أن تحل مشاكل إصدار أى جريدة أو هيكل ثقافى، فأعضاء هيئة التدريس بينهم خبراء وعلماء فى عمليات التمويل والتحرير والتوزيع وقوانين النشر، يمكنهم أن يصنعوا قناعات جادة لدى السلطات بالموافقة على إنشاء جريدة، يتفوقون بها على جرائد العاصمة.

إن وجود قناة إعلامية محترمة لأى جامعة يعتبر أمرا بالغ الأهمية، إنها تدريب ناعم لأهل الجامعة على ديمقراطية الفكر وصنع رأى عام قوى يؤيد مصالح الأغلبية، فليس من اللائق لكثير من قياداتنا الجامعية أن تتصدى نظريا لمشاكل تدهورنا الحضارى فى الصحة العامة والفن والثقافة والبحث العلمى وتجريف الوعى الوطنى، ثم تتراجع عن القيام بفعل ثقافى جاد لانتشال وطننا من قاع التخلف.

Sunday, June 28, 2009

تغيير الملٌة


آراء كثيرة تتناول قضية تغيير الملة باعتبارها تحولا دينيا للأفراد وانتقالهم من دين لآخر، من حيث الأسباب وآليات التحول، سنقصر حديثنا هنا على أثر التحول الدينى على كل من الفرد والمجتمع.

عن أثار التحول الدينى على الفرد، من المعروف أن للإنسان الفرد طبيعة معرفية ثقافية تتدرج فى ثلاث مستويات تتناسب مع حجم المعرفة العلمية وواقع الثقافة المجتمعية السائدة، المستوى الأول هو مستوى عامة الناس والبسطاء ممن يستمدون ثقافتهم بالتقليد والمحاكاة الاجتماعية، فى هذا المستوى يتم تتناول الدين باعتباره احد الوسائل للتعامل مع الحياة اليومية بشكل يؤدى لمنافع مباشرة، وهنا يرسخ التحول الدينى إلى مجموعة من الطقوس الشعبية يسهل معها رصد مظاهر التحول الدينى السريع والمتكرر بين الأفراد، والمستوى الثانى هو مستوى الخاصة وهم فئة من المثقفين، يدفعهم تحولهم الدينى باعتباره تحولا ثقافيا إلى عزلة اجتماعية تعفي صاحبها من الدين القديم وترضيه بمباهج دينه الجديد، أما المستوى الأخير فهو مستوى خاصة الخاصة وهم ندرة نادرة من المثقفين ويمثل التحول الدينى عندهم هدفا معرفيا يدخل صاحبه فى حالة من التوحد الصوفى والاكتمال المعرفى مع الدين الجديد، عند هذا المستوى يسعى المتحول الدينى لنشر دينه الجديد بين الآخرين باعتباره صاحب رسالة دينية جديدة.

عن أثار التحول الدينى على المجتمع، من المعروف أن المجتمعات المعاصرة تحكمها حزم ثقافات متباينة، حزمة ثقافات ديمقراطية مقابل حزمة من ثقافات ديكتاتورية، ففى المجتمعات ذات الثقافة الديمقراطية تكون القواعد والقوانين الوضعية هى الأساس الحاكم فى بناء الدولة المدنية حيث لكل فرد حرية التحول الدينى باعتبار الدين طقوسا فردية تحكم جماعة من الناس من بين جماعات مختلفة تضمها الدولة، فى المجتمعات الديمقراطية تتعايش الأديان على حدود مشتركة من القوانين المدنية، وفى المجتمعات ذات الثقافات الديكتاتورية يأخذ دين الأغلبية بزمام الأمور ويتحول إلى سلطة قمع فى يد الأغلبية ذات السطوة الدينية.

هكذا فى المجتمعات ذات النظم الديمقراطية، فان الأديان تشغل موقعا معترفا به فى البناء الثقافى للمجتمع ويكون التحول الدينى موقفا يخص فردا بعينه أو جماعة بذاتها، دون أن يمثل التحول الدينى لفرد أو جماعة قيدا على حرية التدين أو حرية مشاركة بقية الأفراد والجماعات فى النهوض بالمجتمع.

Saturday, June 27, 2009

فرحة ما تمت



فى الردح الأخير من الزمن أصابنى رخاء كبير، مات رجل عظيم دون أن أدفع قرشا واحدا فى إعلانات عزائه، وأقيل وزير بعد أن دعوت عليه بفقد الجاه، وبلغتنى إصابة رئيسى بالفالج فشفيت من حساسية لازمتنى بالقرف من مصاحبته طوال عشر سنوات كاملة، وأصبح لائقا أن انظر لحرارة الصيف بملامح الرضا.

حين أتى صيفنا بالحرارة تنشب أظافرها فى جلدى، حط على زهق جليل، وغرقت فى أحلام مداعبة النسيم على شاطئ بحرنا المالح الكبير، وقررت فى الصباح الثانى من الأسبوع الماضى أن انحشر مع زوجتى واثنين من أولادى فى سيارتنا القديمة، حاملا مسئولية الاستنارة واتخاذ قرار التصييف، هكذا انطلقت بقيادة ركبنا الصغير من القاهرة قاصدين شاطئ بحرنا المالح الشمالى.

بين مدينتى وادى النطرون والعلمين، تهادت سيارتنا على طريق إسفلتى موحش تحتضنه الصحراء، طوله مائة وخمسة وثلاثون كيلومترا، عند مدينة وادى النطرون تراصت محاولات بشرية تنصب الجدية فى الإنتاج، تشق الأرض وتملأ المكان بالمزارع والحقول، وانتشرت محاولات بشرية هازلة تنصب الخداع، فتزرع نجيلا صناعيا وزهورا لامعة فى بيئة صحراوية غير مناسبة.

تهادت سيارتنا على الطريق تراوغ شمس الظهيرة، تطارد السّراب وتدفع الهواء حولنا لزجا ساخنا يهدد أنوفنا بالنزيف، هكذا واجهتنا مشكلة الحصول على مظلة طريق مناسبة بعد أن تحولت معظم المظلات إلى دورات مياه جافة يقضى بعضهم فيها حاجته ويستخدمها آخرون لتغيير زيوت السيارات، وأصبح لائقا أن نسرف فى الدعاء بالعقم وقلة الحيلة وانسداد الأنوف على القائمين بصيانة الطرق وعلى مستخدمى طرق المصايف.

وسط الطريق، تحت مظلة أسمنتية غير مناسبة، وضعنا غدائنا من السلمون والبصل على أوراق جرائد قديمة امتلأت بأخبار العولمة والسياحة والعقارات المكيفة والأطعمة المستوردة، أوراق لم نجد على أوراقنا خبرا يعلمنا مقاومة وحشية ذباب صحراوى يزعجنا بالطنين ويلتصق بجلودنا ويشوه طعامنا ويلسعنا كالنحل، وحين فتحنا الراديو تسربت حولنا أخبار طيور وحروب ومشروبات وأمراض، دون ذكر لما سيحدث لنا عندما تتعطل سيارتنا أو ينزف أحدنا فى هذه الصحراء المخيفة.

تضافر العالم والصحراء وصناع الطرق ضدى لأجد نفسى مسئولا عن حياة أسرتى فانطلقت كدكتاتور مستنير أقاوم عزلتنا عن العالم، جعلت من بطنى طبلا أنقر عليه رافعا عقيرتى بالغناء مع جيوب أنفية تتورم وتضيق، يدخلها تيار الهواء الساخن شاقا الحنجرة ولاسعا الرئتين، ويشاركنى الغناء ذباب يردد صوتى بالطنين، وتبتلع الصحراء كل الغناء مثلما تبتلع النسيم العليل، فجأة رأيت ابنى الأكبر يبدى شغفه بغنائى، يشتم الصحراء ويقذف بكل عنف أحجارها فى كل اتجاه، كان يعاقبها على صمتها تجاه غنائى، ومع استمرارى فى الغناء استسلم ابنى الصغير لحجر أمه وغلبهما النعاس، هكذا لم يشككنى أحد فى قدرتى على التطريب.

فى نهاية الطريق عند مدينة العلمين، اقتربنا من الساحل الشمالى نلمس رياح صيف باردة جميلة وتصدمنا غابات من أكياس بلاستيك ونفايات تخفى كل الأرض، حيث المليارات تنفق على قرى ذات مبان فخمة، يسكنها كثير من محدثى نعمة لا يعرفون طرقا لحماية البيئة من حولهم.

على غطاء سيارتنا افترشنا مصيفنا على جانب من الطريق الساحلى، لمحنا طرف زرقة لبحر مالح بعيد تحجبه عنا عشرات القرى الزجاجية والإسمنتية والسياحية، ومع لعب أولادنا على تراب الأرض، حاولت إقناع زوجتى بأن أهل الاستنارة يفضلون طريقتنا البرية فى التصييف على البقاء محبوسين داخل تلك القرى، فاكفهر وجه زوجتى وبانت طريقتها فى ترويع طموحاتى، استعرضت سكينا تحملها عند الطوارئ أخذت تدفع بها طوبا وحصى، وفجأة شوّحت بيدها فى وجهى قائلة (استنارة إيه يا أبو استنارة، بهدلتنا فى بلاد الناس، خلّى نهارك يَعدّى، ورجّعنا البيت).

Saturday, June 20, 2009

فتوى للمقابر



جاء أبو صلعه وذهب أبو عمه، وتأكد للجميع أن مسئولا كبيرا توقف عن الرشوة، وسجن أربعة تجار مخدرات، وحل مجلس الشعب، وإحالة مسئول أمن إلى التقاعد، وطلاق ثلاث فنانات أفسد جمالهن رهطا من الرجال، هكذا تتساقط علينا الأيام أعيادا، وهكذا نحن المصريين، لا نتوقف عن استحلاب مواقف الحزن ونتذوق لحظات السعادة.

فى أعيادنا المصرية نحتفى بالأموات، نزور المقابر وننتشر فى جنباتها، نأكل ونشرب وتدمع عيوننا، نوزّع الخبز والأدعية تصدّقاً على أرواح موتانا، ونهمل إرسال بركاتنا لموتى الآخرين، ونشاركُ الجميعَ احتفاليات بؤس ورثناها منذ عصر الفراعنة.

برغم لحظات الفرح الأعياد، فان مصريا واحدا يموت كل ثلاث دقائق، يصطاده الموتُ نائما على سرير، أو راكبا الإسفلت، أو واقفا بجوار أنبوبة بوتاجاز، أو متحدّيا سنج البلُطجية، أو اثر هبوط دموى فى موجة إضرابات، وبحسبة بسيطة فإن حفّارى القبور يستقبلون أكثر من خمسمائة جثة كل يوم، لكن الحسبة غير محزنة تماما، فبرغم تأخر سن الزّواج وسفر الرّجال إلى بحار النّفط، وضعف إحساسنا بالجمال، إلا أنه فى كل يوم تستقبل الأمهات ألف وخمسمائة خَلاص لمولود مصرى جديد، ليكون صافى الحسبة أن المصريين يزدادون عددا بألف نفس جديدة كل يوم.

المزعج فى حسبة الموت، أن المصريين يقاربون الثمانين مليونا، يتكّدس الأحياء منهم فى بيوت تشغل أربعة فى الألف من مساحة أرض مصر، وتبقى تسعه وتسعين فى المائة من أرض مصر صالحة ليدفن فيها حصيلة الاثنين مليون من الموتى سنويا، هكذا تتوزع مساحة مصر، كل حى مصرى نصيبه حوالى ستين مترا مربعا فقط بينما نصيب كل ميت مصرى أكثر من خمسمائة ألف متر مربع.

الآن وقبل أن ينقضى العمر، ويدُوخ الورثة بحثا عن حفرة مناسبة يدعون فيها جثثنا، فإننا نطرح هنا قضية عامة، هى أن مقابرنا الحالية تتكلف أموالا باهظة يشقى الكثيرون فى تحمّلها، ومقابرنا تتحكم في إنشائها كثيرُ من الأمراض الاجتماعية، فلماذا لا تصدر فتوى يصدرها رجال الدّين والأطبّاء الشرعيون لتحديد أبسط وأقل مساحة ممكنة لمقابرنا؟ فنسق مقابرنا الحالية أنها تضم رفات أموات وتوحى للأحياء بأن تاريخنا يقتصر على تحنيط الجثث والبكاء على رؤوس المقبورين.

Sunday, June 14, 2009

حيل الغلابة



كانت أمى، الله يرحمها، مقتنعة بأن الله يحب السلاطين أكثر من الغلابة، وتؤمن بأن حيل الغلابة مقطوع ويثورون على الغُلب بإنجاب أطفالهم فى مواجه الأغنياء، هذه القناعات عجلت بموت أمى مبكرا، فقضت نحبها صغيرة قبل أن تكمل عامها الرابع والثمانين.

فى أول معركة دخلتها مع إخوتى حول توزيع ميراثنا فى الدار والطين، وجدت نصيبى مجرد حطام يكفى لألف ثورة تخلع الغلابة من كل غلب، فتفتيت الثروة جعل الناس فى بلادنا أغلب من الغلب، لا الفقراء يغتنون ولا السلاطين يتوقفون عن إفقار الجميع، وحين أجهدنى فهم حكمة أمى، أخبرنى حافظو التاريخ والأنساب أن أمى لم تدرس فى معاهد حزبية ولم تمارس مراوغات أهل السياسة، كانت أما برية تحب عاشقى الحياة وتكره صانعى الموت، عاقرت الحياة بثقافتنا الشعبية وأنجبت احد عشر مولودا من البنين والبنات، هكذا فتحت أمى أبوابا نعبر بها الحواجز الثقافية بين الطبقات.

إن ملوكنا يأكلون نهار كل يوم لحم طير وما يدعون من ورق عنب محشى باللوز وفول غارق فى السمن البلدى، وفى كل مساء يأخذون مقويات وأصباغا تعطيهم الشباب والعافية، ويبقى دونهم كثير من المصريين، شبه أحياء مقتولين بالفقر، لباسهم خرق بالية لا تستر عوراتهم البائنة، وطعامهم لقيمات جافة لا تلحس معداتهم الخالية، هكذا يتزايد سكان القصور فى بلادنا، يعيثون فى الأرض فسادا، ويحولون مجتمعنا إلى ثلاثة فصائل، فصيل طاغى من ملوك وملكات يورثون أمراء وأميرات، وفصيل من غلابة تصيبهم الحكومة بالعنة والعقم، وفصيل مطحون من عبيد ينجبون فقراء ولا يورثون أحد.

ليس صعبا على الغلابة أن يفهموا فتاوى السلطان فى موضوع الزواج والطلاق وكيد النساء، الصعب هو أن يفتى فقهاء السلطان بحرمان الغلابة من غرائزهم الجميلة، فرغم تعدد فتاوى الزواج فى زيجات المتعة والمصالح والعرفى والمسيار والبوى فرند، إلا أن فتاوى أهل السلطان لم تخفض من زيادتنا السكانية، وبقيت مشاكلنا السكانية تحول ثقافيا دون التوازن بين طبقاتنا، ويعانى مجتمعنا من تسعة ملايين فتاة مصرية يعشن واقع العنوسة ولا يقدر على الاقتراب منهن ملايين من الرجال العاجزين.

أريد فتوى سلطانية تشد حيلى الغلبان وتزوجنى من ألف عانس تملكها يمين الحكومة، وأعد فقهاء السلطان بالبقاء فى دائرة الغلابة حيا دون إنجاب.

Saturday, June 06, 2009

عيد ميلاد



فى شهر مايو ولد كثير من العظماء، القائد الألمانى بسمارك والأسطى عنتر الكبابجى وخالتى زهرة وثلاث من الراقصات ومطربين ولص واحد، وحين عبرت أعراض الكوليرا فوق جسدى دون أثار تذكر، قرر والدى التصالح مع الحكومة وحشر اسمى بين سجلات مواليد مايو من عام الكوليرا.
لأن يوم ميلادى لا بد أن يكون عظيما، اصطدت يوما مناسبا من الأسبوع الماضى تصالحت فيه مع مشاكل ضغط الدم، وقبلت الدور الأمريكى فى تحقيق السلام، وحبست غيظى لترقية أربعة موظفين، وقدمت العزاء فى موت زوجة صديق، وتذكرت بعض الأغنيات المناسبة، وأصبحت مصراً على أن تدرك زوجتى بأن هذا اليوم بالذات هو يوم عيد ميلادى السعيد.
فى صبيحة عيد ميلادى، تثاءبت زوجتي وانسلت في إيقاعها المعهود داخل شقتنا، توقظ وتطعم وتجهز أولادنا الثلاثة وتحنو عليهم، وعادت أدراجها إلى المطبخ، تنظف وتغسل وتشطف، وتبعث أغنية شعبية يتشاكس شخيرها مع صليل الأواني وسقوط المياه وفضلات الطعام.حلمت بقضاء عيد ميلاد رائع، ذلك بأن نصف العالم كان مفعما بالغموض قبل مولدى، وحين ولدت أٍصبح نصفه الآخر لا يمكنه الاستغناء عنى، هكذا مرت الأحلام تتراقص حولى إلى أن واجهتني زوجتى بمريلة المطبخ تندى جسدها بمياه وزيوت وروائح، وتغطى نظراتها وجهى ترصد ملامح عيد ميلادى، ولما أدركت زوجتي أن الأمور عادية ألقت بأربع كلمات: كل سنه وأنت طيب.
وجدتني ابدأ عامي الجديد مستعرضا خلطة من المناورات أخطب بها ودّ زوجتى تمهيدا للرضا والوصال، بدأت حديثا ودودا تحول بحكم العادة بيننا إلى نقاش محتدم، خلت الشقة من أولادنا فعلت أصواتنا وانكشفت للسامعين خبايا بئر علاقتنا الدفينة، أخبرت زوجتى بصراحة أن العنوسة كانت قدر جمالها لولا فضلى عليها بقبول الزواج منها، هى المرأة دون ست الحسن، فأخبرتنى بصراحة أن التشرد كان مصيرى لولا فضلها على بقبولها الزواج منى، أنا الرجل ممصوص القدرات، وبدأنا التباكى على حظ عاثر أدخلنا معا في سوق زواج لا تتلكأ فيه المواكب إلا عند الجميلات وعند أصحاب المقدرة.
تكاثرت أسباب رغبتى في اختراق العالم، فشحذت ما تبقى لدى من قدرات مؤجلة، لأقضى عيد ميلادى خارج البيت أعانق الزّحام في المدينة الكبيرة، وحين تضاغطت أشيائى انتحيت بجسدى مقعدا فى ميدان عام، أحسد أصحاب أعياد الميلاد، وأتلمظ تباعا بقدراتى المتهالكة.

Friday, May 29, 2009

يسكننا الوطن


منذ أيام نشرت على هذه الصفحة وجه نظر أرى فيها، أن المناصب السيادية والحساسة فى الدولة المصرية، مثل مناصب نواب مجلسى الشعب والشورى ورئيس الدولة والوزراء والقضاة، يجب أن يقتصر شغلها على من يحملون الجنسية المصرية فقط، هناك وجه نظر أخرى تسعى لأن يشغل المصريون أصحاب الجنسيات المزوجة دورا بارزا فى الدولة المصرية، هذه الوجهة تضمنتها رسالة تلقيتها من المهندس كمال بيومى، وهو قيادة هندسية مصرية كبيرة ساهمت فى بناء السد العالى، يحمل الآن الجنسية الانجليزية بجانب جنسيته المصرية ويستقر فى لندن، وجاء فى رسالته ما يثير الأسى:

هناك آلاف من المصريين يعيشون في الخارج يتمسكون بولائهم لمصر، رغم القوي الطاردة لهم من مصر، ورغم ما يسببه لهم هذا الولاء من مشاكل مع الدول المضيفة، وللأسف هناك مقالات وتصريحات مصرية من نواب الشعب ومن موظفي الحكومة تطعن في ولائنا، وبالتالي تطعن في وطنيتنا، مما يجرحنا ويؤلمنا بدون ذنب جنيناه، وأن سبب وجودنا بعيدا عن مصر هو إنقاذ أولادنا من الحياة المتردية في التعليم والصحة وضياع فرص العمل المنجز والفقر وضياع الحرية.

للمهندس كمال أقول: الأصل أن التشكيك فى ولاء غالبية المصريين لبلادهم أمر غير وارد، وبرغم أن الدستور المصرى يكفل المساواة بين المصريين فى الحقوق والواجبات، إلا أن العدل يتطلب أخذ الفروق النسبية بين المتنافسين المصريين لشغل أى وظيفة، ذلك أن لكل مصرى نطاقه الحيوى الخاص والمتمايز يشارك به فى بناء المجتمع، فالمهندس غير الطبيب والمقيم غير المغترب.

قضية تعدد الجنسية تتناولها نظريات فقهية مختلفة، فهناك نظرية ترى أن للفرد الواحد جنسية واحدة، وهناك النموذج البريطانى الذى يقبل تعدد الثقافات فى مجموعة دول الكومنولث، وهناك النموذج الفرنسى الذى يدعو لوحدة وتسيد الثقافة الفرنسية فى مجموعة الدول الفرانكفونية، نحن فى مصر بحاجة حاسمة لتحديد موقفنا الدستورى والقضائى والرقابى من هذه القضية، ليستقيم أمامنا أحد معايير تقييم المواطنين، فلو أن صاحب الجنسية المزدوجة تعرض لاختيار قيام حرب أو تعارض مصالح بين دولتين يحمل جنسيتهما، فما هو التكييف القانونى والأخلاقى عندما يزيغ بصره نحو دولة منهما؟.

أخيرا، إن الاضطهاد الذى تمارسه كلا من الدولة الوطنية ودولة المهجر على المواطنين، يدفع الجميع للعمل على التخلص منه، وتظل مصر تمد أياديها مخلصة لكل أبنائها.

Thursday, May 21, 2009

طالب الرضا


بعض الناس لا يرضون عنى، شيخ الحارة وأمين المحافظة ولجنة الأحزاب ووزير الداخلية، فأنا لا أملك بطاقة انتخابية، ذلك بأن الانتظار مهين فى أقسام الشرطة من أجل الحصول على أى بطاقة، ولا أتحمل البحث عن مصداقية المرشحين، وأخشى التعامل مع خطط الحكومة للإدلاء بصوتى الانتخابى.

أنا لا املك بطاقة انتخابية، ولم أفكر فى امتلاك واحدة منها طوال الأربعين عاما الماضية، فقد عودنى الكبار والصغار أن صوتى لا قيمة له، فالقوانين والقرارات فوقية جاهزة، والمرشحون معينون سلفا، شفت ذلك طوال عمرى فى البيت والمدرسة وفى الجامعة وفى الشغل، وقلبى يمارس الحزن دون انهيار، ذلك أن أصحاب الحكومة يدربوننى كل يوم على تجرع الأسى فى صالات الانتخاب.

أنا لا املك بطاقة انتخابية، ولا أفكر فى امتلاك واحدة طوال الثلاثين سنة القادمة، حتى وان أغرتنى الحكومة بترشيحى وإنجاحى فى كل الانتخابات، ذلك أننى لا أثق فى حكومة تسمح لمن يحمل الجنسية المزدوجة أن يتسلل بالأموال والعلاقات ليدخل مجالسنا النيابية ويتاجر بصوتى المكتوم، وأجدنى أمام نوع من المصريين لا ينتمون لنا ويتشدقون فى محافلهم بالنيابة عنا.

الأفراد أحرار فيما يختارون من ولاءات وثقافات، والشعوب حرة فى الحفاظ على ولائها وثقافاتها، هكذا تعطى الدولة العصرية جنسيتها لمن يقضى زمنا معينا على أرضها، سعيا منها لأن تذوب خصوصيته الثقافية فى ثقافة شعبها، هكذا يحكم ولاء الأفراد للشعوب شروط عقلية وأخلاقية، تتلخص فى أن صاحب الجنسيتين هو بالضرورة شخص يتاجر بمصالحه الخاصة فى قضية الانتماء الوطنى، وهنا نطرح قضية فرد مصرى طبيعى عاش ويعيش سنوات بعيدا عن مصر فى خدمة ثقافة واقتصاد دولة أجنبية، ثم يعود لمصر حاملا أكثر من جنسية، أيكون ولاءه لمصر أم ولاءه للأجانب؟.

صحيح أن لدينا خبراء أجانب فى أكثر من مكان، لكن الخبير مأجور على صنعة موجودة أما النائب الشعبى فمنشئ لهذه الصنعة، وعليه فحماية لأمننا القومى لا نسمح لغير المصريين بالخدمة فى قواتنا المسلحة، فكيف نسمح لمزدوجى الجنسية أن يدخلوا مجالسنا النيابية ليكونا مشرعين للقوانين المنظمة لحياتنا؟ قد تكون الإجابة مطمئنة، بأن الأمور فى مصر دائما بيد أبنائها، وقد تكون الإجابة قاتلة، بأن بعضهم يمهد الطريق لأن نعلن انضمامنا ولاية تابعة لدولة أجنبية.

Tuesday, May 19, 2009

عشرة زيادة.. وتنجح


قرأت على النت خطابا من أستاذ جامعى بكلية الآداب جامعة المنيا ضمن خطابات مجموعة بريدية،
كتب فيه:

أن شعارا مرفوعا فى بعض أقسامنا العلمية بالجامعات، يقول ما نصه:
ادفع عشرة (جنيه) زيادة تستلم الكتاب وتنجح،
وتضمن خطابه انه تحت وطأة العوز والحاجة والجوع الأزلى، راح أساتذة القسم العلمى يفرضون سلطانهم على الطلاب يسرقونهم ويجمعون عشرات من الجنيهات سدا للعوز ودرءا للجوع

وحيث أن كلية الآداب من كليات الأعداد الطلاب الكبيرة مثل كلية التجارة حيث أعمل
لذلك كتبت شهادتى التالية:

شهادة

أنا ياسر العدل أستاذ مساعد إحصاء متفرغ
كلية التجارة جامعة المنصورة
لو كتب على الجلوس طالب علم من طلاب الكلية
وفرض على
أن أدرس فى نفس المدرج الذى يدرسون فيه
ونفس المحتوى الدراسى فى مادتى الإحصاء والرياضيات
ونفس منهج التدريس ونفس الكتاب المقرر
ونفس الأساتذة ونفس إدارة الكلية
فان نظرية الأعداد الكبيرة فى الفقر والجهل والمرض
تؤكد وبنسبه 90% أننى سأكون طالبا من الراسبين
وتؤكد بنسبة 10% الباقية أننى سأكون مصريا من الثائرين
هنا المكتوب قدر لا ندفعه، وهذا المفروض سلطة تدفعنا
د. ياسر العدل

وحين نشرت شهادتى على النت جاءنى رد أحدهم يرى أن الحل بسيط فكتب:


يا أستاذنا الفاضل

بدلا من شكواك المريرة بهذا الشكل
أي مشكلة لها حل... بس اعزم وتوكل علي الله
وتحياتي

مع رد كهذا افترض صاحبه أننى رجل ساذج أسعى لحل المشاكل بالدعاء وبالنوايا الطيبة
رايتنى اكتب ردا جديدا للجميع هو:

الأخوة الأعزاء

عن أحوال البلد
البلد دى احنا أصحابها ، لكنا عايشين فيها غرباء، ما لناش فيها غير صوت مكتوم
دى بلد الفاسق، صاحب أكثر من جنسية، طويل اليد، الآكل سحتا والمجنون،
بلد هو ذا يرضي عنه نظام الحكم المأفون

أما عن أحوال الجامعة
فالحكى عنها يطول، وأنا الليلة مشغول وغدا ميت
د. ياسر العدل

Saturday, May 16, 2009

حمّام الهنا


مثل معظم المصريين، آكل وأشرب وأشترى من الأسواق بضائع مصرية، يأكل التجار فلوسى غشا ودعاية وتدليسا، وأكشف رأسى كل يوم بالدعاء على الحكومة والتجار وجمعيات رعاية المستهلك.

بسبب طموحات أسرية فى النظافة لازمة للأعياد والمواسم، وبسبب إعلانات رقيقة لأناس يستحمون فى التلفزيون بالمياه الساخنة والصابون، أصرت زوجتى على اقتناء سخان مياه كهربى صنع فى مصر، وحين دفعت للبائع ثمن السخان أقسم برأس أمه الغالية أن صلاحية السخان خمس سنوات، ووعدنى بأن السخان قوى ليخدم أسرتى سنوات قادمة تكفى لأن تصبح مصر جنة ونعيما، هكذا عدت لمنزلى فرحا حاملا السخان وكيلو موز وتفاحتين وصابونه لزوم البهجة فى بيتنا السعيد.

قبل مرور سنتين على استمرارنا فى النظافة بالسخان، تسربت المياه مليئة بالصدأ والبرودة من جدار السخان وأصبح لدينا جثة صدئة ذهبت بها إلى مركز خدمة الصانع أذكره بكفالة ضمان تشغيله، فقرر خبراء الصانع أن مياه الشرب التى تدخلها الحكومة فى شقتنا وندخلها نحن فى بطوننا، هى مياه مليئة بالأملاح والرواسب أفسدت السخان وحولته إلى الجثة أمامنا، وحين أظهرت دهشتى، قال كبير الخبراء: أننى مستهلك كثير الشكوى ضالع فى مؤامرة تلويث سمعة الصناعة الوطنية، هكذا رأيت خبراء الصانع يضعون شروطا غير واقعية لاستخدام منتجاته، وحين وجدتنى محاصرا بخبراء يحلفون على جودة صناعتهم، وان حظى سيئ مع السخان الجثة، وأن برودة المياه تصيبنى بالجرب والحكة، وأننى مصرى محتاج للنظافة وتكبير الدماغ، اشتريت سخانا جديدا من نفس النوع ومن نفس الصانع وبمثل الثمن، وعدت إلى زوجتى حاملا السخان الجديد مع نصف كيلو كباب وكفته وعشرة قطع من الصابون.

تناولنا غدائنا حول السخان الجديد واكتشفت زوجتى أننا مصريان مظلومان، فبمثل هذا المعدل من الغش التجارى نكون قد دفعنا ثمن السخان مرتين والنصف مقابل صلاحيته للعمل لمدة خمس سنوات، ومن باب الظلم لشخصى الضعيف رأت زوجتى أن قلة البركة فى السخان راجع لكونى واحدا من ثلاثة، أننى لص ثري أغسل أموال جمعتها من حرام، أو أننى ضحية اصطادها تاجر لص يحتكر السوق ويغش فى تجارته، أو أننى مع ضعاف التجار وقعنا ضحايا لصوص أقوياء لا نعرفهم نحن الغلابة، رجال الحكومة وجمعيات رعاية المستهلك يعرفونهم جميعا، يشترون الذمم ويبيعون للجميع بضائعهم الفاسدة.

Sunday, May 10, 2009

دوابنا الثقافية



منذ قرون، اجتمع أصحاب الأمر من رجالنا مع بعض النّساء، وقرروا أن تحتل عائلتنا موقع التفاخر بين البشر، كان رجالنا أكثر التحاما بالطبيعة، يدبّون فى الأرض حفاة ويحتفظون بما يستر أبدانهم، فانعقد أمر تفوّقنا على امتلاك دابّة للركوب.

فى القرن الأول، كنّا نرحل فى الوديان وشقوق الجبال وراء الماعز، طلبا للمرعى وسعيا فى الخفاء وراء دواب الآخرين، فكانت الماعز هى دابتنا التى أبدعنا امتلاكها وركوبها، وبلغ صيت عائلتنا كل القفار، وانتشرت الأحقاد والدّسائس ضدنا، حتى أن كل الولاة أهملوا شكاوانا من هجوم الذئاب على دوابنا، فعاد رجالنا حفاة من جديد، لكن الرّائع أن المأساة لم تكتمل حين فرح كثير من فقرائنا بما فعلته الذئاب، ذلك بأن الماعز لم يركبها غير قصار القامة ممن أورثونا حنكة ضرب الأسافين وزرع الشقاق بين البشر.

فى القرن التالى، كنّا نرحل فى الوديان والصحارى وراء الجمال، طلبا للمرعى وسعيا فى الخفاء وراء دواب الآخرين، فكانت الجمال هى دابّتنا التى أبدعنا امتلاكها وركوبها، وبلغ صيت عائلتنا كل الفيافى، وانتشرت الأحقاد والدّسائس ضدنا، حتى أن كل الولاة تناسوا شكاوانا من هجوم الضّباع على دوابنا، فعاد رجالنا حفاة للمرّة الألف، لكن الرّائع أن المأساة لم تكتمل حين فرح كثير من فقرائنا بما فعلته الضّباع، ذلك بأن الجمال لم يركبها من عائلتنا غير طوال القامة ممن أورثونا قدراً من البلاهة والسّفه.

فى القرن الأخير، وصلنى بعض ما فعله أجدادى، فبعت كل ما ورثته من ماعز وجمال، واشتريت دابّة ثقافية يجرها النفط ومسحوق العبيد، وسعيت وراء أكل عيشى فى تجارة المماليك وأمراء القصور، وأقمت موائد طعام وكشوف بركة، يغشاها الشّحاذون وبعض الفقراء، ونشَرٌتُ مسارح وصالات دُعاء، يملأها روّاد المآدب وبعض صانعى القرار، وذاع صيتى لدى كل البنوك ومخرجى الأزمات، فترصّدنى الحسّاد وقاطعوا الطريق، حتى عرف النّاس أن ولاة أمورنا تحصّنوا مثلى داخل موائد من تبرير وأدعية فى مواسم الغفران من الفكر والبطولة.

الصورة لم تكتمل بعد، فمازال بين عائلتنا من يفكّر ويحمل رأيا وتعامله السّلطة على أنه حاسد وقاطع طريق، يدعو بالتّلف على أعمدة تحمل ثقافة عقلنا العربى، ويشيع بأنها دواب ثقافة لا تحمى غير ولاة أمورنا من بعض الشرر.

المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد 10 مايو 2009م

Friday, May 08, 2009

سيجار المقرود



بلغنى أن بعض الأثرياء فى مصر، يشربون قهوة غالية الثمن تسمى (كوبي لواك)، سعر الفنجان الواحد منها يتجاوز مائتين وخمسين جنيها مصريا، يتم إنتاجها بأخذ حبوب البن من مخلفات حيوان يشبه القطط يسمى (الزّياد) يأكل حبوب البن ويعيش في جنوب أسيا، تقوم أنزيمات معدة (الزّياد) بتخمير حبوب البن وتفكيك البروتينات الموجودة فيها وإعطائها نكهة خاصة، هكذا يتم جمع مخلفات (الزّياد) بعناية وتقديمها مشروبا للأثرياء والمترفين.

لهؤلاء المغرمين بالفشخرة أقدم نوعا من السيجار المناسب لهذه القهوة الرائعة لا يتجاوز ثمنه خمسمائة جنيه مصرى فقط، انه من اختراعى تذوقه بعض الصحاب من شباب قريتنا، واحتفظت أنا بسر صناعته، هو علاج مناسب للباحثين عن التعالى والغرابة والنشاز، انه سيجار (المقرود).

فى الماضى القريب، هى خمسون سنه خلت، كان لدينا حمار قوى أشهب اللون رمادى الذيل أسميناه (المقرود)، حمار أصيل يقبل التعاون ويرفض السخرة، حين يربت أحدهم على عنقه مع خبطتين حانيتين على الصدر فانه يبدأ العمل الجميل، يقدم خدماته للجميع حاملا الأثقال سائرا بين جنبات القرية تضرب أرجله القوية صدر الأرض بصوتها المميز، وحين ينهره أحدهم دون مبرر فانه يرفض السخرة ويبدأ العمل القبيح، يضرب الهواء برجليه الخلفيتين ويقفز ليلقى بكل أحماله على الأرض وينطلق بعيدا يتمرغ فى التراب ويثير الغبار معلنا انتصار إرادته، هكذا أصبح (المقرود) مثالا لشجاعة مطلوب توريث جيناتها.

إعجابى بحمارنا المقرود، وحاجتى للتدخين وإيمانى بتفاهة مطالب بعض الأثرياء، دفعتنى لاختراع نوع من الدخان أصنعه من مخرجات بطن (المقرود)، بعد وجبات البرسيم الحجازى اجمع من زريبة (المقرود) زبله البيضاوى المتماسك، أضع المحصول فى وهج الشمس سبعة أيام كاملة مع الرعاية والتقليب، وفى عز ظهر اليوم الثامن ابدأ عملية الكسر الحريص لجدار كل زبلة جميلة واخرج منها بقايا البرسيم الناشف المخلوطة بأنزيمات معدة (المقرود)، هذه البقايا أخلطها بنسب معينة مع دخان سجائر قديمة وأوراق ملوخية ناشفة، أضع الجميع فى أوراق كراريس بيضاء وأصنع السجائر بمقاسات محسوبة، هكذا أقمت مع أصدقاء الصبا ولائم تدخين بهيجة بعيدا عن عيون الآباء والأمهات والعقلاء أجمعين.

وما زالت آلاف الحمير المقرودة فى بلادنا قادرة على تقديم خدمة هذا السيجار للمغرمين بالفشخرة.

Sunday, May 03, 2009

أصدقاء جدد



دروب حياتى الرائعة أوصلتنى إلى علاقة نصف صديق ونصف عدو أقمتها مع موظف حكومة أحيل إلى المعاش، على مدى شهور نهرب سويا فى الصباح من طلبات الزوجات ونلتقى عند عربة الفول المدمس الرابضة على رأس شارعنا العامر، نتناول إفطارنا أطباقا من الفول والبصل وقصص الثورة والأولاد وفساد الأنظمة، ونعود لمنازلنا حاملين متعة الغيبة والنميمة مع أكياس الفول والطعمية والخبز الطازج.

صباح أمس وفى وسط شارعنا لقيت الرجل يهم فى سيره متجها إلى عربة الفول، مشيته لا تخفى آلاما يعانيها فى الساقين ومشيتى لا تخفى آلاما أعانيها فى الظهر واليدين، وحين لحقت به أخبرته بأننى أصبحت مثله عجوزا على المعاش، فقال مهنئا كنصف صديق: أحسن يا راجل، الحرية جميلة، فجأة استدار نحوى يهز وسطه ويطوح بكفه اليسرى ويخرق بإصبعه الوسطى هواء الكون المحيط بنا، وواسانى قائلا: بلا حكومة بلا قرف، المهم الصحة يا راجل، وحين طأطأت رأسى موافقا وشكرته كنصف صديق اقترب منى كنصف عدو يتحسس صلاحيتى للحياة، حط عينه فى عينى ووضع يده اليسرى على خصره ثم مال بأذنه نحوى وسألنى بصوت واطئ متآمر: صحتك تمام التمام؟ لم يترك لى فرصة للرد على سؤاله وأسرع يهز وسطه وصدره ويطرح كفيه ورسغيه كراقصه شعبية، ثم لوح بقبضه يده اليمنى وغمز لى بعينه اليسرى متسائلا بصوت فاضح: أنت متأكد أن صحتك تمام التمام يا باشا؟ مرت لحظات التقطت فيها أنفاسى من متابعة حركاته وأجبته باعتبارى نصف عدو: الصحة تمام التمام، وعاوز أتجوز.

صوب الرجل عينيه داخل عينى ووضع سبابته مشيرا إلى وجهى ثم مط وجهه كنصف صديق ونصف عدو وطرح على سؤالا عبقريا من شطرين بينهما وقفة ماكرة: قل بصراحة أنت عاوز تتجوز، وإلا أنت عاوز تتجوز؟.

هكذا أحاطتنى نظرات نصف الصديق ونصف العدو وانثناءات خصرهما وتهكماتهما فقررت أن أرفع عقيرتى بمجون التحدى قائلا للجميع، آه عاوز أتجوز.

نظر نصف العدو إلى عينى وانفتح فمه عن ابتسامات تتشفى بمعرفة الأسرار، ودون أن يترك لى فرصة الإجابة على الشطر الأول من سؤاله المحرج أو مجرد التفكير فى معنى شطره الثانى، باغتنى بالالتفاف حولى ووضع أصبعه الوسطى فى جنبى ودغدغنى قائلا: آه منك يا لئــيم.

Monday, April 27, 2009

مطلوب عروسة

ليست مشكلة أن يصبح أبناؤنا أباء ينسلون، هى مناورات من الأهل والجيران والطامعين ممزوجة بحزن وأمل وفرحة وتلبية احتياجات متبادلة يمكن للابن معها أن يصبح أبا رائعا طيبا وصبورا، المشاكل تبدأ حين يسعى الأب فى البحث عن عروس مناسبة لابنه الفحل.

حين بلغ إبنى عمر الفحولة الكافى لأن أصبح أبا لعريس محتمل، يضرب نسلى فى الأرحام أحفادا يملأون المستقبل عزة وفخارا، أعلنت بين الأهل والجيران والطامعين رغبتى فى أن أصبح جدا، ولأن أحفادى فى ظهر الغيب عظماء، استظرفت من أجلهم سماجة هذا الصديق، ورضيت غباء ذلك الجار، وبررت سلوك تلك الطامعة، وطال صبرى على من يتحفنى بآرائه فى زواج بنات الأصول.

داخل سيارتى الرائعة جلس صديقى يسكب على مسامعى أن البنات كثيرات على قفا من يشيل، وأن الزواج من بنات الأصول أمر ميسور، فثلاثون ألف جنيه مصرى هى شبكة معقولة، وتسعون ألف جنيه هى فرش ثلاث حجرات فى شقة الزوجية، مطبخ وصالون وأنتريه، وعشرون ألفا هى حفلة فرح على الضيق، إذن الحسبة بسيطة، قل هى مائة وخمسون ألف جنيه يتكلفها العريس، بشرط امتلاكه لشقة مناسبة، أما العروس فتتحمل ما تبقى من نجف ومراتب وستائر وفوط لزوم حجرة النوم ولزوم إنتاج الأحفاد، ولا بأس أن يزيد صاحب الفضل من سعته.

ظل صديقى يسكب فى سيارتى آراءه عن زواج بنات الأصول، وظلت سيارتى تترنح على الطريق نحو منزله المحشور بين منازل المصريين، وحين بدأ يعيد آراءه رأيتنى أعيد حساباتى وأنظر إلى ربطة عنقه الطويلة تمهيدا لارتكاب جريمة خنق مع تكسير جمجمة، وفى لحظات تقدير لحجم الفاجعة تحسست الشارع والمارة فاصطدم بصرى بعشرات من العابرات سبيل الأنوثة، فأعلنت لصديقى أن أكثر من ستة ملايين فتاة مصرية دخلن سن العنوسة، وأن ابنى فحل من النابهين، وان أكثر من ستين فى المائة من الأسر لمصرية تعيش فى حجرتين، يأكلون فى صحون من البلاستيك وعلى طبالى من أوراق الجرائد، وأن كيلو لحم الغنم الشهى لا يزيد على خمسين جنيها، فلا يعقل أن تزيد ثمن العروس من بنات أصوله على ألفي جنيه.

أيها الرجل غادر سيارتى سالما، وأحذر غضب الفحول منا ومن الأبناء فعرائسك أكثرهن من المتردية والنطيحة وما رفس الجحش.

ردود على المقال

هذا المقال نشرته على مجموعات بريدية على النت أشترك فى عضويتها
ومن بينها جماعة 9 مارس المهتمة بمشاكل استقلال الجامعات المصرية
أظهرت تعليقات على مقالى من بعض أعضاء الجماعة كم نعانى من تخلف ثقافى بين أساتذة جامعاتنا
غالبية أساتذة جامعاتنا تعايش ضعفا حسيا فى التعامل مع اللغة العربية وتعيش ضحالة اغتراب فكرى

كان تعليق إحداهن وهى أستاذه فى كلية الآداب هكذا:
يا أبا الفحل، ابحث عن عروسة لابنك الفحل بعيدا عنا وعن مجموعتنا البريدية.
وعلقت أستاذة فى الجامعة الأمريكية على المقال بلغة إنجليزية
ورأت فى المقال نصا يتضمن تعبيرات إباحية قامت بتحديدها باللون الأصفر

فكان على أن أمد رجلى كالشافعى فى وجه من يدعون الثقافة ويمثلون احدى حلقات صناعتها
وسطرت الرد التالى :

من المؤكد وحفاظا على الأنساب نضعها، نحن آل العدل، فى المحصنات من القوارير
فإننى كما ذكرت فى مقالى أعلاه
إننى لا ابحث عن عانس أو نطيحة أو متردية لتصبح عروسا لابنى الفحل
ومن المؤكد أيضا أن هذه المجموعة الموقرة هى خليط راقى من المتزوجين وقل بينهم العوانس
فلا يصلح أمرى فى طلب عروس بين أفراد هذه المجموعة الموقرة
الأمر ببساطه إذن
إن مقالى أعلاه هو إشهار لفحولتنا، نحن آل العدل، بثثته بين هذه المجموعة وبين مجموعات أخرى كثيرة
فقد يغار بعض من أوردتهم السنون أبواب المهالك، يحرثون ولا ينسلون، وصاروا بركة طيبين
يغارون فيدعوننا كى نقوم بواجبنا، نحن آل العدل، فى إنتاج وتحسين النسل البشرى
أخيرا إلى من لا يدركون جمال الكتابة الأدبية فى مقال صحفى ذو توجه اجتماعى
أقول
أنا لست فقط أبا لفحل واحد بل هم كثير، ذلك بأننى فحل عظيم وما زلت أعمل بكفاءة

عند ذلك قام دكتور من المجموعة وكتب فى تعليقه:

أنا كعضو في المجموعة أو جنرال كما يتخيل د. ياسر العدل في كتابته السمجة
أعبر عن رأيي أحياناً في الرسائل التي لا تتعلق بنشاط المجموعة
مثل مقالات د. ياسر العدل التي لا أرى فيها بالمناسبة أي قيمة صحفية أو أدبية

وحين ظهر لى أن كثرة من أساتذة الجامعة يحملون أدمغة صدئة وحس إبداعى منخفض
أصبح لائقا أن أتوجه بحديث عام عن المقال وللجميع

أخى الفاضل وأختى الفاضلة أعضاء المجموعة

إذا كان بعض أساتذة الجامعة لا يتذوقون أدبا رصينا،
فهم لا يدركون أن مقالى أدناه هو مقال صحفى بامتياز
يتناول مشكلة الزواج بلغة عربية راقية وإحاطة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية
أما عن رفض هذا البعض من نشر مقالاتى على المجموعة
الأمر أبسط كثيرا
بالتأكيد أن لهذه المجموعة مدير يمكنه رفض الرسائل وتنقيتها
إن فعل فسيريح بعضهم ويريحنى أيضا من تعسفى فى الرد عليهم
فى النهاية
أرى أن الشعوب المتخلفة يختص أفرادها بإغفالهم سماع الموسيقى، إنها حرام
لا يستملحون الأدب إلا إذا كان ذكرا، انه تذكرة

هنا تدخل دكتور آخر وكتب لى:

أين الرصانة يا سيدى فى هذا الكلام الغليظ عن الفحولة والنسل والجنس؟
وهل الزواج عندك محصور فى هذه المعانى المكشوفة التى تعتمد على الحس الغرائزى الخام؟
ثم كيف تتهم من لا يتذوقون أقوالك الفجة بالتخلف؟

هكذا ظهر لى من يركب موجة الهجوم دون تفكير فرددت عليه فى خطاب خاص

أيها الفاضل
من يحمل مثل فكرك وطريقتك
فى قراءة تتابع النصوص، مقالى وما تلاه من رد عليه من دكتورة الآداب
فأنا أرشحه لكى يكون مسئولا كبيرا عن الأدب الرصين فى بلادنا
مسئول لا يقرأ التتابع ويطرد الأفكار المحورية
وتكفيه القشور كى يمتشق حسام القيم المرعية

وأنهيت النقاش برد أخير ألقيته على الجماعة هو التالى:

لست هنا بصدد تقييم مقالى المسمى أعلاه مطلوب عروسة
لكن بعض أعضاء المجموعة تناوله بتقييم غير موضوعى
أحدهم تطوع بسريع نقده ووصفه بالسماجة
إحداهن علقت عليه باعتباره مقالا إباحيا يخدش حياءها كأنثى وكإنسانه
كان تعليقها بلغة غير عربية
أحدهم تصور أننى كاتب يفرض مقالاته على قرائه بخدمة توصيل إجبارية
وأحدهم تصور أن أمره يشغلنى لأعتقد انه خفير أو جنرال
كل هذه التقييمات غير الموضوعية من سماجة، إباحية، إجبار على القراءة، تضخم الذات
كلها عداءات لا أقبل بها تنقلنى إلى حالة من الشراسة أفرغها فى وجه الساذج والإباحى ومتضخم الذات
ذلك أننى أرى نفسى مسئولا عن كتاباتى
فكما أننى أحاول إلا أقع بها فى محظور لغوى أو اجتماعى أو أخلاقى
فإننى أيضا لا أترك للسائمة فرصة الإفلات بتقييمهم الضحل لها
مرة أخيرة
أنا لست بصدد تقييم كتاباتى
أنا فقط أتعسف جدا فى الرد على أقوال جاهل ولا يعلم انه جاهل
د.ياسر العدل

Sunday, April 26, 2009

مواسم التطهير


فى بعض مواسم التطهير من الجرائم وفى بعض المناطق تنشط أدوات الشرطة فى القبض على الخارجين على القانون، تفتش الأرض والسقوف والمنازل والجيوب، ويتم القبض على العشرات من المشتبه فيهم، وحين تخبو طبول مواسم التطهير، تهدأ المعمعة ويدخل بعض المقبوض عليهم فى محابس تحت سيطرة الشرطة فى سجن مغلق أو فى متابعة مكشوفة، هكذا يكون التمهيد لإعادة القبض عليهم وقت الحاجة لتسوية جرائم لم تستدل الشرطة على مرتكبيها.

كثير من المجرمين يعيشون أحرارا يروعون الناس ويفسدون فى الأرض، الناس تعرفهم والشرطة تعرفهم ولا تنالهم يد القانون، يتعاملون مع الشرطة كأنهم أصدقاء قدامى، الشرطة تتحرك تجاهم لتنفيذ حالات موسمية ترتبط بتنفيذ سياسات فردية محددة، هى ترقية هنا أو منصب هناك، هكذا يتربى شعور لدى الناس بأن الأمور غير منضبطة، ويحاصر الجميع إحساس بأنهم مشاريع جاهزة لحالات اشتباه تديرها الشرطة، ذلك بأن إغماض الأعين عن الجرم المشهود إنما هو مساومة يمارسها لصوص يتبادلون المواقع.

كلنا يعرف جناة من كل نوع، ويعاشر خارجين على القانون فى أكثر من نص، كلنا يخالط زوجات وأولاد وأقارب وموظفين وتجار وفنانين وطلاب علم وأساتذة جامعات وصحفيين، لكن الخوف القاتل كامن فى صدورنا من سطوة الجناة ونوم القانون وفساد الذمم، وهشاشة ضعفنا الإنسانى يضعنا فى دوائر خوف دائمة بأننا فى وقت ما صالحون لأن نكون جناة من نوع ما.

نظرا لطبيعة ضعفنا الإنسانى وخوفنا المبرر وتعثرنا السياسى فى تناول قضايا الحرية، نرضى لأنفسنا ما نرفضه لغيرنا، نستدرج كل القوانين لتخدم مصالحنا، نطرح أنفسنا أمام المجرمين وأمام الشرطة كلعب صالحة للاستخدام فى مواسم توريد الجناة لقضايا الناقصة أو محتملة.

لا سبيل أمامنا للهروب من دوائر الخوف غير الإمساك بأدوات الحرية، حرية الفكر بالعلم، وحرية الإرادة بالوعى، وحرية الفعل بالديمقراطية، كل هذه الحريات يحتاج تطبيقها إلى أدوات علمية تساعدنا على الفصل بين الجناة باعتبارهم موضوع اتهام للشرطة وبين الشرطة باعتبارها أداة لتنفيذ أحكام القضاء وبين القضاء باعتباره أداة لكشف للعدالة، نحن بحاجة إلى مناهج علمية ترفع الوعى لدى الناس ليدركوا طبيعة حرياتهم، فلا يخيفنا الجانى الشرس ولا يسجننا الشرطى القبيح ولا يفصل بيننا القاضى الضعيف.
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد 26 ابريل 2009م

Sunday, April 19, 2009

أزمتنا الثقافية


نحن المصريين نعانى من أزمة ثقافية حادة، فعقلنا الجمعى يفتقد المعايير الموضوعية للحكم على القيم، ويقنع بأحكام شخصية تمليها الأساطير والخرافات والتجارب الفردية، وعلاقاتنا المتبادلة مع أنفسنا ومع الغير تحكمها شريعة الغاب، القوى يأكل الضعيف، ومنطق القبيلة يسيطر على فكرنا الفردى فتموت الإبداعات الفردية وتتقلص طموحات الجماعة، أسباب هذه الأزمة ترجع إلى عاملين، أولهما ضعف تواصلنا مع مصادر الفكر المؤثر حضاريا، وثانيهما ضعف الأداء فى العناصر الفاعلة لثقافتنا.

يرجع ضعف مصادر فكرنا المؤثر حضاريا إلى انعزالنا الموضوعى فى التعامل مع العالمين القديم والحاضر، فتناولنا للعالم الماضى يقتصر على أوعية ثقافية قديمة نسحب منها معلومات بدائية غير منقحة حضاريا، وتناولنا العالم الحاضر تنقصه فاعلية البعثات العلمية ومهمات التبادل الثقافى مع الآخرين، هكذا تصبح مصادر ثقافتنا المعاصرة بناء من هشيم.

والعناصر الفاعلة للنشاط الثقافى ثلاثة، أولها إنسان يرسل معلومة، وثانيها إنسان يتلقى نفس المعلومة، أما الثالث فهو نقل المعلومة عبر أدوات صالحة لنقل نفس المعلومة، وضعف هذه العناصر يجعل ثقافتنا مشوهة يختلط فيها الموضوعى بالشخصى والحقيقى بالأسطورى، هكذا تنتشر فى ثقافتنا آليات تقديس الأفراد وتغيب عن أدمغتنا طرق الحلول الحضارية لما نواجهه من مشاكل.

بلادنا ليست فقيرة فى إمكانياتها المادية، فجامعاتنا ومقار الأحزاب والمقاهى ودور العبادة والمصانع، تستخدم موسميا لإلقاء المواعظ والتسامر والحملات الانتخابية، وبهذه المقار يوجد أكثر من مكان يصلح لأنشطة المسارح ودور العرض السينمائى وقاعات المحاضرات، إنها أماكن يمكن توظيفها لتفعيل النشاط الثقافى بين جموع المواطنين بدلا من غلقها واقتصار دورها على تلقين البسطاء أدعية الصبر وشكر أصحاب النعم.

فى بلادنا كثير من القادرين مادياً على التبرع لتبنى أنشطة ثقافية مختلفة، من باب الإيمان بضرورة التقدم أو من باب الكسب المادى أو من كلا البابين معا، ويمكن توجيه التبرعات لإقامة فرق ثقافية تعيش فكريا وماديا على أرض الواقع، فرق لا يقتصر وجودها على مجرد التسجيل فى أوراق حكومية، ولا يخشى العاملون عليها فكرة السعى نحو التنوير.
الطريق واضح لتجديد ثقافتنا الوطنية، الخنوع يجعل الإقدام على التنوير أمرا عسيرا، والوصول إلى ثقافة حية لشعب متحضر أمر دونه الكثير من الجهد والأسى والشوق الجميل.
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى – الأحد 19 ابريل 2009م

Saturday, April 18, 2009

رقصة واحدة

فى يوم موعود ظهرت إشارات واضحة على أننى مقبل على وليمة كبيرة، ترص فيها اللحوم وتتراقص فيها المشروبات، ذلك بأن اجتماع مجلس كليتنا الموقر هو الاجتماع الأخير فى ذلك العام، وأننى عضو فى هذا المجلس، وأن إدارة الكلية ستكرم زملاء من هيئة التدريس فازوا بجوائز صورية من الجامعة بغض النظر عن كفاءتهم العلمية، وأن رئيس الجامعة ونوابه سيحضرون للكلية لافتتاح مبنى حديث يحمل اسم رئيس الجامعة، هكذا رأيت الوليمة الكبيرة غداء شهيا يصل بى إلى الشهرة ويساعدنى على التخلص من العمداء والزملاء، فالأكل مع صناع القرار ملئ بالعظمة والشهرة، بغض النظر عن كونه أكلا مشوبا ببرودة العلاقات الوظيفية ومطعّما بالنفاق وتسليك المصالح.

فى قاعة كبار الضيوف، لم أكترث بمصافحة عميد الكلية، فقد نجحت فى مصافحة من هو أعظم شأنا، انه نائب لرئيس الجامعة ابتسم لى فزاد يقينى بدعوتى لحفل الغداء الفخيم، وحين شرفت القاعة بدخول رئيس الجامعة الأعظم شأنا من الجميع، تركت نائب الرئيس جانبا واندفعت بجسدى بين جموع المستقبلين واحتضنت رئيس الجامعة بود ظاهرا للجميع، فداعبنى الرئيس بود مسموع للكبار، وأيقنت بأننى سأجلس بجوار فخامة الرئيس على مائدة الطعام.

انتظم ركبنا خلف رئيس الجامعة، موظفين ورجال أمن وموظفات ومصورين، وسرنا على سجاد تحيطه أكاليل الزهور وضع خصيصا ليحدد للضيوف طريق العبور بين منشآت الكلية، وفى الوقت المناسب قام موظف بتحريك بعض العاملات المحتشدات فى الأركان فأطلقن زغاريد مبحوحة مع أدعية بالستر والصحة وبلوغ الأمل، وفى نهاية طريق السجاد أعلنت احدى الموظفات أنها على استعداد لتملأ الدنيا بهجة وزغاريد مقابل أن يمنحها رئيس الجامعة مكافأة نصف شهر من راتبها، وحين سمعها موظف كبير أسر فى أذنى انه لن يرض بأقل من مكافأة شهر كامل مقابل زغرودة واحدة ورقصة ماجنة.

فى قاعة الطعام الواسعة قررت الجلوس على مائدة رئيس الجامعة، قاصدا أن تلحقنى نظراته بالعطف والرضا، وأظهرت له حبورا وانتشاء بكل نكاته ومداخلاته، مر وقت حلمى بالمناصب جميلا، وحين اكتشفت على ألسنة الجميع أن الاحتفال عقد لتكريم رئيس الجامعة بمناسبة انتهاء فترة رئاسته الحالية، ضاقت القاعة عندى وجف الطعام لدى وصدعنى سخف نكات ومداخلات رئيس الجامعة، وهاجمتنى آلام المعدة والتنفس، ووجدتنى أعود إلى منزلى دون منصب جديد أو شهرة مدوية.

Monday, April 13, 2009

عزب ثقافية


لأن مصر بلد كبير يتمتع بالاستقرار عبر الجغرافيا والقدم عبر التاريخ، أصبح سهلا على حكامها أن يضعوا مؤسسات قوية تكرس لبقائهم وتقاوم فكرة تداول السلطة مع الآخرين، هكذا يتحول نشاط وزارات الإعلام والثقافة والصحف الحكومية فى مصر المعاصرة إلى عزب ثقافية تصنع من الحاكمين ملوكا وكهنة قديسين.

نشاط وزارة الإعلام يعتمد نظريا على أن الكلمة المثقفة تصنع وعيا حضاريا، وعند التنفيذ تستعين القنوات الإذاعية بمذيعين ينفرون من ثقافتنا القومية ويتهربون من وقائع حياتنا اليومية، ويقوم معدوا البرامج بمفاوضات للتعرف على المسموح به والمسكوت عنه إعلاميا، هكذا فى الوقت المناسب تظهر على شاشات العرض العام قوافل ثقافية تضم مذيعين مدربين يمسكون بمتحدثين مروضين ليرقص الجميع حول موائد طعام فكرى حامض، وتتحول وزارة الإعلام إلى عزب خاصة تشيد بعصمة الحاكمين.

نشاط وزارة الثقافة، يعتمد نظريا على أن الدولة القوية تصل جمهورها بالفنون الإبداعية، وعند التنفيذ تصطدم وزارة الثقافة بضعف الإمكانيات المادية والفنية، فهيئة قصور الثقافة فى حاجة لأكثر من اثنين مليار جنيه لتحسين البنية التحتية لقصور الثقافة القائمة، ونسبة المتفوقين دراسيا والمبدعين فنيا فى مجالات وزارة الثقافة لا تزيد عن خمسه فى المائة بين العاملين، وفى الوقت المناسب تنطلق قوافل إدارية تنشر إنتاجها فى المسارح والمعارض والاحتفالات تصاحبها وفود إعلامية تضم أشباه صحفيين ونقاد يجمعون بدلات السفر وينتقدون موائد الطعام، هكذا يتقلص نشاط إدارات الثقافة على تقديم عروض فقيرة ثقافيا لجمهور مغيب حضاريا، وتتحول وزارة الثقافة إلى عزب خاصة تشيد بعصمة الحاكمين.

نشاط الصحف الحكومية، يعتمد نظريا على أن الصحافة سلطة رابعة لصنع القرار فى يد المواطنين، وعند التنفيذ تقوم ماكينات الطباعة فى مصر بإخراج أكثر من خمسمائة صحيفة ومجلة ومطبوعة شهريا، تمتلئ بكتابات صحفية دون مستوى الوعى الثقافى اللازم لصناعة التقدم فيتفكك الانتماء العام وينحسر عدد قراء الصحف فى مصر دون المليون ونصف المليون قارئ، بنسبة لا تصل إلى اثنان فى المائة من عدد السكان، وتتحول الصحف الحكومية إلى عزب خاصة تشيد بعصمة الحاكمين.

هكذا فى عصور الملوك الكهنة، يدفع المصريون الضرائب والإتاوات من أجل تجهيز عزب ثقافية تكرس مركزية الدولة وتدعم دكتاتورية الحكم، ويتباكى الجميع على قتل الانتماء للوطن.

Sunday, April 12, 2009

أطلس الفلكلور المصرى


نحن المصريين، عشنا آلافا من السنين فى كنف حضارتنا الفرعونية، ونعيش فى مزيج حضارى تصنعه الديانات السماوية منذ مئات السنين، وطوال تلك الحقب ترسبت فى وجداننا عادات وسلوكيات شعبية جسدت أجزاء أصيلة فى شخصيتنا المصرية يجمعها موروث واحد هو الفلكلور الشعبى المصرى.

فى سعينا لإثبات وجودنا بين الأمم علينا تفعيل ذاكرتنا الحضارية وتزكية انتمائنا القومى بموروثاتنا الشعبية، هذا السعى يتطلب منا خطوتين علميتين، الأولى أن نبنى أطلسا للفلكلور الشعبى المصرى يحمل إطارا علميا منضبطا لتجميع وتوثيق وحماية بيانات مأثوراتنا الشعبية، والخطوة التالية تتمثل فى بناء آليات التفسير العلمى لبيانات الأطلس بقصد تحويلها إلى معلومات قابلة للتداول تشرح لنا وللغير مكونات شخصيتنا المصرية.

المشكلة فى إعداد الأطلس المصرى أنه نشاط تابع حاليا لوزارة الثقافة، وبالتالى فإدارة الأطلس تحكمها قوانين الإدارة الحكومية فى التمويل والتعيين والترقيات، صحيح أن هناك لجان علمية متخصصة تشرف على العمل، لكن بيروقراطية العمل الإدارى تعوق انجاز الأطلس فلم ينته إعداده منذ سبعينات القرن الماضى حتى الآن.

إن إنشاء أطلس للفلكلور الشعبى المصرى يعتبر مهمة قومية تتطلب أن نوفر لها الإمكانيات اللازمة، لذلك فإننا نقترح أطر العمل التالية:

أولا: أن يدعم الأطلس بكوادر علمية، من حيث المخصصات المالية والإدارية، تتبع جهة أكاديمية مثل الجامعة أو مراكز البحوث المتخصصة، ونحن لدينا كثير من الأقسام العلمية فى جامعاتنا تدرس الفلكلور، ولدينا علماء يمكن توظيف إمكاناتهم البحثية، ولدينا طلاب صالحين لتكوين أجيال تالية من المتخصصين.

ثانيا: أن تقوم الدولة بجهد إعلامى يسعى لتشجيع الأفراد والمؤسسات على التبرع للأطلس، يمدونه بالبيانات الأولية وبالتجهيزات المادية اللازمة، على أن يكون التشجيع متمثلا فى إعفاءات ضريبية، وبدائل مادية وأدبية ترفع من شأن التبرع للمشاريع القومية.

ثالثا: أن يتم التعامل مع هيئة الأطلس باعتبارها نواة لجهة علمية متخصصة، تقوم على دراسة الفلكلور المصرى، وتمد نطاقها العلمى نحو الدراسات المتصلة، وتدعم نشاطها بالبعثات الخارجية، والزيارات العلمية للباحثين فى مجال الفلكلور.

ويبقى فى الحسبان أن جمع الفلكلور المصرى، تدوينا ودراسة، إنما هى مهمة قومية يجب أن نشارك فيها جميعا، نحن المصريين، قاصدين التمسك بمبررات علمية تضيف لوجودنا ثباتا متميزا على الأرض يبعث على التعاون بندية مع الآخرين.
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد 12 ابريل 2009م

Tuesday, April 07, 2009

مصرنا . . مخترقة


بعض المراقبين المعاصرين يرون أن مصر إناء كبير يضج بغليان ثورة شعبية وشيكة، ففقر الأداء السياسى والجوع الاقتصادى وتآكل المواطنة يحاصر الجميع، لكن القراءة الموضوعية للواقع المصرى تصل إلى نتائج مغايرة تجعل فعل التغيير صعب المنال.

فى مقابل الجوع الاقتصادى يوجد نسيج اجتماعى غير متجانس لا يقوى على التمازج، فالطبقات الاقتصادية المصرية غير متواصلة اجتماعيا، طبقة ثرية مرفهة يقل حجمها عن عشرة المائة من السكان، وطبقة عريضة تصل إلى أربعين فى المائة من السكان تعيش دون خط الفقر الاقتصادى، وطبقة يمثلها نصف السكان تعيش بالكاد حول خط الفقر الثقافى، هذا الوضع الطبقى الاقتصادى الاجتماعى السيئ جعل المصريين يعيشون أنيميا ثقافية وفكرية حادة، وجعل من مصر كائنا مخترقا مفتوحا لتجارب الآخرين.

فى مقابل فقر الأداء السياسى تحمل الغالبية من النخب المصرية شتاتا فكريا وثقافيا هزيلا غير مصري الجذور لا يتصارع حضاريا وإنما يتكلس داخل أطر مغلقة تحول دون الفعل السياسى الجاد.

فى مقابل تآكل قضية المواطنة تتصارع آليات الانتماء بين أصحاب حزم فكرية متناقضة، فمن داخل مصر تعيش الجماهير وعيا سياسيا منقوصا ومشوشا نتيجة احتكار الدولة لآليات الفعل السياسى، ومن خارج مصر تتطاير أفكار متناقضة بين أقباط مهجر يضيقون الخناق على أهل مصر ليعيشوا فى تاريخ مضى وبين إخوان بترول يلغون وجود مصر فى تاريخ معاصر، وبين عبيد تدميهم أسلاك الكفالة والنخاسة والسباحة غرقا فى أفلاك البحر فلا يهتمون بغير تاريخ أسيادهم، هذه الحزم الفكرية يعانى أصحابها من هوانهم على الناس خارج مصر ويسعون لاسترداد قوتهم فى سوق الفقراء داخل مصر، يتنابذون بالأقوال فى التمييز الدينى والطائفى، ويتشدقون بنقاء العنصر والانتماء العرقى.

وفى طريق البحث عن منهج فكرى لتقدمنا، يشقينا فعل أناس يدعون أنهم المندوبون وحدهم عن السماء وأنهم وحدهم الناطقون بالحق، لا يرون أن السماء فوق الجميع وأن الأرض ملك للجميع، إنهم يمارسون التمييز بين البشر، هذا مؤمن لهم وذلك كافر بهم، المؤمن لهم نصف مقدس والكافر بهم مشروع قربان للآلهة، إنهم لا يعترفون بحق الإنسان فى المواطنة ويشترون بآيات الحكمة ثمنا قليلا.

هكذا نحن المصريين، نعانى تخلفا اقتصاديا وعلميا وثقافيا، جموعنا عمال تراحيل تسكن العشوائيات وتشقينا فعله الحصول على طعام اليوم، وتحولت لدينا ثقافة التغيير من فعل الثورة إلى فعل الصياح.

Sunday, April 05, 2009

أرضنا الخضراء


السفر نهارا بالقطار عبر وادى النيل من الإسكندرية حتى أسوان يصدم المشاهد بتنوع اللون الأخضر من حيث الدرجة والكثافة والاتجاه، فالأرض الزراعية المصرية مفتتة تماما، هى فى الأغلب الأعم جمع من وحدات زراعية صغيرة تبدأ مساحتها من أمتار قليلة على طرح النهر والترع والمصارف وتتصاعد إلى مساحات تقل عن الفدان الواحد، هذه الوحدات الزراعية المتلاصقة يتم إجهادها فى إنتاج محاصيل متباينة، وتبتعد مساحاتها كثيرا عن المساحة الاقتصادية للوحدة الزراعية.

تفتيت أرضنا الزراعية المصرية له عواقب اقتصادية سلبية تتمثل فى انخفاض خصوبة الأرض نتيجة إجهاد المساحات المتلاصقة والمتماثلة فى تكوينها الطبيعى بزراعة أكثر من محصول فى نفس الموسم، بما يلزمه من معالجات كيماوية وتسميد صناعى لاستعادة ما يضيع من الكفاءة الزراعية، وعواقب اجتماعية تتمثل فى الازدحام السكانى للبقاء بجانب الأرض الموروثة وعدم الرغبة فى المغامرة المحسوبة باستزراع أراض جديدة.

أصل تفتيت الأرض الزراعية فى مصر يرجع لطبيعة المنهج والثقافة الاجتماعية السائدة فى تطبيق مبادئ الميراث الشرعى، فالغالبية العظمى من صغار الفلاحين يخشون الحكومة ولا يثقون فى آلياتها المنتشرة من بنوك وجمعيات تعاونية وشركات تسويق، تمارس فى ظاهرها إدارة اقتصاد نظرى حديث يعتمد على النقود وتوزيع العمل حسب الكفاءة والإدارة الاقتصادية لكنها فى واقعها لا تستطيع تغيير نماذج إدارة اقتصاد واقعى متخلف يعتمد على المقايضة وتوزيع العمل وفقا لأخلاقيات التعاون الجماعى.

منذ عصر الفراعنة وحتى نهاية عصر محمد على، وعلى مدى خمسة آلاف سنة، كانت الأرض الزراعية المصرية ملكا مشاعا للقبيلة ثم الدولة ممثلة فى الحاكم، وكانت علاقة الفلاح بالأرض علاقة إنتاجية اقتصادية، الفلاح مسئول عن فلاحة الأرض وولى الأمر مسئول عن توزيع فائض العمل من الأرض الكبيرة، هكذا استطاع المجتمع المصرى حشد قواه لبناء والمعابد والأهرامات والمصانع والقناطر الخيرية.

من المؤكد إن هناك طرقا علمية للاستفادة المثلى من خصائص توزيع الأرض الزراعية فى مصر، أحدها يقوم على إعادة النظر فى أحقية مالك الأرض فى تفتيت أجزائها طبقا للشرعية الدينية والاقتصادية وذلك بتحويل هذه الحقوق إلى ملكية أسهم نقدية فى القيمة المشاع للأرض الزراعية، فهل لدينا من الفقهاء وأصحاب القرار من يسعى للمحافظة على المساحة الاقتصادية للوحدة الزراعية.
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد 5 أبريل 2009م

Tuesday, March 31, 2009

ذكريات أسوانية



منذ أربعين سنة تقريبا انتهى بناء السد العالى جنوب مدينة أسوان، تحديدا سنة 1970م، وانتهت ثلاث سنوات قضيتها موظفا فى بناء هذا السد، كان عدد سكان مصر وقتها حول الثلاثين مليون نسمة، وكانت مدينة أسوان قليلة السكان تعتمد حياتها على نشاط خمسة وعشرين ألفا من العاملين فى السد العالى ونشاط عمال مناجم الحديد والعاملين فى مجال السياحة، كانت أسوان أرضا لتنوع الإنتاج الاقتصادى.

منذ أيام استضافتنا وزارة الكهرباء كمجموعة من قدامى العاملين بالسد العالى فى رحلة لزيارة أسوان، رحلة حج لجمع من الشيوخ انتظم خيط تواصلهم عبر جمعية بناة السد العالى، فى كل موقع زرناه أطلت علينا ذكريات ما قبل الأربعين سنة حول السد العالى.

هنا حدث تفجير داخل نفق بالجبل فانهار جزء منه واستشهد تحت الصخور حوالى العشرين من العاملين وحين علم المهندس صدقى سليمان وزير السد العالى بالخبر نزل فورا إلى موقع التفجير وأقام صلاة الجنازة على الشهداء ثم تقدم الرجل العاملين إلى داخل النفق وواصلنا العمل، هنا تم تركيب أول توربينة لتوليد الكهرباء يزيد وزنها على ألف وخمسمائة طن، هنا وبإرادة سياسية أتت سيارات النقل الانجليزية لتنافس سيارات النقل الروسية تحمل الواحدة منها خمسة وعشرين طنا من الصخور، هنا أكلنا وشربنا فى البيت النوبى بمناسبة زواج زميلنا شحاتة من فتاه نوبية، هنا ودعنا محمد صالح فى سفره إلى أبو سمبل جنوب أسوان بثلاثمائة كيلومتر عبر بحيرة السد وطلبنا منه أن يأتينا بسمك وتمساح صغير، هنا فى قصر الثقافة سمعنا أشعار حجاج الباى وقصص محمد مستجاب ومسرحيات على سالم، هنا أكلنا وجبة الغداء فى مطعم صحارى بخمسة قروش، هنا اشترينا كيلوا اللحم بستين قرشا، هنا تناولنا أول أقراص الملح مع الطعام لتخفيف أثار ضربة الشمس، وهنا ظهرا أمسكنا بعقرب اختبأ عند مدخل شقة ماهر بركات.

الآن بلغ سكان مصر الثمانين مليون نسمة، وفقدت مدينة أسوان كثيرا من صفات مجتمع العمال المنتجين، ففى مواجهة علاقات اقتصادية تعتمد أساسا على السياحة، انتشرت مظاهر التدين السطحى والتعصب القبائلى وتقلص النشاط الثقافى، وعدنا نحن الشيوخ نشكر لوزارة الكهرباء جهدها فى استضافتنا، ونحمل ذكريات يجب تسجيلها حفاظا لذاكرة الوطن ورصدا لتغيرنا الحضارى خلال الخمسين سنة الماضية.

Sunday, March 29, 2009

أسوان المحطة


قبل أربعين سنة، عشت فى أسوان ثلاث سنوات اعمل فى بناء السد العالى، ومنذ أيام قمت بزيارة لمدينة أسوان فوجدتنى اعقد بعض المقارنات خلال الأربعين سنة الماضية.

قطار النوم بين القاهرة وأسوان برغم ارتفاع تذكرة السفر وارتفاع عدد الركاب من مصريين وسياح أجانب إلا انه فى حالة يرثى لها، قطار الأمس كانت به عربة فخيمة للمطعم ويقدم بها كل أنواع المشروبات وعربات النوم فيه مجهزة بطريقة لائقة، قطار اليوم به بوفيه متواضع الإمكانيات يقدم خدماته بأسلوب متواضع، وعربات النوم مشوهة الأدوات أسرتها قديمة فقيرة وبعضها خال من أدوات الدفاع المدنى والصحى، وبرغم ازدواج الطريق من القاهرة إلى أسوان إلا أن مواعيد حركة القطار غير منضبطة.

محطة قطار أسوان، تكاد على صورتها القديمة، لا يتناسب مظهرها مع أهمية المدينة وكثرة زوارها، الأرصفة مشوهة والمبانى قديمة لا تحمل بهاء مدينة السد العالى، ورجال الأمن ينتشرون فيها بملابسهم الرسمية، هكذا يتم تحريض الركاب على الخوف ويفقد الكثيرون منهم بهجة السفر.

أصبح فى أسوان دار سينما واحدة وقد كانت ثلاثة دور قبل أربعين سنة، وتقلص دور السينما والمسارح يعنى تقلص أماكن تصنع الثقافة.

الاستعانة بالخبراء ادخل اهتماما رائعا بجزيرة النباتات وما حولها من محمية طبيعية عند صخور الشلال الأول وسط النيل، فتحول المكان إلى متعة ترفيهية راقية.

بسبب الاهتمام بالسياحة للأجانب والجرى وراء فتاتهم الحضارى تناسى المسئولون المحليون فى أسوان أهمية تنمية الوعى الحضارى وتنشيط الذاكرة الوطنية للمصريين والاعتراف بمن صنعوا الخير لمصر، فهناك ميدان صغير غرب خزان أسوان كانت به مجرد يافطة تحمل من باب الذكرى اسم المهندس صدقى سليمان وزير السد العالى ومع ذلك رفعت هذه اليافطة ليبقى الميدان خاليا فى وضع استعداد لأن يطلق عليه أسماء من لا تطول قامتهم مقارنة بقامات رجال وضعوا لبنات قوية تفتخر بها مصر المعاصرة، لذلك أهيب بالمجلس المحلى بمحافظة أسوان أن يختار ميدانا مناسبا ويضع فيه تمثالا للمهندس صدقى سليمان باعتباره رمزا وطنيا شارك فى بناء السد العالى، كما ادعوهم لتبنى فكرة إقامة تمثال لأحد الفنانين النوبيين العظام، فأسوان أرض مصرية عاش عليها المفكر عباس العقاد والصانع صدقى سليمان والفنان محمد منير.
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى الأحد 29 مارس 2009

Monday, March 23, 2009

فساد المرتبات


أكثر من خمسة ملايين موظف يعملون بالدولة المصرية، تدفع الحكومة مرتباتهم وتزيدهم علاوات سنوية، أنا واحد من هؤلاء الموظفين أتقاضى مرتبا هزيلا لا يكفى مواجهة أعباء حياة كريمة ويدربنى يوميا على الدخول فى زمرة العصاميين، أستعين بالصبر والشكوى والأحلام المجهضة على ضعف مرتبى، أدفع نقودا وضرائب وهبات ورشاوى لموظفى للدولة والمحليات والشركات والجيران، أدفع ما أدفع بموجب عقود إذعان تفرضها سلطات الأهل والجيران والحكومة وكثير من الطامعين، ومع ذلك لا أحصل على صفات العميل الجيد أو المواطن الصالح.

برغم أننى موظف مغلوب على أمره، أعانى إجحاف الحكومة وعجز قوانين العمل وتضارب لوائح العدالة، إلا أننى فى لحظات صفاء قادر على استعادة التفكير الموضوعى، وأطرح سؤالا عاما، ماذا يحدث لو قررت الحكومة مضاعفة مرتبات العاملين بالدولة خمس مرات؟ هل سترتفع الكفاءة الإنسانية والاقتصادية لظروف العمل فى بلادنا؟ وهل سيزيد دخلنا الحقيقى بناء على إنتاج حقيقى؟ الإجابة حاسمة بالنفى، وسنظل نعانى من تخلفنا الوظيفى وتسيبنا الإدارى، ذلك لأن زيادة المرتبات وحدها دون تغيير ببقية عناصر نظامنا الوظيفى تجعلنا ندور فى حلقة مفرغة من التخلف، حلقة زيادة المرتبات تتبعها زيادة الفقر، فحين ترفع الحكومة المرتبات دون أن تسعى لإصلاح النظام الإدارى والاقتصادى فإنها تعيد رسم الدخول بمقياس رسم جديد يضخم الصورة ويبدو مبهرا للبسطاء والسذج، دون أن تغير الزوايا أو العلاقات فى مكونات الصورة، هكذا يظل فقرنا الاقتصادى والاجتماعى جاثما على الصدور.

القيمة الحقيقية لزيادة للمرتبات تقاس بالقيمة العلمية لتغيير العلاقات الوظيفية، باعتبارها علاقات ديمقراطية أو استبدادية، وباعتبارها علاقات عادلة أو غير عادلة، وباعتبارها علاقات موضوعية عامة تحدد طرقا علمية لتقييم الكفاءة وإصلاح الأخطاء، أو باعتبارها علاقات ذاتية تحمل الطموحات الشخصية لبضعة أفراد فى التملك والسيطرة، فحين ترفع الحكومة مرتب موظف لديها بألف جنيه وتزيد مرتب رئيسه بعشرة آلاف جنيه دون أن يصاحب ذلك تقدم فى بيئة العمل، فمعنى ذلك أن الحكومة لا تعالج قضايا الفساد الإدارى والوظيفى ولم تقترب من زيادة الدخول الحقيقية، وأنها تدفع لموظفيها إعانات فقر تزيد التضخم وترفع الأسعار وتفتح مزيدا من أبواب الفساد.

Sunday, March 22, 2009

قاعدة الكنيف


السادة الوزراء حبايبنا، قصدى وزير الإسكان ووزير الداخلية ووزير العدل ووزير الإعلام، أنا صاحب حكاية وعيال ومرض.

حكايتى، فى الأصل أنا فلاح اتولدت فى قرية صغيرة، كانت دارنا قاعتين من طين، سقفها عروق خشب عليهم حطب وقش، ننام على الفرن وساعات على الأرض وسط فراخ وبط وكلبين، كانت ميّه الشرب فى دارنا بلاليص وزيرين، تملاهم أمى على راسها من الترعة، وميّه الغسيل ناخدها من طلمبة جوفية وسط الدار، وفى آخر الدار كان (الكنيف) هو دورة الميّه نقضى فيه الحاجة، بابه ستارة من خيش ندخل فيها ساعات، وساعات نخلص حاجتنا على كوم سباخ أو فى الغيط أو فى مراحيض الجامع المفتوح للكل، بالعربى كانت الدنيا معانا براح ومداح.

بعد سنين من الغربة، سكنت فى شقة تمليك فى الدور الأرضى بعمارة ست أدوار، اشتريتها من وزارة الإسكان، فى مساكن النقابات بمدينة نادى الرماية، بجوار الهرم الأكبر بمحافظة الجيزة، سقف شقتى راكباه خمس شقق من نفس النوع، بعضها مسكون بناسه وبعضها فاضى محجوز للزمن وجواز الأولاد وتجارة الصنف، ولما عرفنا أن المنطقة خالية من أكوام السباخ أو الغيطان أو جوامع مفتوحة طول اليوم، أصبحنا مضطرين للتعامل مع (كنيف) جديد فى شقتنا، هو دورة مياه لها باب خشب وحنفية ميه ولمبة كهرباء.

حبايبنا السادة الوزراء، أنا صاحب عيال محتاجين (كنيف)، من أسبوعين ثلاثة انخرمت ماسورة الميه فى شقة أعلى شقتنا، وبدأت المياه تتسرب وتتوغل وتتساقط علينا، تنزل فوق أى جالس على قاعدة (كنيفنا) الجديد، تحرمنا متعة التغوط، وتحرمنا قداسة التطهر، وتهددنا بالفقر وقلة الحيلة والمرض، وصاحب الشقة الجانية غير معروف لدينا، ولم نستطع الاستدلال عليه، ومازال الأمر يتكرر فى مساكن الحكومة.

حبايبنا السادة الوزراء، أنا صاحب مرض فى نقص المعلومات، فيا وزير الإسكان هل لديك معلومات كافية عن سّكان عماراتك ومدى التزامهم بمواصفاتك فى التصميم والصيانة؟ وهل من حق الأغنياء تسقيع الشقق والإضرار بالآخرين؟ ويا وزير العدل، هل من حق متضرر أن يفتح شقة يغلقها صاحبها ويطفش، ويتركها تضر العمارة وناس العمارة؟ ويا وزير الداخلية، هل من حقى أن استخدام طفّاشة أو شاكوش افتح بهما الشقة المخالفة؟ ويا وزارة الإعلام، هل يمكنك أن تتوسط عند أى وزير ليحل مشكلتى؟ فأنا صاحب حكاية وعيال ومرض.
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد - 23 مارس 2009م

Sunday, March 15, 2009

المهمشون


كثيرة هى الأسباب التى أدخلتنى فى زمرة المهمشين من أهل مصر، لم يكن أحد من أهلى شاعرا أو مملوكا أو قائد طابية، وليس فى أهلى موظف كبير أو صانع حديد أو تاجر أخشاب أو صانع سيراميك، هكذا وجدتنى مع المهمشين، صوتنا مكتوم ولا قيمة لصراخنا، نعرف العادل والجائر ونسمع دبيب كل نمل، ومع ذلك نسلم أمورنا لأصحاب القرار يفرضون علينا ولاة أمورنا غصبا وتعيينا.

كل يوم اخسر كثيرا من المهمشين، معظم زملائى وأساتذتى وتلاميذى يخرمون أذنى بأن الفساد حل فى الأرض ووجب استئصال روح كل فاسد، وحين يلوح لأحدهم ضوء خادع بذهب المعتصم من مناصب وبدلات جلوس ووقوف وسفر، أو يبين لأحدهم سيف الحجاج من مجالس تأديب أو اعتقال أو نقص فى الأموال، تتحول كل هذه الآحاد إلى فئران مذعورة تقدم فروض الولاء والطاعة والمباركة لمن أقسموا على فسادهم وعدم صلاحيتهم، هؤلاء المهمشون العاطلون عن فعل التغيير ينتدبون من يناضل عنهم، يلقى على أسماعهم ما يحبون ويفعل ما يتمنون، وفى الوقت المناسب يصلبونه ضحية أمام كل سلطان جائر.

كل يوم اكسب مزيدا من الأعداء، من المؤكد أننى لست عضوا فى الحزب الحاكم كى أرشح لمنصب خطير، صحيح أننى عرفت أحد أعضاء لجنة السياسات بالحزب الحاكم وحين أنكر لى انه طلب عضويتها أكلت معه، وعرفت أستاذا جامعيا ظل يحلم بعضوية نفس اللجنة وحين تأكد لى انه لن ينضم إليها شربت الشاى معه، ومع كل ذلك الود معهما رفضا ترشيحى رئيسا كبيرا، كان السبب بسيطا فى رفضهما أننى أطول من الأول وأعرض من الثانى وفاضح طموحات الاثنين معا، ولأن منهج العلم جريح فى بلادنا والمهمشون ليسوا أهل ثقة عند السلطان، هكذا ضاع حقى فى الانتخاب الحر المباشر لاختيار القيادات من أهل الكفاءات، وانتشرت ذريعة تبرير الفساد بأن المرشحين بشر مثلنا يمشون فى الأسواق يأكلون ويشربون ويملكون طبائع البشر، هم أثرياء حرب وأصحاب مصالح ويعانون مشاكل التحضر.

هكذا فى ظل نظام حكمنا الحالى يكثر المهمشون، يتم تعيين أهل الثقة دون انتخاب أهل الكفاءة ويشرب المجتمع عيوب قيادات أهل الثقة، ولا يبقى أمام المهمشين غير الحلم المريض بحياة كريمة، والدعاء بأن يطرق صوتهم المكتوم أسماع من فى القبور.
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد 15 مارس 2009م

Saturday, March 14, 2009

عن استقلال الجامعة


الأستاذ الدكتور وزير التعليم العالى، أنتم تعلمون انه فى بلد ينشد حرية الرأى فان وضعكم السياسي يلزمكم بتفسير سياسات وزارتكم للمواطنين، وباعتبارى مواطنا مصريا دعنى أتساءل عن مفهومكم العملى لاستقلال الجامعة.

يا سيادة الوزير، انتم تصرحون بأن الجامعة مستقلة فأى استقلال للجامعة تقصدون؟ استقلال المبانى الجامعية أم استقلال الإدارة الجامعية، أى نوع من الاستقلال يمكن تحصيله وكل قيادات مجالس الأقسام والوكلاء والعمداء يتم تعينهم على كراسى صنع القرار لتنفيذ إرادة أصحاب الفضل فى تعيينهم؟ أى استقلال تعنون؟ وقاعدة الأساتذة المشاركين فى المجالس القيادية تضم بين أعضائها من لا يقرأ جريدة ولا يشاهد مسرحا ولا يستمع إلى موسيقى، ويرى فى فعل الثقافة إسرافا ومضيعة، وخارج القاعدة تتماوج أفواج المسلوبة أصواتهم بدواعى الأمن والفقر؟ يا سيادة الوزير، إن سياساتكم تصنع قيادات جامعية يسهل عليها أن تغش المجتمع، قيادات مدلسة تطلب من أعضاء هيئة التدريس ألا تقل نسبة نجاح الطلاب الجامعيين فى أية مادة عن خمسين فى المائة، بغض النظر عن إجاباتهم الفعلية، قيادات ضعيفة الشخصية، تلحس كثيرا من قراراتها ولا تدافع عن حقوقها، فأصل وجودها فى الجامعة هو اغتصاب لقانون الكفاءة والثقافة.

السيد الوزير إنكم تصرحون ان جودة أداء الأستاذ الجامعى ينهى كثيرا من مشاكل العملية التعليمية، كيف يكون أداء الأستاذ الجامعى؟ وواقع دراساتنا العليا ينتج أساتذة ضعاف علميا وحضاريا، وكيف تقاس كفاءة أستاذ يقوم بالتدريس فى مدرجات ومعامل تضم مئات من الطلاب، ويستعين بكتاب دراسى فاسد؟ وكيف تتاح لأستاذ جامعى فرصة التزود بالثقافة والوعى الحضارى؟ وهو يقضى معظم إجازاته فى تصحيح آلاف من أوراق الإجابة للطلاب، ولا تتاح له فرص قانونية لزيادة دخله، وأخيرا كيف ينصلح حال الأستاذ الجامعى وانتم تدربونه كل يوم على النفاق والتسول بمعاير جودة هزلية، لا هى بالمعايير ولا هى بالجودة.

السيد الوزير، لك حق التصريح والإعلام كيفما تشاء، ولى كل الحق أن أستنفر روح انتمائكم الوطنى، أملا أن تبعثوا ثورة لازمة فى جامعاتنا، ومشاركتى فى هذه الثورة هى الدعوة لأن تصرف لأعضاء هيئة التدريس فى جامعاتنا، تذاكر إجبارية لزيارة الأوبرا والمتحف المصرى ودير سانت كاترين ومسجد عمر، قاصدين أن يرتفع قدر الثقافة والوعى الوطنى لدى الجميع.

Sunday, March 08, 2009

اتحاد الكتاب الرّخو


يفرق علماء الاقتصاد السياسى بين الدولة الرخوة والدولة القوية، القانون يحكم العمل فى مؤسسات كلا الدولتين، الفارق بينهما أن القانون فى الدولة القوية واضح وحاسم تقوم على تنفيذه آليات موضوعية تنأى بعيدا عن هوى الأفراد ونوازع جماعات الضغط، بينما القانون فى الدولة الرخوة يعتمد فى تنفيذه على مزاج جماعات وطموحات أفراد.

وبتطبيق نظرية الدولة الرخوة على اتحاد الكتاب المصريين، نرى الاتحاد مؤسسة تحكمها لوائح وقوانين، مثله فى ذلك مثل الاتحادات المناظرة فى الدول القوية، لكن الشواهد اليومية تدلنا على أن الاتحاد مؤسسة رخوة لا تملك تعريفا دقيقا ومعلنا لدورها فى المجتمع، هل هى نقابة أو مؤسسة سياسية أو اتحاد مصالح بين غرماء، فالاتحاد لا يملك تعريفا دقيقا ومعلنا يحسم قضايا الإيرادات والمصروفات والانتخابات وحرية إبداء الرأى ويقف سريان مقولة أن القانون حمّال أوجه يترك تفسيره للخاصة والفاهمين.

قليل من الفهم لأحوال اتحاد الكتاب، يدلنا على أنه مؤسسة رخوة تحكم العمل فيها علامتان بارزتان، علامة أن لائحته تضم تعريفا مطاطيا غير دقيق لصفات من ينتمون بالعضوية إلى الاتحاد، وعلامة أنه لا يملك آليات مقننة لتنفيذ القوانين تعمل بعيدا عن تأثير الطموحات الفردية ومزاج مجموعات الضغط.

نتيجة للتعريف المطاطى للكاتب، أصبح من بين أعضاء الاتحاد أدباء وشعراء وصحفيين ومذيعين ونقاد، من يكتب إبداعات رائعة ومن يرص حروفا غير ذات جمال، من يحمل لقبا علميا أصيلا ومن يحمل ألقابا مزورة، من يبدى رأيه عن فهم ومن يسير وراء كل ناعق، وتطبيقا لملاحظة ضعف وذاتية آليات العمل على تنفيذ القانون، أننى تقدمت بطلب إلى إدارة الاتحاد لنقل صفتى من عضو منتسب إلى عضو عامل، مرت أكثر من خمس سنوات ولم يصلنى رد مكتوب بالقبول أو الرفض، هنا لا أناقش مدى صلاحيتى للعضوية بل أتساءل عن موضوعية وآليات العمل فى لجان الفحص والعضوية بالاتحاد.

هذه بعض علامات تشى بأن اتحاد الكتاب ينطبق عليه تعريف القاموس الوسيط للرّخو بأنه (الهش اللين من كل شيء)، فهل يمكن لمثل هذا الاتحاد أن يقوم بدور ريادى يزخم وعى المجتمع بالإبداع؟ وهل يملك هذا الاتحاد آليات للدفاع عن قضايا المبدعين؟
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد 8 مارس 2009م

Saturday, March 07, 2009

جماعة 9 مارس


فى ثلاثينيات القرن الماضى كان لأهل الجامعة المصرية شنه ورنة، ففى التاسع من مارس 1932م قدم أحمد لطفي السيد استقالته من منصبه كمدير للجامعة احتجاجا على قرار وزير التعليم بنقل الدكتور طه حسين من الجامعة، لم يكن بالواقعة استعراضا طفوليا أو سعيا لمغانم شخصية، إنها كانت أقدار الرجال، وفى عام 2004م تأسست جماعة 9 مارس كجماعة مدنية للدفاع عن استقلال الجامعات المصرية.

بدأت حكايتي مع جماعة 9 مارس منذ عامين حين أصابني قرح الكتابة في بعض جرائدنا عن مشاكلنا الجامعية، فبسبب كتاباتي نجحت براثن الفساد فى جامعاتنا أن تزج بى في أزمة تشهير، في تلك الأزمة تعاطفت الجماعة معى بمقالات وإشارات صنعت مع غيرها أثارا تراكمية جعلت أزمتي تمر بسلام، منذ تلك الواقعة قررت متابعة أنشطه جماعة 9 مارس قاصدا الانضمام إليها.

بعد فترة من المتابعة طالت شهورا وجدتني أمام أقوال تصلني عن أعضاء من الجماعة يحيطون أنفسهم بطفولة يسارية وسذاجة دينية وانتماءات مفروقة على قارعة طرق تصبغها ثقافات أجنبية، فبينهم الجنرالات والرفاق والمكرمين والباشاوات يكتبون أرائهم بسطور من الانجليزية والفرنسية، كأنهم أغراب يعيشون على حافة الرحيل إلى بلاد غير بلادنا والى قوم غير أهلنا، هكذا بانت لي طفولة أداء طبقة من مرفهين يبحثون عن دور ناعم للدفاع عن حيوية جامعاتنا المصرية.

فى محاولة منى للتعرف على أسباب القصور في أداء مجموعة 9 مارس كجماعة ضغط مدنية، تذكرت أحد أساتذتى في علم إدارة الأعمال، فحين شكوت له بطفولة أن الفساد قد عم في الأرض، لا التوريث ولا الديمقراطية ولا الدكتاتورية ولا العبثية هي بتوجهات صالحة لتغيير ما حل بنا من فساد وتخلف حضاري، نظر لي مشفقا وقال: عليك أولا أن تصلح ما أنت مسئول عنه في دولاب العمل، هذا تخصصك في إدارة عملك، وعليك ثانيا أن تنظر في بقية الدواليب من حولك، هذا دورك السياسي في إدارة مجتمعك، كان أستاذى رحمه الله محقا، فإصلاح ذات البيت أولى من إصلاح المسجد المجاور، ورؤية البيت في ظل دور العبادة ومشارب الثقافة أمر لازم لصياغة آليات تنفيذ السياسات الرشيدة.

إن فاعلية منظمة مجتمع مدنى تهتم بشؤون جامعاتنا المصرية تتوقف على مدى استعانة أعضائها بالدراسات العلمية لمعرفة نقاط الضعف وبالتعاون الإنسانى الرشيد على تحقيق أهداف حضارية لصالح مجتمعنا المصري.

Sunday, March 01, 2009

الفقر وأحواله


لو تمثل الفقر رجلا لأصبح على كل العقلاء أن يقتلوه، هكذا يلقى إلينا ميراثنا الحضارى طريقة للتعامل مع الفقر، وفى حياتنا اليومية يطل الفقر فى صورتين متشابكتين صورة فقر فى الوعى الثقافى وصورة فقر فى الموارد الاقتصادية، يهتم رجال الاقتصاد والاجتماع بشرحهما وإيجاد تعريفات واضحة للفصل بينهما.

فقر الوعى الثقافى هو فقر مفاهيم ثقافية تحول دون الاستخدام الأمثل للموارد الاقتصادية المتاحة، فلحم الخنزير محرم تناوله فى بعض الديانات، واللون الأبيض دليل حزن فى ثقافات افريقية، هكذا تتغير الحاجة إلى موارد اقتصادية بعينها تبعا لثقافة بعينها، أما فقر الموارد الإنتاجية فهو فقر علمى وتكنولوجى يضعف إمكانات الأفراد فى التعامل مع الطبيعة، ويوقف تراكم جهودهم فى البحث عن موارد وثروات اقتصادية جديدة، وتدفع صور الفقر الناس للعيش جثثا تحت خط الحياة الإنسانية الكريمة.

التخلص من فقر الوعى يفرض على مؤسسات المجتمع أن تصنع جوا ثقافيا يساعد المواطنين على إيجاد وعى فاعل يفرق بين طموحاتهم الموجودة فى الخيال وبين إمكانياتهم المحصورة فى الواقع، ويدفعهم للبحث عن قيم موضوعية للتحضر، قيم يتجاوز وجودها خصوصية الأفراد فى التقليد الأعمى والمحاكاة البليدة، وعلى سبيل المثال بعض أفراد مجتمعنا يشعرون بالفقر لأنهم لا يملكون حجرة طعام فخيمة، بينما ثقافتنا القومية لا تلقى لوما على من يتناولون طعامهم على طبلية من خشب، هكذا ترجع أزمة الإحساس بالفقر لدى هؤلاء الأفراد لافتقارهم إلى وعى ثقافى ناضج يفصل بين ضرورة الأشياء وبين صورتها، وعى يفرقون به بين طبلية متواضعة من البلاستيك تؤدى وظيفتها فى تناول الطعام لا يرى العقلاء معها إحساسا بالفقر وبين طبلية فخيمة من خشب مطعم بالصدف تقوم بنفس الوظيفة لكنها تضخم إحساس السذج بالغنى.

علاج فقر الموارد الاقتصادية، يلزم المجتمع بإتباع خطط وبرامج تبدأ من واقع اقتصادى يمكن قياسه فى موارد متاحة وتصب فى واقع جديد يستوعب حركة التطور الاقتصادى، إنها خطط تهدف لتطوير التعليم كأداة للتقدم التقنى وتهدف لتفعيل الثقافة كوعاء لاستيعاب التقدم الحضارى، وتزكى لدى الأفراد وقائع الانتماء القومى بقصد دفعهم للمشاركة الإيجابية فى صنع التحضر.

هكذا يصبح قتل الفقر مهمة حضارية لا يقدر عليها إلا من يملكون حبا كبيرا للحياة.
المقال نشر في جريدة العربي الناصري – الأحد الاول من مارس 2009م

Friday, February 27, 2009

ثقافة عليه العوض


فى مواسم جرد الذمم، تختلف أراء الناس فى بلادنا حول تقييم مشروعاتنا القومية، مثل أبى طرطور فى تعدين الفوسفات، وتوشكى فى استزراع الأراضى, وشرق تفريعة قناة السويس فى المناطق الصناعية، واختلاف الرأى راجع فى جانب منه لعدم شفافية أنظمتنا الإدارية ونقص المعلومات المتاحة، كما يرجع لسيادة ثقافة شعبية لا تقبل العوض عن الخسائر.

ثقافتنا الشعبية السارية تقبل تصنيف المقصرين إلى طبقتين، طبقة فوقية غنية معصومة بعلاقاتها وقدراتها المالية والاجتماعية يعجز القانون عن ملاحقتها بعقوبة التقصير، وطبقة دونية فقيرة يمسك القانون برقبتها عند كل هفوة، ثقافتنا الشعبية تقبل إرجاء حساب المقصّرين طمعا فى أخذ بديل أكبر فى المستقبل فتترك أمر حسابهم لعظيم سيتدخل فى قادم الأيام، هكذا يفلت من العقاب كل من يوارى سوءة الفعل خلف منظومة دعائية من العصمة والقدرة.

فى مجتمع يتبنى ثقافة تأجيل حساب المقصرين، يسهل تحريك الرأى العام بأساليب إعلامية تحيل أسباب القصور إلى عوامل يصنعها الأعداء والآخرون دون أن يكون لمقصر معروف ذنب فيما يحيق بالمجتمع من فساد، هكذا يبنى المجتمع المتخلف ثقافة أفراده على نظام معلومات ضعيف تتآكل أدواته بعوامل التعرية الحضارية، ويكثر اعتماد ذلك المجتمع فى التعامل بالأرقام والبيانات على أفراد غير مدربين يخضعون لضغوط ثقافية واجتماعية واقتصادية متخلفة، عندها تخضع عملية جمع البيانات وتصنيفها إلى معايير شخصية، وتتحول صناعة المعلومات واتخاذ القرارات إلى صناعة مزاجية يداخلها شروع الضعفاء فى تصفية حساباتهم مع الآخرين.

ملايين وطاقات تنفق على مشاريعنا القومية، ولا يملك المواطنون وسائل موضوعية لتقييم جدواها الاقتصادية والاجتماعية، وتختلف نتائج التقييم باختلاف توجهات كل فريق، فريق يملك المعلومات وتنقصه الموضوعية فى اتخاذ القرار, وفريق يملك موضوعية العلم وتنقصه المعلومات.

شعبنا هو صاحب الحق الأصيل فى العوض عما نلاقيه فى حياتنا من هدر الإمكانيات والدوران فى حلقات الفقر والجهل والمرض، ولتعويض خسائرنا المادية والحضارية، علينا أن نتجاوز عصر الاعتماد على أهل ثقة يطبخون القرارات لمصالحهم الشخصية، وأن ندخل فى عصر أهل خبرة يقدرون بموضوعيتهم على حشد قدرات الجميع للنهوض بهذا الوطن، وتحديث ثقافته.

Sunday, February 22, 2009

النكد الجميل


فى الزمن الأخير هاجمتنى أعراض الكتابة، فقررت زوجتى أن تعالج ما أصابنى من هوان أصحاب القلم فى بلادنا، مزقت بعضا من ملابسى وأوراقى ثم طوحت بكفيها فى الهواء ومصمصت شفتيها معلنة ( الكتابة سخام اسود)، وحين تأكدت أن الليل أوغل فى الظلمة، وأن جيراننا يسترقون السمع ويقلبون الهزار بين الأزواج الطيبين إلى نميمة وفضائح، ظلت تلقى فى وجهى سيلا من التبكيت والتنكيت وتردد قول الطغاة الحاكمين ( قابلنى إذا فلحت) فوجدتنى أنزوى فى ركن الحجرة شاخصا وجهى للحائط، تساورنى فكرة أن أستدير فجأة لأغرس أصابعى فى عنقها طالبا الإعدام لكل من حضر حفل عرسنا القديم، وظللت انتظر قطع اللسان وفتح البطن، وحين إنهد حيل زوجتى وانسحبت جيوش السّب والقذف من لسانها، استعدت قدرتى على المقاومة فعبرت ضوء الصالة متسللا إلى ظلام شرفتنا المطلة على الخلاء الفسيح.

حاصرتنى قشعريرة برد على مرأى من النجوم والمصابيح البعيدة، فأعلنت للخلاء إيمانى بوقائع محددة رافضا التصالح مع زوجتى، فواقعة أن زوجة تستقبل صباح يوم أول الشهر باسمة فى وجه زوجها، إنما هى طقوس تستبدل فيها الابتسامات براتب الزوج، وواقعة قيام زوجة بفتح الشبابيك فى الصباح الباكر، تضرب المراتب بالعصا وتنشر البطاطين فى الشرفات بينما زوجها غاط فى نومه، إنما هى دعوة صريحة توجهها الزوجة لذات الزوج بمغادرة الفراش، معلنة أن أصبح ظل الحائط أكثر جدوى من ظل وجوده، تلألأت النجوم غير عابئة بوقائعى فغمغمت أعاتب الخلائق مستعرضا وقائع إيمانى بالكتابة.

زوجتى الطيبة فعلا، فى مجتمع يؤمن الكثير من أفراده بنظرية التآمر يدافع الفاسدون عن تآمرهم بحبك خطط جديدة للتآمر، يدسون للحكام أن أصحاب القلم نوع من المعارضين يزلزلون كراسى كل حكم.

زوجتى الطيبة خالص، الكاتب يتجرع الألم، فى مراعاة قوانين النشر، والحفاظ على مقتضيات الصلاح الاجتماعى والوظيفى، والاصطبار على ممارسات إعلامية لفاسدين يفتحون أبواب تدليس وشراء ذمم كى يصمت الجميع عن كل فساد.

زوجتى الطيبة جدا، الكاتب لا تبرد أحلامه فى صقيع الشرفات، وأنت من أهلى، فهل سمحت لى بالعودة من الشرفة إلى الدفء؟، فرغم نكدك الرائع ولسانك المفتول، سأبقى مقتنعا بأن الكتابة نكد جميل لا يحرمنى حق التسكع بين السطور.
المقال نشر فى جريدة العربى الناصرى - الأحد 22 فبراير 2009م