Thursday, February 21, 2008

كتابنا الجامعى .. فساد صغير

كثير من الناس يرهبون ضخامة الفساد ويستكثرون وقائعه، تتعثر جهودهم فى الإصلاح ويشيع بينهم الاستسلام لكل فاسد، لكن القليل منهم يرى أن محاربة الفساد والقضاء عليه أمر ممكن، فالفساد الكبير مجموع كبير من أشياء صغيرة فاسدة، أشياء يمكن الإمساك بها والتعامل معها بالبتر والتعديل فى سلسلة من توجه المجتمع نحو الإصلاح.

إن صناعة الكتاب الجامعى فى بلادنا من الأشياء الصغيرة الفاسدة، هى صناعة تقوم على مقومات فاسدة ومتداخلة يمكن تصنيفها إلى ثلاث، طبيعة إنتاج الكتاب وطرق توزيعه وتقسيم العائد بين أصحابه.
محددات الكتاب الجامعى:
يقصد بالكتاب الجامعى ذلك المرجع الكتاب أو المذكرة الذى يتم تداوله بين الأساتذة والطلاب الجامعين للمساعدة على تدريس مادة علمية معينة.

يتوقف إنتاج الكتاب الجامعى على طبيعة السياسة التعليمية الحاكمة فى المجتمع التى تحدد بطبيعتها توجه كل جامعة، هل هى جامعة أقسام علمية، يناط بكل قسم علمى فيها مهمة تدريس مواد بعينها على مستوى الجامعة؟ وتطبيقا لذلك يقوم قسم الرياضيات بكلية العلوم بإعداد وتدريس مناهج الرياضيات الأساسية فى كل كليات الجامعة، أم هى جامعة كليات علمية، تستقل كل كلية بتدريس مناهجها الدراسية مجتمعة؟ وتطبيقا لذلك تصبح هناك رياضيات أساسية للتجاريين فى كلية التجارة وثانية للزراعيين فى كلية الزراعة وهكذا، وجامعاتنا الآن لم يستقر نظامها على طبيعة بعينها، فكل جامعة تتراوح طبيعتها بين هذه وتلك حسب أهواء قياداتها.

كذلك تحدد طبيعة الكتاب الجامعى على أساس مناهج البحث العلمى السائدة فى المجتمع، هل هى مناهج علمية مغلقة يتصدرها منهج واحد يغلب عليه فرض نظرى بأن الأيمان أولى من المعرفة؟ أم المجتمع يبنى مناهج علمية مفتوحة تقبل تناول المناهج المختلفة وتدخلها طول الوقت فى دائرة الاختبار المعرفى، بناء على ذلك يتحدد دور الجامعة فى نشر العلم بين أفراد المجتمع، هل دور الجامعة تلقين معلومات بعينها لطلاب بعينهم؟ أم أنها مكان تفتح فيه أبواب التأصيل العلمى لمناهج التفكير المختلفة؟.

الإجابة على هذه التساؤلات الكبيرة واضحة، التعليم فى بلادنا حفظ وتلقين لملصقات تفرضها سلطة العصر الغالبة، ووجداننا الثقافى يرفض حرية التعامل مع مناهج الفكر.

يبقى تساؤل عن هوية الكتاب الجامعى بين أيدى الطلاب، هل هو مخزن منظم لمعلومات منهجية؟ يحتاجها الطلاب فى بناء وجودهم العلمى والفكرى، أم أنه وسيلة ضمن وسائل متعددة للارتزاق؟ لكثير من أعضاء هيئة التدريس بالجامعات وغيرهم من تجار الورق الردىء ومن الباحثين عن شهادات علمية مضروبة للبيع؟.

الإجابة على هذه التساؤلات الصغيرة واضحة، الكتاب الجامعى أحد وسائل الارتزاق الضرورية للغالبية العظمى من الأساتذة وبعض تجار الورق الرديء.

اللعب مع الحيتان :
حين ينتهى عام دراسى جامعى، تبدأ مناقشات داخل الأقسام العلمية بالجامعات لإعداد الكتاب الجامعى للعام الدراسى الجديد، فى ظاهر الأمر تبدو تلك المناقشات مجرد دردشة بين أصدقاء تلفهم روح المصلحة العامة يغازلون تصريحات ووعود برفعة شأن العلم والطلاب والجامعات، أما باطن الأمر فإن تلك المناقشات تتحول إلى دوامات من الصراخ والعويل والمؤامرات تلف جمعاً من حيتان كبيرة بأقدمية تواجدها الجسدى داخل الأقسام، هى أقدمية ترهل أجساد بالتعيين والصدفة لا أقدمية امتلاء أدمغة بالفكر والثقافة، ويتضارب المختصون وغير المختصين تحت وفوق الحزام من أجل الظفر بأية مكاسب فردية، وبعد أن يجهدهم الصراع يتصالح الحيتان ويرتكبون مظالم تقع على آخرين من دونهم، ظلم يقع على طلاب الجامعات من حيث مضمون وهيئة الكتاب الجامعى، وإهانة صغار أعضاء هيئة التدريس من حيث توزيع عوائد بيع الكتاب، ويشترك الجميع فى إيقاع مظالم تخسف بمستقبل العلم فى المجتمع.

رزم الورق الرديء :
فى معظم الكليات الجامعية ذات الأعداد الكبيرة من الطلاب، مثل التجارة والحقوق والآداب، يولد الكتاب الجامعى مريضا لاعتماد صدوره على الوقائع التالية :

أولا: تقوم الأقسام العلمية بتقرير المواد الواجب تدريسها للطلاب بناء على خطط باهته ومهلهلة يقتتل عليها الأساتذة وتابعوهم، فيفوز بعضهم بسيف الحياء أو سيف الجوع أو تقنيات لعبة التوازن بين الأقسام وبقصد تحقيق أكبر عائد مالى يغله الكتاب، هكذا يتم تفصيل المنهج الدراسى إلى ثوب خرق ومرتوق يرتديه الكتاب الجامعى.

ثانيا: تأليف الكتاب الجامعى يخضع لمهارات تجارة احتكار على أسس من الغبن والإرهاب يديرها الأساتذة الأقدم وظيفياً ضد زملائهم الأحدث وظيفيا،ً غبن يتعلق بمدى الجهد المبذول من الأصغر فى الإعداد والتجهيز ثم الشرح للطلاب، وإرهاب يتعلق بقضايا الترقيات والتزكيات والإعارات وغالباً ما يقوم الأحدث بمعظم العبء كتابة وتجهيزا وشرحا للطلاب، وأحيانا يكتفى الأقدم بوضع اسمه على صدر كتاب علمى دون ادنى اعتبار لمبدأ التخصص العلمى.

ثالثا: كثير من المادة العلمية يعاد اقتباسها أو ترجمتها من بين كتب سبق تقديمها فى سنوات قريبة سابقة، ويتم إعادة العرض بطريقة أوراق اللعب، فمثلا ما كان منها يحمل عنوان الباب الأول فى كتاب العام السابق يصبح نفسه حاملاً لعنوان الباب الخامس فى الكتاب الحالى.

رابعاً: يتضمن الكتاب الجامعى كثيراً من معلومات درسها الطالب فى سنوات سابقة أو أنه يدرسها فى نفس العام الدراسى تحت مسمى آخر فى قسم أخر، وحين يكتشف الأمر صدفة يتدخل العارفون بطرق العلاج فى أواخر العام الدراسى، يفتتحون موسم الشطب وتقليص المنهج وسط تصفيق الطلاب الذين خدعوا بشرائهم كتبا رديئة.

خامساً: يتم طباعة الكتاب بشكل تعسفى ليضم أكبر عدد من الصفحات ليحقق أكبر سعر بيع ممكن، ويتم توزيع الكتاب بأساليب بيع مبنية على أسس من ترهيب الطلاب أو ترغيبهم، بأن عمليات دخول الامتحان والنجاح قرينة بشراء ما يقرره الأستاذ من كتب.

الغلّة .. وحسبة برمة :
حين يجمع المختصون إيراد الكتاب، يحشد قدامى أعضاء هيئة التدريس مهاراتهم فى الحساب والاغتصاب والتكتل، يحسبون حسبة - برمة- بناء على أعراف يضعونها دون سند من قانون أو تشريع، ويتم تقسيم الغلّة بين أعضاء هيئة التدريس بطريقة تضمن السيطرة المالية للأقدم، وطبقا لمستوى أخلاقيات الأساتذة القدامى يتوزع عائد الكتاب بنسب تتفاوت بين كلية وأخرى بل تتفاوت بين قسم وقسم داخل نفس الكلية، فمثلا قد يحصل مدرس حديث التخرج فى كلية تجارة كثيرة الطلاب على إيراد من الكتاب الجامعى يتجاوز ما يحصل عليه مجموع أعضاء قسم كامل فى كلية علوم قليلة الطلاب.

البولَة .. وتوزيع السحت :
هيئة الكتاب الجامعى الحالية، تضع من يفكرون فى إصلاح أحوالنا أمام فساد مهنى وأخلاقى يمارسه كثير من أساتذة الجامعات، أساتذة ينشرون فيما بينهم أعرافا من المقامرة لتوزيع عائد بيع الكتاب يسمونها -البولَة-، يضعون نقاطا ونسبا لا يسندها غير منطق رديء وقانون واسع الفتحات، يوزعون بها على أنفسهم أموال -سُحت- حرام يجمعونها من تجارة كتب دراسية رديئة.

بحثا عن المعنى العربى لكلمة -بولَة-، يذكر المعجم الوسيط تحت كلمة -بول- أن -البال- اسم يطلق على نوع من الحيتان كبيرة الرأس من نوع منقرض، وهو حال بعض من أعضاء هيئات التدريس الجامعية، ويذكر نفس المعجم مزيدا من المعانى مما يجعلنا نرى أن معنى كلمة -بولَة- يقترب من انشغال الفكر والبال بقضايا التبول وإخراج فاسد، وهو حال كثير من محتويات الكتاب الجامعى، وعن المعنى الإنجليزى لكلمة بوول Pool فان البعلبكى يذكر فى قاموسه المورد، أنها البركة القذرة تنشا عن تجمع الأمطار فى أخاديد الشوارع، وأنها الاتفاق بين شركاء للقضاء على المنافسة، أما كلمة -بولَة- نفسها فهى ضرب من لعب البليارد المعتمد على المقامرة.

وعن معنى -السُّحت- يقول المعجم الوسيط، السّحت ما خبث وقبح من المكاسب، فلزم عنه العار، وفى التنزيل العزيز - سمّاعون للكذب أكّالون للسُّحت-، وفى كتاب آداب القاضى من سنن البيهقى، قال ابن مسعود السّحت أن يستعينك رجل على مظلمة فيهدى لك فتقبله، هكذا يمكن وصف ذلك النوع من التعاون بين أعضاء هيئة تدريس فى الجامعات، إنهم يشتركون فى ظلم الطلاب بإعطائهم كتبا رديئة ويأكلون من أموال الطلاب سحتا.

للأسف إن كثيرا من فقهاء النفاق فى جامعاتنا يرون فى –البولة- آلية من آليات الحفاظ على حقوق تأليف فكرية لأصحاب الكتب، والواقع أن قلة نادرة من الأساتذة هى التى تسهم فى عمليات الإبداع والمؤلفات العلمية، الغالبية من أعضاء هيئة التدريس بجامعاتنا يعتمدون فى كتاباتهم على القص واللصق من كتب أبدعها الآخرون، يتعايشون مع تجارة الرقيق الفكرى ويبررون أكلهم السحت.

الخروج من الجب :
الخروج من هذه الصورة المأساوية للكتاب الجامعى يتطلب معرفة موضوعية تقرر أن لكل علم منهجاً ومبادئ وأساسيات لا تتغير طوال فترات طويلة نسبيا، عشر سنوات مثلا، وأن طلاب مرحلة الجامعية قبل الدراسات العليا فى حاجة ماسة لكتب مرجعية واضحة الأسلوب جيدة الخصائص، والكتب الجيدة علميا تحتاج إلى خبرات وسنوات لإنتاجها.
فيما يلى نضع بعض الحلول المقترحة لتحسين هيئة الكتاب الجامعى:

أولا: وضع ميثاق شرف بين العاملين بهيئات التدريس بالجامعة يشعرون معه انه قادة فكر ويلزمهم بأخلاق مهنية، فلا يلجأ أحدهم لحل مشاكله الاقتصادية أو الاجتماعية عن طريق الاستغلال غير الأخلاقى لطبيعة عمله.

ثانيا: تشكل لجان علمية متخصصة على مستوى الجامعة لتحديد المناهج الدراسية وتقوم تلك اللجان باختيار الكتب المناسبة شراء أو تأليفا أو ترجمة.

ثالثا: تتولى الجامعة تحديد الأتعاب الحقيقية لعمليات التأليف أو الترجمة، وتتولى بنفسها عملية نشر وتوزيع الكتاب الجامعى بين الطلاب وغيرهم من المستهلكين.

رابعا: يقتصر التدريس والشرح للطلاب على الكتب المختارة على أن يقوم بالتدريس من يملك كفاءة علمية وقدرة شخصية، على أن تتوفر بالجامعة آليات لتحديد قدرات أعضاء التدريس والاستفادة منها، فهناك من يجيد شرح المناهج للطلاب وأخر يجيد الكتابة والتأليف وثالث يجيد البحث والتقصى، وهناك من لا يصلح أن يكون أستاذا جامعيا بالمرة.

خامسا: تشكيل لجان علمية تتولى وضع امتحانات الطلاب وتصحيح النتائج، ليدرك الطلاب أن الفهم والنجاح فى الامتحان غير مرتبط بشخص معين أو بكتاب معين.

أخيرا، إن حل مشكلة الكتاب الجامعى يتطلب من أهل الاختصاص أن يضعوا من المناهج والآليات عصا غليظة فى يد المجتمع، يهش بها جوعى يعتبرون عائد الكتاب الجامعى بمثابة حصتهم المفقودة من عائد الدروس الخصوصية، ويوقف بها نزيف سحت فكرى وأخلاقي يعصف بمستقبل شباب هذه الأمة الوطن.

Monday, February 18, 2008

الكتابة على باب مصر

الكتابة أمر مزعج، إنها بعض من كلامنا لتفسير الوجود، وفى محاولاتنا نحو التفسير لحياتنا نظل نعانى فى اختيار الموضوعات والمضامين المصاحبة لكلامنا، ويصيبنا شوق الحياة بالرغبة فى الحفاظ على كلامنا صالحا للبوح.

الكتابة فى بلاد العربية أمر أكثر إزعاجا، فكتّابنا بشر يملأ وجدانهم العيش فى بلاد تحفّ بواديها وحواضرها نتف من حضارة مشوهة، كتاباتهم على الأوراق والصحف ووسائل الإعلام، حاضرنا كلام ساكت يضيع الوقت ويهين الفكر، لا يقترب من واقع حياتنا، لا يسعى نحو التحليل والتفسير واستشراف حلول حضارية تدفع بنا بعيدا عن واقع تخلفنا المهين، حاضرنا كلام ساكت لا تحركه من الرقاد غير قلوب محبة لا تخشى فعلة البوح ولا تألم من حرية التجريب.

شكرا لتجارب عشتها وأعيشها، تسمح لى بأن أعلن فخراً، على سطح منزلى فى حى الهرم بمدينة الجيزة، تلثم عينى كل يوم ضوء أهرامات الفراعنة، أعيش فى تمازج مع قاهرة المعز مدينة الألف مئذنة، أفتح بيتى وأطعم أولادى من العمل فى مدينة المنصورة، حيث أقدام جند الملك الصالح وزوجته الملكة شجرة الدر، تأسر لويس التاسع ملك فرنسا فى الحروب الصليبية.

شكرا لتجارب رسخت فى وجدانى أنى إنسان حر، فأنا قارب أعشق ماء النيل وأسبح فى طين الأرض المصرية، وأنا مشروع كاتب أصوغ وجدانى بكلمات عربية، أنا مصرى أدق بكل الأكف حياة لأرض الكنانة، أرض مصر.

ولأنى كاتب أسعى نحو الحرية، أتجرع مشاكل نشر الكتابة فى وسائل إعلامنا الرسمية داخل الحدود، مكبل بموروثات ومحاذير وعوائق، من رشوة وفساد ومداعبة غرائز سلطات تعبث بالعقول وتفسد القلوب، فشكرا لحضارة علمية حديثة ( حضارة النّت ) تسمح لى أن أنشر عبر الحدود بعضا من معاناتى، قاصدا شرح مفاهيمى دون معاقرة كثير من الخوف.


إن ما أنشره هنا من كتابات أعرضه أمام أهل ( النّت )، ولا أرضى أن يكون من بين قرائى، أجلاف أو كهنة أو مندوبون عن السماء، فعلى باب مصر لا يلقى بالدر أمام الخنازير.

Sunday, February 10, 2008

موظفون يفسدون عيد الدقهلية

فى القرن الثالث عشر انتصر المصريون على جيوش الصليبين، وفى اليوم الثامن من فبراير 1250ميلادية أسروا لويس التاسع ملك فرنسا وحبسوه فى دار ابن لقمان فى مدينة المنصورة، بعد ثلاثة أشهر من المفاوضات دفعت زوجة الملك فدية كبيرة حتى خرج لويس الأسير من الحبس فى اليوم السابع من مايو 1250ميلادية، وعاد إلى بلاده فرنسا يجر أذيال العار والهزيمة.

كانت تلك هى الوقائع التاريخية، إلا انه بعد سبعة قرون كاملة وعلى مقربة من منتصف القرن العشرين حدث تواطؤ أو إلتباس معرفى بين موظفين حكوميين وبين مؤرخين أرادوا البحث عن أحداث جليلة يصنعون بها نجوما وأحداثا، اختاروا يوم ذكرى رحيل لويس التاسع عن بلادنا وجعلوه حدثا عظيما، واكتملت حلقة التواطؤ أو الالتباس المعرفى حين نجح والدى فى تثبيت يوم ميلادى أنا أيضا فى السابع من مايو، هكذا أصبح اليوم السابع من مايو عيدا قوميا لمحافظة الدقهلية يحتفلون به كل عام، وظل شعب الدقهلية يحتفل بعيد قومى مغلوط سنوات وسنوات رفع فيها كثير من الموظفين آيات التبجيل والاحترام لحدثين جليلين، فك أسر لويس التاسع وعيد ميلادى العظيم.

منذ سنوات قليلة تعد على أصابع اليدين، نجح احدهم فى إعادة الاعتبار إلى أيام انتصارنا وجعل الثامن من فبراير هو الحدث العظيم الأولى بالاحتفال السنوى، أحدهم هذا أسقط الارتباط بين العظمة وحادثة ميلادى، هكذا بدأت محافظة الدقهلية تحتفل بعيدها القومى فى الثامن من فبراير، وتوقفت كثير من الأجهزة الحكومية عن الاحتفال بعيد ميلادى فى السابع من مايو، ورضيت بهذا التعديل مكتفيا بأن كثيرا من العظماء ولدوا فى شهر مايو، وان واحدا منهم على الأقل ولد فى اليوم السابع منه.

فى هذا العام جرى الاحتفال عظيما بيوم الدقهلية الوطنى، قامت المحافظة بتثبت تمثال فرعونى كبير يصل وزنة إلى سبعين طنا لأحد الملوك الرعامسة الذين حكموا مصر فى فترة الدولة الفرعونية الحديثة قبل ثلاثة الاف سنة، ووضع التمثال وسط بهجة كبيرة من المواطنين فى ميدان رائع بمدخل مدينة المنصورة بجوار الاستاد الرياضى، هكذا وضع المسئولون أنفسهم على بداية الطريق فى بعث الاهتمام الشعبى بوجود كثير من الأماكن الأثرية والدينية والتاريخية والحضارية فى مصر، حتى أن بعض من شاهدوا نصب التمثال طالب إنشاء كلية مستقلة للآثار بجامعة المنصورة.

إنها ضرورة حضارية أن نزين مياديننا وبيوتنا ومجالسنا، نضع فيها تماثيل وأعمال فنية من إنتاجنا نحن المصريين على مر العصور، تثير فينا الفخار بتاريخنا وتبعث فينا الرغبة فى حب الحياة على أرضنا وسط جمال نصنعه بأيدينا.

الأمور الحلوة كثيرا ما يفسدها الموظفون، فى هذا العام نقل الموظفون الاحتفال الرسمى من يوم الثامن إلى اليوم العاشر لسبب إدارى مقيت هو أن اليوم الثامن كان يوم جمعة وهو عطلتهم الأسبوعية، ووضعوا التمثال الفرعونى بحيث ينظر وجهه إلى الجنوب ليتفق مع رؤيتهم لمدخل المدينة، لكن المتابع يرى التماثيل الفرعونية الكبيرة فى أماكنها الأصلية وهى تنظر إلى الشرق حيث يطلع كل يوم معبودهم رع متمثلا فى الشمس، أمثلة على ذلك معبد أبو سمبل جنوب أسوان وتمثالى أجاممنون فى الأقصر، هكذا كان الأفضل أن ينصب التمثال ناظرا إلى الشرق لينقل للمواطنين بعضا من تصور الفراعنة عن الحياة فى الشرق والبعث فى الغرب.

صنعت عربات الزهور والعروض الاحتفالية جوا رائعا من الإحساس بالأصالة والجمال يصدح فيه مطربونا العظام، أم كلثوم ونجاة وعبد الوهاب ومحمد منير، لكن هذا الجمال أخذه السادة الكبار لصالحهم، كأنهم (رعامسة) جدد، حين حملت معظم اللافتات عبارات نفاق وظيفية تخص بالتهنئة السيد المحافظ والسيد أمين الحزب الحاكم بالمحافظة وحدهما، وكان الأجدى أن تحمل كل اللافتات للجميع تدريبا لكل القيادات وكل الأحزاب على بعث التهنئة خالصة لشعب الدقهلية وحده.

Friday, February 08, 2008

أصل المثل .. حكايات

تنبيه قبل القراءة
هذا المقال كتبناه لمن يعرفون بعضا من بلاغة العربية ويدركون قليلا من فن كتابة المقال
لذا فهو صعب القراءة وصعب الفهم على العجم ومحدودى الموهبة.
=============
لا أذكر من هو صاحبنا الذى أطلق حكمة على رؤوس الأشهاد "إن تابت القحبة تبقى معرصة" بفتح العين وتشديد الراء، وهو الذى قال لبعض خاصته أن القحبة تعيد الكرة وتنجب أقحابا من جديد، من المؤكد أن صاحبنا أخذ من الخوازيق ما يكفى لأن يصبح مهموما باستخدام قواميس اللغة العربية بحثا عن تأصيل كلمات تجرى على ألسنة العامة دون خجل كبير، وأصبح مهموما بتوصيف سلوك بعض أنواع البشر بحثا عن حكمة تجرى على ألسنة المعوزين عند الحاجة.

صاحب الحكمة عادة لا يعثر عليها من فراغ، ومن أجل صناعة الحكمة راقب صاحبنا سلوك طائفة من مجتمعنا، حين يتوقف الرجال عن الرجولة ويخصون أنفسهم فلا ينجبون فكرا أو أخلاقا كريمة، يتأوهون فى العلن ويدخلون فى عالم النساء طائعين، وحين تسترجل النساء ويعقرن أنفسهن فلا ينجبن فكرا أو أخلاقا كريمة، يعانين من هروب الرجال ويدخلن عالم العنوسة مرغمات، هكذا يختلط الأمر ويفقد الجميع فيما يسلكونه ما تبقى لديهم من حياء.

يبدو أن صاحبنا لم يكن حكيما بالفطرة، لكنه فى سبيل فهمه لسلوك هذا الصنف من البشر إلتقى صدفة بامرأة ناقصة الأنوثة ومع نقصها البيُن عاشرت بعضا من الرجال، وحين فشلوا فى قيادتها على أن تكون امرأة عادية، لها ما للنساء من أنوثة وأمومة وفضل وعليها ما عليهن من حياء وحكمة وفضل، عندها تسربوا من صحبتها فرادى وجماعات وتركوها مقصدا لكل مريض راغب، تركوها عجوزا وحيدة تدخل عالم العنوسة وتسير فى الشوارع من غير زوج معلن وتركن فى الحارات من غير وليف أنيس.

صاحبنا لم يكترث بحال هذه المرأة العجوز إن كانت من أعيان الناس أو من ضالتهم، ولم يعر اهتماما إن كانت حاصلة على شهادات ورقية مضروبة فسادا وتقية توحى بأنها تعرف القراءة والكتابة أو إنها لا تحمل شهادات بالمرة، المهم انه شافها امرأة حزينة مع الرجال وفاشلة مع الأفكار، تحمل على عنقها جمجمة فارغة إلا من بقايا جنس محبط ودلال منقوص وعصاب شديد، هكذا حال امرأة طار عن معاشرتها أكثر من رجل بعد أن فشلوا فى اختراق عنوستها النفسية وعلاج ما وطن فى نفسها من داء.

صاحبنا لاحظ ذات يوم أن بعض أشباه رجال ونساء يسلكون سلوك تلك المرأة العجوز، يدخلون مدونتى على الانترنت، يقرأون بعض مقالاتى قاصدين أن يحملوا من كلماتى على قدر فهمهم المريض، يقضون أسابيعا وشهورا فى أرجاء أرضهم السبعة، لينشروا فى المجالس والصحف والمنتديات أنى أتحرش بالطلبة والطالبات والقيادات وأهل العقد وأهل الحل وسابلة الطريق والناس أجمعين، وأنهم وحدهم فقط الذين لم يصبهم قذف من قدرتى الموبوءة بالتحرش، هكذا تمر الأيام على بعض المرضى يرصدون حركاتى ويقرأون أعمالى على درب امرأة عجوز فاقدة إغواء الأنثى تولول وتصيح وتسعل وترغى وتزبد أنى لست على دين العقلاء.

بدأت ملامح نص الحكمة فى الظهور، فحين لاحظ صاحبنا أن المرأة العجوز تستمرئ فعلها السيئ دون أثر على توجهاتنا أو تعديل فى سلوكنا، قرر وصف المرأة العجوز بأنها امرأة قحبة وأن من على شاكلتها أقحاب، لم يقصد صاحبنا تعريف أهل اليمن حين يسمون المرأة العجوز بالقحبة كما ورد فى معجم لسان العرب ولكنه قصد فى وصفه اللغوى ما يقوله قاموس المعجم الوسيط أن القحبة هى العجوزُ يأْخُذُها السُّعالُ، وهى العجوز الفاسدةُ الجوف من داء، وهى العجوز البغيُّ لأنّها كانت في الجاهلية تُؤْذِن طُلاَّبَها بقُحابها، وهو سُعالها، هذه القحبة بلغ أمر حقدها تجاهى أشده ووجدت فرصة لدى قيادات عمل بالية الفكر ومتخلفة الثقافة، فرصة لكى تتجسس على أعمالى وتصبح شرموطة وتسلك سلوك شراميط، فمعجم لسان العرب يقول أن الشرموطة من كلام العامة هى الثياب القديمة المرتوقة المهلهلة، يعنى أن المرأة القحبة أصبحت شرموطة تجعل من نفسها وعاء لصديد جهلة وفاسدين وقيادات شرموطة، القحبة إذن أصبحت قحبة وشرموطة.

دون جهد رصد صاحبنا سلوك المرأة القحبة حين وجدت عند الشراميط أذانا صاغية تشفى غلهم تجاهى، ووجدوا فى قحبتهم ساحة خالية من فكر راقى أو تناسق جمالى، هكذا أصبحت القحبة وسط الشراميط تحمل صفة جديدة اسمها العرصة حيث يقول المعجم الوسيط أن العَرْصَة ساحة الدار وهي البقعة الواسعة بين الدور التي ليس فيها بناءٌ، قيل سُمِيَّت بِه لأن الصبيان يعرصون فيها وجمعها عِرَاصٌ وعَرَصات وأعراص، وقيل كل بقعة ليس فيها بناءٌ فهي عرصة، القحبة إذن أصبحت قحبة وشرموطة وعرصة.

صاحبنا نصف الحكيم تنبأ فى مقام فحولته الفكرية بأن العرصة هى التطور المنطقى للمرأة القحبة الشرموطة حين يداهمها الزمن، وشحذ ذاكرته فى استرجاع قواعد العربية ليأتى من أصول اللغة باسم الفاعل من العرصة ليجد كلمة معرٌصة وعلى يديه تصبح القحبة الشرموطة حالة لصفات المعرًصة أيضا، إنها امرأة ساحتها خالية من أي طالب وتتواطأ مع الفاسدين على نشر قحابة الفساد بين الناس على أمل أن تخرج هى من إجحاف عنوستها المتأخرة، القحبة إذن أصبحت قحبة وشرموطة ومعرُصة.

هكذا أصبح منطقيا أن يصوغ صاحبنا حكمة تقبل التعميم على سلوك أشباه رجال وأشباه نساء فقدوا حيائهم فلا يتوقفون عن التجسس والوشاية دون قدرة على المواجهة، وثب صاحبنا بين النصوص ليصوغ حكمته مثلا شائعا لدى العامة يصر على أننا قوم نعيش فى مجتمعات يصعب تعديل سلوك أفراها دون ثقافة جديدة، مجتمعاتنا تلقى على مهل واسترخاء حكمتها " إن تابت القحبة تبقى معرُصة " بفتح العين وتشديد الراء، ولا تبذل جهدا فى تغيير هذا الغثاء المريض من البشر.

ولأنى لا أميل إلى اختراع أمثال أو حكم تقبل التعميم على البشر فانى وقت غضبى أصف سلوك مثل هؤلاء المرضى تجاه مقالاتى بأنه سلوك امرأة معرُصة بنت قحبة شرموطة، وان كنت أميل وقت كظم الغيظ أن أشارك العقلاء وصفهم لهذا النوع من السلوك أنه مجرد سلوك منطقى لامرأة تعانى من عنوسة متأخرة وتراود الناس عن فضل أنفسهم.

Wednesday, January 16, 2008

!! أنا أحب عادل إمام


فى مصر كلام كثير عن ضرورة الإصلاح، والمدخل الأساس للإصلاح فى مصر هو الانتخاب الحر لرئيس الجمهورية، فى هذا الإطار وصلتنى على بريدى الإلكترونى رسالة تضم مقالا يقترح طريقا للإصلاح.
=========================

عادل إمام رئيسا لمصر


فى ظل غياب قائد سياسى معارض بفعل فاعل أصبح من المؤكد أن يرث جمال مبارك الحكم ولاسيما بعد انعقاد المؤتمر التاسع للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم وتوزيع الأدوار بين الأصدقاء وكأن مصر نهيبة..
وإذا تم ذلك سيكون ليس هناك أملا فى أى إصلاح حقيقى فى نفوس الشعب الذى هو فعلا فى حاجة إلى دماء جديدة وليست وجوه مكررة.. فكل الشخصيات المصرية الشريفة والصالحة للقيادة فى وضع ضعيف جدا والحزب الحاكم فى موقف الأقوى والجماهير محتاجة إلى زعيم يحركها وهذا صعب جدا فى ظل التواجد الأمنى وقوانين الطوارىْ.. فهناك مليون عسكرى أمن مركزى لحماية جمال.. والتغيير قد يكون بمواجهة دامية نحن فى غنى عنها كشعب ذكى متحضر.

وطالما أنهم قد خططوا لهذا الوضع وبدقة وجعلونا جميعا نضرب أخماس فى أسداس.. تعالوا نفكر كمعارضة ذكية بطريقة عملية جدا وباردة جدا ونترك النظام لخططه ونرشح جميعا من قلوبنا وبطريقة سلمية متحضرة الفنان عادل إمام كرئيس لمصر وكمخرج وحيد لنا من عملية الشلل فى التفكيرالتى أصابنا بها هؤلاء الأذكياء.

وعادل إمام غنى عن التعريف فهو فنان مصرى أصيل له شعبية ايجابية عارمة من المحيط إلى الخليج.. بالإضافة إلى أن كل القوى الشعبية فى مصر قد تلتف حوله لأنه بكل بساطة هو الشخصية الوحيدة التى لا يستطيع النظام أن يشوه منه شيئا.

تعالوا نرى مزايا عادل إمام السياسى بموضوعية مجردة:
أولا: على المستوى الشخصى والعائلى إنسان محافظ ومعتدل.
ثانيا : من الجيل الذى عاصر الثورة وكون وجهة نظر سياسية من خلال مشوار فنى طويل مر فيه بكل المراحل التحولية فى تاريخ مصر الحديث والعالم العربى والعالم الخارجى .
ثالثا: عادل إمام عنده إحساس حى بمشاكل الشعب المصرى فالرجل عصامى لم يولد وفى فمه ملعقة من ذهب.
رابعا: يؤمن بالديمقراطية وتعدد الآراء وعدم التثبت بالكرسى.
خامسا: سيرحب به الغرب منذ أول يوم له فى الرئاسة لأنه سيذكرهم برولاند ريجان، وسيكون فاتحة خير على مصر.
سادسا: وهذا والأهم سيكون لدينا رئيس دمه خفيف وسوف تكون فترة حكمه لذيذه وستنخفض حالات الاكتئاب.

لابد أن ندفع ونقف جميعا خلف عادل إمام كمرشح مستقل لرئاسة جمهورية مصر العربية ممثلا لكل التيارات السياسية والدينية والأيدلوجية.

تعالوا من اليوم نبدأ فى وضع الصور واللافتات المؤيدة لعادل إمام فى الشوارع والطرقات وعلى الشرفات وبذلك نثبت أننا شعب متحضر مسالم على الأقل نختار من يحكمنا ونقول للحزب الحاكم الذى يحكمنا بالعافية باى باى.

فهل يقبل عادل إمام هذه الثقة ؟؟؟
بقلم: غريب المنسى
http://www.ouregypt.us/Bgharib/gharib73.html
==============================
ولى تعليق على هذه الرسالة :
هذا هو الشغل على أصوله، وعلى جهد المصريين قصد الهدف.
===========
ولى الإضافة التالية:
دعوة لانتخاب ياسر العدل نائبا للرئيس
===========
الأخوة المواطنون فى بر مصر المحروسة،
أخوكم ياسر العدل مواطن مصرى أبا عن جد، يحييكم ويطلب مشاركتكم بالتفكير فى شأن مرشحنا لرياسة الجمهورية الفنان الكبير عادل إمام، بصفته لا بشخصه، وكما يظهر أمامكم فى صورته الكريمة.

أيها المواطنون الأعزاء،
لا يعيب مرشحنا للرئاسة الفنان عادل إمام شيء إلا انه وكما ترون يدخن السيجار، وسيجار عادل إمام يجرنا إلى مصائب فكرية وثقافية كبيرة تطيح بنا فى اتجاهات بعيدة عن أرضنا المصرية المباركة،

أيها الأخوة المواطنون،
سيجار مرشحنا عادل إمام يجرنا إعلاميا إلى رموز العالم الغلبان فى كوبا (السيجارالكوبى) وإحنا مش ناقصين ( خطب وكلام مثل خطب السبع ساعات لكاسترو ويبقى الحال كما هو عليه شعارات وجيفارا مات وبلاوى حمرا)
ويجرنا أيضا إلى رموز العالم المفترى (سيجار تشرشل) فى بريطانيا العظمى ( حرب واستعمار وانهيار إمبراطوريات وصراع حضارات وبلاوى زرقة).

أيها المواطنون الأعزاء ،
سيجار مرشحنا للرئاسة عادل إمام رمز مقصود ليأخذ شغاف قلوبنا إلى نظائره فى مصرنا الفقيرة، يجر ذكرياتنا إلى سجائر (فشل الحمير) بكسر الفاء وتسكين الشين، سجائر المراهقين من شبابنا الفقراء فى قرانا العزيزة، يصنعونها من زبل الحمير الجاف ويلفونه فى أوراق جرائد قديمة ليصبح نوعا من السجائر الفقيرة دائما والصحية أحيانا، ويدخنوها خلسة بعيدا على حواف الترع والحارات والجسور.
أيها المواطنون الأحرار،
مرشحنا للرياسة عادل إمام رجل مصرى وفنان كبير، والرجال فى عصور الاستبداد قليل والفنانون فى عصور الكبت أقل، مرشحنا عادل امام جدير بانتخابه رئيسا ونحن جديرون برفعة شأن رئيسنا المنتخب.

أيها الأخوة المواطنون،
أننى اشعر بالفخر بانتسابى إلى الحملة الانتخابية للمرشح الرئاسى عادل إمام ، واننى أرشح نفسى معه للقيام بدور نائب الرئيس المنتخب، واننى أعدكم بأن تكون أهم وظائفى فى الجمهورية الجديدة هى العمل على القاء السيجار بعيدا عن فم الرئيس لأضع مكانه عود بصل أخضر سوهاجى على يسار فمه الكريم لزوم تناول الملوحة الصعيدى - فرعونية الاختراع - على مستوى قاعدة الصعيد ولزوم تناول جبنة المش البحراوى - فرعونية الاختراع - على مستوى قاعدة وجه بحرى، وأن اعمل جاهدا على أن يرتدى الرئيس طاقية صوف من طواقى الفلاحين فى أرياف السنبلاوين بالمنصورة فهى طواقى طويلة جدا يقوم صوفها بدور الطاقية الصغيرة لفلاحين وجه بحرى ويقوم طولها بدور اللاثة لفلاحين الصعيد، وأعدكم أن ابذل جهدى مخلصا ليقوم الرئيس بلبس جلباب بلدى له جيب سيالة ممتلئ بالخبز والبصل والحلاوة وأن يرتدى الرئيس صديرى من القطن المصرى مضاد للعولمة الثقافية به ثلاث جيوب للساعة والهلال والصليب،
أيها الأخوة المواطنون،
إننى أرشح نفسى لمنصب نائب الرئيس قاصدا أن أرسى تقليدا ضروريا فى آليات الحكم الديمقراطى وتوزيع السلطات قاصدا أن يستعيد الإنسان المصرى كرامته ليصنع أصوله العظيمة فى المرجلة والجدعنة وحب الحياة.

أيها الأخوة المواطنون،
إننى أطمع فى شرف الحصول على أصواتكم، واننى اذكى نفسى لتحمل مهام نائب الرئيس ذلك المنصب الرفيع، فجدى الأكبر مسك لجام حصان خوفو، وأبى رعى الخيول والبهائم فى أرض مصر وأنا لست حاملا لجنسية أجنبية ولم أتعلم فى مدارس أجنبية، أقرا وفهمت كثيرا من القرآن الكريم وأقرا وفهمت كثيرا من الإنجيل والعهد القديم، وأحب فى أجازات العمل أن أسير حافيا لتشرب أقدامى من طين وطننا مصر ويتعفر وجهى ضياء بغبار وطننا مصر.
أيها المواطنون فى بر مصر المحروسة،
لو طال الأجل وواتتكم فرصة فى آخر العمر أن تلمس أيديكم حرية انتخابات ولاقيتم صدفة حرية إبداء رأى، والنبى على قلبكم تنتخبوا الباشا عادل إمام وتنتخبونى، دا أنا غلبان وهو كمان غلبان.

Saturday, January 12, 2008

سليم عزوز

أنا أعيش فى ضواحى مدينة القاهرة على قدر لقاء الأصدقاء، سليم عزوز واحد من أصدقائى الأعزاء، كاتب صحفي مصرى من محافظة سوهاج فى صعيد مصر الجوانى، كان من المفترض أن يكون حكاء شعبيا يعرف الأنساب والأصول والروايات وفقه الحياة فى صعيد مصر لكن ساءت ظروفه وأصبح صحفيا فى عهد الريادة الاعلامية المصرية.

تتميز مقالات سليم عزوز الصحفية بسلاسة فى اللغة وسخرية فى السرد وخفه روح فى الأسلوب، فى مقالاته يمارس نقرات صقر حين يعالج أمورا سياسية ويمارس نقرات ظبى حين يعالج أمورا إنسانية.

سبع صفات من كن به لأصابه ما أصاب سليم عزوز من حرفية عالية فى كتابة المقال الصحفى خفيف الظل:
أولها الكراهية الشديدة للإنجليزية وخاصة النوع الأمريكى منها فسليم عزوز يكره الست كونداليزا وزيرة الخارجية الأمريكية وينعتها بالآنسة سالبا تلك المرأة كل مغامراتها النسائية فى عالم السياسية.
والثانية الكره الأصيل للديمقراطية المعروضة فى أوعية الحزب المصرطنى الواحد، مصرطنى نحت لغوى من اكتشافنا ذلك بأن أمر هدم مصر بمعاول الحزب الوطنى يصبح الأمر مصرطنى من السرطنة والسرطان، فسليم عزوز يصر على انه سقط فى انتخابات مجلس الشعب المصرى بإرادته الحرة دون أن يرجع فى بعض الأمر لفعاليات المصرطنى.
والثالثة الوجه الأسمر الجميل لا تخفى سمرته سحابات الدخان الأبيض، فسليم عزوز يعب دخان الأرجيلة عبا ثقيلا لا ترهبه أنواع دخان المعسل أيا كان نوعه بالتفاح أو الورد أو الحندقوق، ويصر طول الوقت أن يكون حكاء جميلا.
أما الصفات الأخرى فقد نسيتها وما أنسانيها إلا شيطان انشغالى بإحصاء مزايا الريادة الإعلامية فى مصرنا العزيزة، تلك الريادة التى تقصى عنا كفاءات صحفية مثل سليم عزوز.

Monday, January 07, 2008

!!.. مواسم توريد الجناة

فى حادثة زراعة مخدرات تم القبض على البنت سماح، وتبين أنها تاجرة مخدرات وأنها سجنت فى قضية تهريب أدوية، وفى قضية انهيار مبنى جديد تم القبض على المهندس داود, وتبين انه أدين فى قضايا تجارة عملة وحيازة سلاح ابيض واغتصاب مدير بنك.

وفى هوجة اشتباه فى تجارة الممنوع تم القبض على الولد سعيد, وتبين انه ماسح أحذية هارب من إحدى زوجتيه ويتفاوض على عقد عمل فى الخارج، وقضى الحاج عتريس عشرين يوما فى الحبس حتى تم القبض على رجل تشتبه الشرطة فى انه القاتل الوحيد لحصان رجل عظيم.

هكذا فى بعض المواسم تقعقع أدوات الشرطة فى تطهير منطقة من الخارجين على القانون، تفتش الأرض والسقوف والمنازل والجيوب، ويتم القبض على العشرات من المشتبه فيهم، وحين تخبو طبول مواسم التطهير، تهدأ المعمعة ويسترخى المتعبون من رجال ضبط وجواسيس ووشاه, ويدخل المقبوض عليهم فى محابس تحت السيطرة تمهيدا لإعادة القبض عليهم وقت الحاجة لتسوية جرائم لم تستدل الشرطة على مرتكبيها.

هكذا فى بعض المواسم يتكرر القبض على مشتبه فيهم ويكتشف الناس أن المشبوهين هم نفس الأشخاص المعروفين للشرطة, ويحتار الجميع فى تفسير بقاء كثير من المجرمين أحرارا لا تنالهم يد القانون، يعيثون فى الأرض فسادا ويروعون الآمنين، يتعاملون مع الشرطة كأنها صديق قديم، ويفسر البسطاء أن إغماض عين القانون على نشاط كثير من المجرمين والفاسدين ليس راجعا لطبيعة جرمهم أو لتنوع أسباب الفساد، بل راجع لأن يد الشرطة تتحرك لتنفيذ حالات موسمية، ترتبط بحالات الترقية أو بتنفيذ سياسات فردية محددة، ويتربى شعور لدى الناس بأن الأمور غير منضبطة، ويحاصرهم إحساس بأنهم مشاريع جاهزة لحالات اشتباه تديرها الشرطة، ذلك بأن إغماض الأعين عن الجرم المشهود إنما هو مساومة يمارسها اللصوص فيما بينهم قاصدين الهروب من كل مسائلة.

كلنا يعرف جناة من كل نوع، ويعاشر خارجين على القانون فى أكثر من نص، كلنا يخالط زوجات وأولاد وأقارب وموظفين وتجار وفنانين وطلاب علم وأساتذة جامعات وصحفيين، لكن الخوف القاتل كامن فى صدورنا من سطوة الجناة ونوم القانون وفساد الذمم، وخوفنا من هشاشة ضعفنا الإنسانى بأننا فى وقت ما صالحون لأن نكون جناة من نوع ما.

هكذا نظرا لخوفنا الإنسانى وتعثرنا السياسى فى تناول قضايا الحرية، نرضى لأنفسنا ما نرفضه لغيرنا، نستدرج كل القوانين لتخدم مصالحنا، كل هذا الخوف القاتل يجعلنا لعبا مهترئة أمام السلطة, نطرح أنفسنا صالحين للاستخدام فى مواسم توريد الجناة للقضايا الناقصة أو المحتملة، كل هذا الخوف القاتل يدفعنا لتحسس العصى وشحذ السكاكين قاصدين أن نهش أهل البلطجة ونستعيد شعورنا بالأمان ونطمح أن تلامس أيادينا عدالة تطبيق القانون.

لا سبيل أمامنا للهروب من دوائر الخوف غير الإمساك بأدوات الحرية، حرية الفكر بالعلم، وحرية الإرادة بالوعى، وحرية الفعل بالديمقراطية، نحن بحاجة إلى إدارة علمية تساعدنا على الفصل بين الجناة باعتبارهم موضوع اتهام للشرطة وبين الشرطة باعتبارها أداة لتنفيذ أحكام القضاء وبين القضاء باعتباره أداة لكشف للعدالة، نحن بحاجة إلى إدارة ترفع الوعى لدى الناس ليدركوا طبيعة حرياتهم، ترفع كفاءة الشرطة فى جمع المعلومات وتحليلها وإدارة نشاطاتها، ترفع درجة تطبيق نصوص القانون لتشمل الجميع، ترفع سرعة التقاضى وسرعة الحسم فى الأحكام، ترفع صلاحية السجون لحبس كل مخالف.

ويبقى مطروحا علينا نحن المصريين أسئلة محورية، كيف لنا أن نعرف واجباتنا ونطالب بحقوقنا؟، كيف لنا أن نتخلص من غشم سلطة القهر؟ كيف لنا أن نتجاوز ضعفنا المهين حين يخيفنا الجانى الشرس ويسجننا الشرطى القبيح ويفصل بيننا القاضى الضعيف.

Thursday, December 06, 2007

!! .. رواتب الولاء

فى جامعاتنا المصرية الثلاثة عشر، تدور أحاديث بين أكثر من خمسة وثلاثين ألف عضو هيئة التدريس، حول أعراف ولوائح مالية تدفع فى جيوب القيادات العليا بالجامعات ومعها بعض كبار الموظفين الإداريين برواتب ولاء وطاعة يحصلون عليها فى صورة مكافآت عن أعمال ومهام لا يقومون بها.

أوضح مثال على رواتب الولاء فى الجامعات هو مكافآت الامتحانات، ففى جامعاتنا مئات الألوف من الطلاب يتعرضون طوال العام الدراسى لامتحانات واختبارات متنوعة، فمن العدل أن تصرف الجامعة مكافآت لمن يشاركون مشاركة فعلية فى لجان الامتحانات والاختبارات، ومن الفساد الإدارى أن تصرف مكافآت لأفراد بحكم وظائفهم فى الإدارة العليا يقومون بالأشراف العام على امتحانات تجرى فى نفس الوقت فى أكثر من لجنة وأكثر من كلية، فمعنى ذلك أن واحدا من الموظفين يأخذ آلاف الجنيهات من الأموال العامة مقابل قيامه منفردا بأعمال معجزة يحتاج إنجازها إلى حوالى أربعمائة وخمسين يوم عمل فى كل سنة، وتفسير هذا أن القيادات العليا فى الجامعات تبيح لنفسها مخصصات ومكافآت تتناسب طرديا مع طبيعة الفساد الإدارى، فقيادة كبيرة فى جامعة ما يحصل على أضعاف ما يحصل علية نظيره فى جامعة أخرى حسب عوامل التوجه الأخلاقى وعدد الطلاب والتخصصات العلمية، انه أمر غير مبرر حضاريا أن توضع لوائح وقوانين فى الجامعات يحار معها أعضاء هيئة التدريس فى حساب الفروق بين مرتباتهم ودخولهم وبين مثيلاتها عند نظرائهم فى الجامعات المختلفة، بل تحدث الفروق غير المنطقية فى نفس الجامعة ونفس الكلية.

أمر المرتبات والمخصصات والدخول للعاملين فى الجامعات يحتاج إلى شفافية فى تشريع القوانين، شفافية تفصل بين الأعباء والمخصصات والمرتبات لكل وظيفة على حدة، ويصاحب الشفافية توضيح إعلامى لكل من يهمه الأمر، يحدد به مدى صلاحية الدخول والمرتبات لأن تكون وعاء ضريبيا واجتماعيا يقيس مشاركة الجميع فى بناء المجتمع ماديا وأخلاقيا.

تطبيق الشفافية على جدول الوظائف والمرتبات فى الدولة، يقلل اعتماد المجتمع على الوظائف الهلامية متواضعة الأجر التى يقبلها شاغلوها أملا فيما تدره عليهم من دخول غير منظورة، مثل وظائف عمال محطات البنزين والمقاصف والملاهى وأساتذة الجامعات، يقبلون وظائفهم بمرتبات قانونية لا تزيد عن عشرات الجنيهات، وعند التطبيق الفعلى لأركان الوظيفة تصل دخول بعضهم إلى الآلاف من الجنيهات حسب المكان والزمان وعدد طالبى الخدمة.

فى الدول الفقيرة، تسود ظروف عمل شخصية متخلفة، تحكمها أخلاقيات فقر ويسود منطق عصمة القيادات، وتنتشر معايير سرية لتقييم الأعمال، وتوزع الوظائف الكبيرة على أهل ثقة ينشرون أدوات التعمية على دخولهم ومرتباتهم، وتتسع الشقة بين قيمة العمل وقيمة الأجر المدفوع، ويصعب تصنيف مصادر الدخل ومحاسبة الناس على طرق مشاركتهم فى بناء المجتمع، ويكون العمل التطوعى غير متكافئ من حيث العائد ويمثل سلوكا دعائيا يعتمد على قيم أخلاقية ترى فى مطالبة الغير بشفافية الدخول والمرتبات نوعا من الحسد وتقطيع الأرزاق.


فى الدول الغنية, تسود ظروف عمل موضوعية علمية، ترعى كفاءة الإنسان وقدراته، يوضع الأجر مقابل عمل منتج ومقدور عليه، وقيمة عائد العمل تحصرها أدوات قياس موضوعية، تحدد الكفاءة المطلوبة لإنجاز ذلك العمل، ويكون العمل التطوعى سلوكا مدفوع الأجر، يجنى صاحبه تخفيضات فى الضرائب، وتثبيت قيم أخلاقية جديدة ترى أن شفافية الدخول والمرتبات تبث روح التنافس الشريف بين أفراد المجتمع.

لسنا ضد أن يحصل موظف كبير ذو أعباء كبيرة على راتب كبير محدد وواضح، إننا ضد أن يحصل ذلك الموظف على دخول ومخصصات تتغير دون معيار موضوعى معلن، لأن الفارق الاقتصادى والاجتماعى بين المرتبات الرسمية والدخول الحقيقية هو دعوة لأن يطلب الموظفون وظائفهم بالوساطة والمحسوبية ونشر الفساد .

Sunday, November 18, 2007

عيد للنصب والابتزاز الكبير

شيئ منطقى أن يصنع الناس لأنفسهم أعيادا ومواسم ، فالناس مثقلون بأعباء حياة هم فيها صيد للكوارث والمحن وما تصنعه أيديهم، معظم الأعياد والمواسم درج الناس على إلصاقها بالتوجهات الأسطورية والدينية، عيد جلوس الملك حين يكون الملك نائبا عن الرب فى توزيع العطايا وإحلال العدل بين الرعايا والعبيد، وعيد تحرير الوطن حين يكون الناس مغتربين فى الأرض تائهين عن الجذور، وعيد الشكر حين تمتد يد الرب بتلبية حاجات بسيطة للإنسان العاجز، وحين يتقدم الإنسان ويعلوا فوق غرائزة البسيطة ويحتفل بمجردات وأفكار يكون الاحتفال بالأفكار الكبيرة والبشر المصلحين وتمجيد العقل، هكذا تولد بين ثنايا الأحداث طائفة من أعياد ذات أبعاد إنسانية بعيدة عن الأسطورة والدين، وعيد العلم من هذه الطائفة.

عيد العلم احتفال يجريه البعض تمجيدا للعقل وتعظيما لشأنه، هو إحتفال رمزى يدور على ثلاثة محاور، محور تمجيد العقل باعتباره أداة انسانية تصنع التطور، ومحور تمجيد العمل المنظم باعتباره الأساس الوحيد لجلب القيمة الإقتصادية والإجتماعية للإنسان، ومحور رفض الطقوس والتابوهات الأسطورية فى قولبة الإحتفالات.

فى هذا اليوم تحركت إدارة احدى الكليات الجامعية فى مصر، نحو ما تقول أنه احتفال بعيد العلم، انه احتفال ساذج تقوم به على مفاهيم مغايرة لمفهوم العلم بالمرة، مفاهيم تقوم على الإغتصاب والمتاجرة بالمظاهر لتحقيق مكاسب فردية متواضعة.

ادارة الكلية، ونتيجة أحداث كثيرة اتخذت فيها قرارات خاطئة، أصبحت دون مصداقية لدى الكثير من أعضاء هيئة التدريس، بعض أعضاء هيئة التدريس تروضهم سياسة العصا والجزرة فيبقون صاغرين، وادارة الكلية نتيجة تلك الأحداث المخزية علما وخلقا فقدت الكثير من مصداقيتها عند الإدارة العليا فى الجامعة، أقل هذه الأحداث كان توجه الكلية فى فترة من الزمن للتجارة بالدراسات العليا ومحاوله منح شهادات دبلوم وماجستير ودكتوراه فخرية لأناس أجلاف خربوا بمالهم الفاسد وفكرهم البدوى السقيم نفوس بعض الضعفاء من أهل مصر.

اذن ماذا تفعل ادارة الكلية لتحسين صورتها أمام من تتصور أنهم اصحاب اليد النافذة فى جلب المصالح الشخصية، تفتق عقل الادارة عن افتتاح عيد للعلم على أن تضج الاعلانات باعتبار عميد الكلية صاحب الفضل الأول فى الاحتفال بعيد العلم على مستوى الكلية، انه إعلان كاذب مثل تحقيق الأسبقية الأولى فى الدخول الى درب بين القبور، انه اغتصاب ممجوج تقوم به ادارة متواضعة ثقافة وفكرا، وعليه قامت ادارة الكلية بتوجيه الدعوة لادارة الجامعة للمشاركة فى الاحتفال، انه تملق مرذول ونفاق موبوء بالفساد والوصولية، ومن أجل الاحتفال قامت الإدارة بإغلاق أحد مدرجاتها الكبيرة لإقامة زينة ومهرجان صاخب وضوضاء مسرحية، ضاربة عرض الحائط بمحاضرات الطلاب فى هذا المدرج ودون استئذان الأساتذة، انها سوقية فكرية وجليطة ادارية واستهانة بالطلاب وبالأساتذة.

الى متى يبقى أمرنا فى هذا الهوان، عقولنا مضروبة بالجهل فلا تدرك حقائق الفساد فى بلادنا، من يسرق شهادات العلم ويدعى بما ليس لدية من حصافة وفهم يصبح هو المسئول عن احتفالاتنا بالعلم، ام ان الأمور صارت فى بلادنا مشوشة لدرجة ان تصبح أعيادنا مجالا للنفاق والنصب ورتق العيوب والابتزاز الكبير.

Saturday, November 10, 2007

!! مشروعنا النووى . . مطالب

الحديث عن مشاريع استخدام الطاقة النووية فى مصر باعتبارها مشاريع قومية له مداخل كثيرة، يهمنى منهما اثنان، مدخل عاطفى يتماس مع وجدانى كمصرى ومدخل فكرى يتعرض لمفهومى فى الانتماء والمواطنة.

عن المدخل العاطفى، فانا مصرى طفت بجسدى معظم ارض مصر فرأيتها بوجدانى صاحبة جغرافية متنوعة عبر مليون كيلومتر مربع، صاحبة أكثر من خمسة آلاف عام من التاريخ المكتوب، صاحبة أرض معابد آمون رع ومذابح الكنيسة المرقصية ومنابر أزهر المسلمين، صاحبة السبعين مليون من المصريين وأكثر من سبعين ألفا من الحاصلين على الماجستير والدكتوراه فى معظم فروع العلم، صاحبة الأهرامات والقناطر الخيرية والسد العالى، هكذا يصنع الواقع أرضا لعاطفتى كى أرى مصر كبيرة تستأهل أن تدخل عصر المشاريع النووية الكبيرة.

وعن المدخل الفكرى، أرى أن الانتماء شعور وجدانى ايجابى لدى الأفراد يرفع الرغبة لديهم فى الارتباط بمجتمع معين لتحقيق مصالحهم وطموحاتهم، الانتماء يتملك الإنسان بالمحبة للماضى والرضا بالحاضر والشوق إلى المستقبل، الانتماء معايشة الفرد لظروف موضوعية تحيط به أحداثا عبر الزمن، أحداث عبرت الماضى ورسخت لديه المفاهيم والرؤى وتعبر به الحاضر تصنع له اكتفاء حاجاته الحضارية وتعاين معه المستقبل ليستكمل فيه طموحاته المؤجلة، هكذا الانتماء هو إطار حضاري يضم الوجود الثقافى والاجتماعى والاقتصادى للفرد داخل المجتمع.

أما المواطنة فأرى أنها جزء من الانتماء يمثل الوجود السياسى للفرد داخل المجتمع، المواطنة تحكم فاعليتها آليات التعبير والمشاركة فى صنع القرار بين الفرد والمجتمع، هناك مجتمعات متخلفة سياسيا تحكم حركة أفرادها مواطنة متعددة الدرجات، مواطنون من الدرجة الأولى يشتركون فى صنع القرارات وقد لا يكونوا فى حالة انتماء للمجتمع، يعيشون فوق المجتمع فى مجموعات صغيرة منعزلة ذات روابط متينة ويسخرون قدرات المجتمع لمصالحهم الخاصة، وهناك مواطنون من الدرجة العاشرة ينتمون للمجتمع يعيشون فى مجموعات كبيرة غير مترابطة ولا يملكون القدرة على صنع أبسط القرارات لصالحهم، يتعرضون لأنواع عديدة من سلب الإرادة والمتاجرة بطموحاتهم، يعيشون مهمشين على ارض جغرافية ويتساءلون ماذا تعنى كلمة وطن، المواطنة متعددة الدرجات تظهر فى حالات الاستبداد والاستعمار ومع أصحاب الجنسيات الأجنبية صاحبة السطوة، أما المواطنة الصالحة لصنع وإثراء التقدم الإنسانى فهى مواطنة لا تعرف درجات الفصل التعسفى بين المواطنين فكلهم يتساوون فى اتخاذ القرار وتحمل المسئولية، ولأن الأصل فى الانتماء لمجتمع ما هو وجود الإنسان المنتج يصبح وجود المواطنة الصالحة معتمدا على وجود معايير موضوعية تساوى بين المواطنين من حيث هم أفراد لهم مصالح خاصة وتمايز بين المواطنين من حيث هم جماعات حرفية ذات مصالح عامه، المواطنة الصالحة ترى المواطنين يتمايزون بالقدرة على العطاء قبل تمايزهم بالقدرة على الأخذ، هكذا يكون الحرفيون هم الأداة الأكثر كفاءة لتلبية حاجات المجتمع من تلك الحرفة، يتمايزون بحرفتهم ويصبحون الأقدر على اتخاذ القرارات لصالح حرفتهم، هكذا التساوى بين المواطنين مع التمايز بين قدراتهم هى شرط ضرورى ولازم لتحقيق الانتماء الايجابى الصانع لتحضر للمجتمع.

بعد طرح الجانين العاطفى والفكرى، وحيث أن المشروع النووى يحتاج إلى إمكانيات علمية وفنية وثقافية وموارد اقتصادية كبيرة تؤثر على كافة قطاعات المجتمع، ولأننا مجتمعنا يعانى ضعفا بينا فى تلك الموارد والإمكانيات، يصبح توجهنا النووى مشروعا قوميا يمس مصالح المجتمع فى قضيتى الانتماء والمواطنة، يمسهما من حيث عدالة توزيع الأعباء والمزايا على الجميع ومن حيث ديمقراطية اتخاذ القرار بمعرفة الجميع.

المشروع النووى يجب أن يكون توجها استراتيجيا عاما للدولة يمثل أحد روافد الأمن القومى لمجتمعنا فى مصر، توجه نمارس آلياته فى الإنشاء والمراقبة والتأمين على مجالات كثيرة ينضبط فيها أداؤنا العلمى والسياسى والاقتصادى والاجتماعى، توجه نعلو به فوق مستوى المواقف الدعائية التكتيكية لحزب أو لجماعة، توجه يلزم جميع القوى السياسية فى مصر بالبحث عن حلول حضارية تحقق انتماء المصريين بالحب لمصر، توجه يدفعنا لممارسة حقنا الحضارى فى مواطنة إيجابية نصنع بها قراراتنا المصيرية.

Wednesday, November 07, 2007

!! شهادة .. البنت نوسه

لأسباب خاصة ترتبط بحب النميمة والرغبة فى التعرف على بعض الخلفية الثقافية والاجتماعية لطلاب جامعاتنا، واجهتنى شهادة طالبة جامعية تنتشر وقائعها بين الآلاف فى أرجاء مصر، إنها شهادة البنت نوسه.
- لو سمحت يا دكتور، ممكن أتكلم مع حضرتك.

- أهلا بك فى مكتبى، اتفضلى اجلسى، أهلا يا بنتى .

- أهلا بك يا دكتور، أنا نوسه ، أنا سعيدة أنى بكلم حضرتك.

- أهلا بك يا نوسه، وأنا أسعد بالتعرف على نوسه الجميلة؟

- أنا نوسه ، طالبة فى الكلية عند حضرتك، بابا أشتغل سنوات كثيرة فى دول الخليج وهو لسه قاعد هناك، وماما ربة بيت قاعدة معانا هنا فى مصر، أنا أتولدت هناك، وإحنا ثلاث بنات ولنا أخ واحد، حاليا إحنا ساكنين فى أحسن منطقة فى مدينة المنصورة، ساكنين فى شقه فخمة فى عمارة كبيرة تطل على النيل.

- ايه رأيك فى بلاد الغربة يا نوسة.

- عشنا هناك عيشه حلوة يا دكتور، الناس هناك ماشيين على شرع ربنا.

- رجعتوا من السفر إمتى يا نوسه.

- الحمد لله ربنا سترها معانا، لما قربنا من شهادة الثانوية العامة، بابا رجعنا من الغربة علشان نتعلم فى الجامعة فى مصر، قلنا نرجع بلدنا اللى إحنا بنحبها وكفاية غربة، صحيح كثير من المصريين غلابة ومتخلفين وجعانين وعطشانين، وكثير من الشباب فى مصر مش متربيين، لكن مصر بلدنا وإحنا بنحبها.

- على فكره يا نوسه إنتى ملابسك شيك قوى، الظاهر عليك انك مخطوبة.

- الحمد لله ربنا سترها معانا، أنا مخطوبة لواحد من معارف بابا، خطيبى والده بيشتغل فى الإمارات، لكن أمه وأخواته البنات عايشين هنا فى مصر، خطيبى سافر للسعودية وإنشاء الله أسافر معاه بعد الجواز.

- يعنى ممكن تسافرى قبل انتهاء الدراسة من الجامعة.

- الحمد لله ربنا سترها معانا، أنا رأيى انه مفيش سفر قبل البكالوريوس، علشان البكالوريوس شهادة جامعية ممكن أشتغل بيها فى السعودية ويكون دخلنا أحسن، وعلى كل حال أمر السفر راجع لرأى والدى ولخطيبى.

- قولى لى يا نوسه، إنتى ناويه تدرسى إيه من مواد التخصص فى الكلية.

- الحمد لله ربنا سترها معانا، أنا ادرس أى حاجه يا دكتور، كلها دراسة محصله بعضها، أنا عاوزه شهادة بكالوريوس من الجامعة والسلام، المهم أنى لا أدرس علم التأمين.

- إيه السبب يا نوسه.

- يا دكتورالتأمين حرام، بابا بيقول إن التأمين حرام، كيف نحسب على الناس أرزاقهم؟، يا دكتور عمليات التأمين فيها حساب لأرزاق الناس.

- إنتى إيه رأيك فى الكلام ده؟.

- الحمد لله ربنا سترها معانا، أنا موافقة على رأى بابا أن عمليات التأمين ودراسة التأمين حرام، إحنا إزاى نحسب عمر الإنسان ونحسب له المصائب اللى بتحط عليه، دى مقادير كلها قسمة ونصيب من عند ربنا، ولا يجب أن نتدخل فى قدرة ربنا.

- يا بنتى التأمين علم، والعلم مطلوب علشان الناس يفهموا الدنيا.

- يا دكتور، التأمين يتعارض مع الدين.

- لو سمحتى يا نوسه، ممكن أقول حاجة.

- اتفضل يا دكتور، أنا نفسى أسمع رأى حضرتك.

- يا نوسة انت لا جميلة ولا حاجة، أنت جهاز عديم الشخصية يعدونه لإنتاج أطفال متخلفين، أبوك عبد فلوس مسعور، وأمك لا تعرف معنى الأسرة، وأهلك نوع من البشر يفكرون بعقول متحجرة ويعيشون مشردين من غير وطن.

Wednesday, October 31, 2007

!! نحن لها . . يا سيادة الرئيس

خطاب مفتوح للسيد رئيس الجمهورية
السيد الرئيس/ محمد حسنى مبارك
رئيس جمهورية مصر العربية
تحية طيبة وبعد:
أنا ياسر العدل، مواطن مصرى الأب والأم والأجداد واللسان، من المؤكد أن وقائع كثيرة مرت على أهلى طوال قرون جعلتهم يحبون الحياة على أرض مصر ويورثونى حبهم لمصر، والمؤكد أيضا أن وقائع ثلاث مرت بى جعلتنى أزداد إيمانا بمصر أرضا للرجال والمحبة والفخار.

واقعة صباح يوم الخميس الثالث من أيام إلتحاقى بالمدرسة الثانوية بمدينة المنصورة فى عام 1959م حين جاوزت الثانية عشرة من عمرى، أكثر من خمسة وأربعين عاما مرت على هذه الواقعة، رأيتنى أمارس القراءة والكتابة والسفر الأسبوعى فى ربوع مصر بين قريتنا والمدينة، عندها شعرت بالمواطنة وقررت أن اثبت لنفسى ولأهلى ولأصحابى أن مصر بلدى وأن رئيس البلد رجل مصرى يمكننى أن أخاطبه وأقص عليه بعض أحلامى، عندها كتبت خطابا وأرسلته إلى رئيس الجمهورية، قلت فيه أبى جمال عبد الناصر حسين إننى طالب فى مدرسة المنصورة الثانوية أتعلم العلم من اجل مصر وإنى سأذاكر وانجح وادخل الكلية العسكرية كى أدافع عن ارض مصر، هما أسبوعان انقضيا وجاء الرد خطابا من رياسة الجمهورية استلمته من المدرسة، ابنى ياسر أن مصر تنتظر رجالها ليعيدوا مجدها التليد، ومع الأمنيات الطيبة تضمن الخطاب صورة شخصية لعبد الناصر عليها توقيعه، فى نفس العام أصبح التعليم الثانوى بالمجان لكل المصريين، هكذا كان حالى فى تلك الأيام، ينتابتى شعور طاغ بأن مصر هى بلدى ووطنى وأهلها ناسى وعشيرتى وأن رئيس مصر أب للجميع.

واقعة مساء يوم السبت السادس من أكتوبر 1973م حين جاوزت السادسة والعشرين من عمرى، أكثر من أربعة وثلاثين عاما مرت على هذه الواقعة، عانيت تباريح رحلة شبابية قمت بها فى مدينة صغيرة تسمى ( تمل) بشمال غانا فى غرب أفريقيا، كانت مشاكلى مشاكل رحال صغير يعانى مشاكل التواصل مع الناس والمبيت والإقامة، وفى هذا المساء تناثرت فى المدينة أنباء عبور المصريين لقناة السويس، المصريون يسترجعون أرضهم بقوة السلاح ويرفعون بالكرامة رأس أفريقيا، هكذا كان رأى الناس فى غانا يفخرون بنكروما وعبد الناصر ويرددون شجاعة السادات، وهكذا تناثرت بين الناس رغبات طيبة فى استضافتى وإكرامى باعتبارى شابا أفريقيا يعرف القراءة والكتابة باللغة الشريفة العربية، ومصريا شريفا قادما من بلد الأزهر، يومها لقيت كرما شديدا من أمير المدينة فبعثت خطابا لرئيس الجمهورية فى مصر، السيد الرئيس محمد أنور السادات شكرا لكم وللرجال معكم رفعتم رأسنا وإنا لمنتصرون، ولم انتظر الرد فالجميع كانوا فى شغل فاكهين بانتصارنا، هكذا كانت حالى فى تلك الأيام، ينتابنى شعور طاغ بأن مصر هى وطنى وكرامة أهلها هى كرامتى وأن رئيس مصر قائد للجميع.

واقعة صباح يوم الاثنين التاسع والعشرين من أكتوبر 2007 م، حين جاوزت الستين من عمرى، أكثر من خمسين ساعة مرت على هذه الواقعة، كنت أعانى غصة استسلام بلادنا للتعايش مع واقع متخلف، أحلامنا الكبيرة يجهضها سوء حال التعليم، ثقافتنا تنحدر إلى ثقافة أجلاف يتنازعون العشب والكلأ بين وديان من الرمال، مواردنا ينهبها انتهازيين يسعون وراء الكسب دون انتماء لوطن أو مواطن، حريتنا حبيسة قوانين عتيقة يقوم على تنفيذها قيادات ضعيفة، فى ذلك الصباح سمعت فجأة عن قرار رئيس جمهورية مصر العربية بالتوجه الاستراتيجى نحو مشاريع الطاقة النووية، هكذا رأيت أحلامنا المجهضة لا يعيدها للحياة غير حلم قومى كبير، وتملكنى شعور طاغ بالفخار بأن مصر هى وطنى، فيها إمكانيات بشرية وإرادة سياسية ورجال يجعلونها صاحبة قرار فى المنطقة، وأن رئيس مصر يعمل للجميع.

السيد رئيس جمهورية مصر العربية، تلك الوقائع تشعرنى بالفخار أننى مصرى أحيا فى مصر، وبرغم اختلافنا نحن المصريين على توجهات الدولة المصرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلا أننى أؤيدكم بكل ما أستطيع فى قراركم بالتوجه الاستراتيجى للدولة نحو مشاريع الطاقة النووية، فهذا القرار يمثل طموحا لنا نحن المصريين فى وجود هدف قومى نلتف حوله، هدف يعيد لنا الانضباط العلمى وحيوية المواطنة وفاعلية الانتماء.

السيد رئيس جمهورية مصر العربية، شكرا لكم على ما تقدموه من خير لأهل مصر، وشكرا على ما قدمتموه من خير لى بصفة خاصة، فأنا قبل خطابكم بشأن الطاقة النووية كنت شيخا عجوزا أشكو مجموعة آلام تصاحب جسد يتهافت على الصحة والمقويات غير المجدية، الآن بعد قراركم أشعر بصحوة الشيوخ حين يعلنون أن أصل تفوق المواطن هو الرغبة فى تمايز الوطن، وأشعر بحيوية الشباب حين يدركون أن حب الوطن هو السبيل لإنجاز هذا التفوق، وما بين الشيخوخة والصبا أفكر فى الدراسة والتعلم والزواج من جديد كى أنجب مع المنجبين لمصر مزيدا من علمائها النابهين، نوفر لهم بيئة علمية خصبة، فلا يسافرون شرقا للعمل عبيدا تسحل أجسادهم على غرود الرمال ولا تسيح عقولهم غربا فتتوه ملامح انتمائهم لمصر ذلك الوطن العزيز.
وتفضلوا بقبول وافر الاحترام،،،

المواطن المصرى : ياسر العدل

Wednesday, October 24, 2007

!! سيناء . . أرض التيه

جمعتنى صداقة مع موظف حكومة مثلى محدود الدخل، وحين دخلت الأعياد أصبح لائقا أن نستريح بضعة أيام من نكد الزوجات والأولاد، حشرنا سيارتنا القديمة بتجهيزات رحلة فقيرة، بصل وسكر وشاى وخيار وفسيخ مع أربعين رغيفا من خبزنا البلدى وجركن ماء كبير، واتجهنا إلى وسط سيناء قاصدين زيارة بعض الأصدقاء فى أرض التيه.

وقفنا على الشاطئ الغربى لقناة السويس، نطرح البصر على الرمال الصفراء فى الشرق ونسترجع تاريخنا مع الأرض والناس والجبال باتساع كل الأفق، فى الزمن القديم عبر أرض سيناء فاتحون ورسل وغزاة وتجار مخدرات، وفى الزمن الحديث نرسم على أرضها خطوات نتقدم بها نحو المستقبل.عند مدخل نفق الشهيد أحمد حمدى تحت قناة السويس، كان علينا أن ندفع رسوما لتعبر سيارتنا النفق وندخل سيناء، وحين مددت يدى بالرسوم أعطيها للموظف المختص هاجت فى ذاكرتى حواجز تصنعها حكومات متتالية للفصل بين سيناء وبين بقية مناطق مصر، ففى عهود مضت لم يكن لمصرى أن يدخل سيناء دون موافقات تصدرها جهات أمنية، واليوم أصبح الأمر أكثر تعنتا نفسيا حين يفرض الحكومة رسوما للعبور فى النفق، صحيح أن تلك الرسوم تمثل إيرادا ربما يستخدم فى الصيانة، لكنها إيرادات دولة يمكن تعويضها من مصادر أخرى دون أن نلح على ذاكرتنا الجماعية بتلك الفواصل بين بقاع الوطن الواحد.

دخلنا سيناء قاصدين الاتجاه شرقا على طريق إسفلتى فى وسط الصحراء، يبلغ طوله ثلاثمائة وخمسين كيلومتر يبدأ من نفق أحمد حمدى ويمر بمدينة نخل وسط صحراء التيه وينتهى عند نويبع على خليج العقبة، انه طريق سفر حجاج ومصريين عاملين فى دول الخليج، ويمتد الأفق مساحات شاسعة على صحراء يسكنها حوالى خمسة آلاف نسمة من أهل سيناء بينهم موظفون قادمون من بقية أنحاء مصر.وكان زادنا من البصل والخبز والفسيخ كافيا لأن نعيش حياة أهل المنطقة، فبعيدا عن المكاتب الحكومية واستراحات الطريق، يعيش البدو من أهل وسط سيناء حياة جافة غلبا، تنقصهم كثير من الخدمات فى مجالات الصحة والتعليم والنشاط الاقتصادى، يحيط بهم فقر التجهيزات المادية والبشرية، وتلفهم وقائع الأمية والفقر والأمراض.

الأكثر غلبا من البدو هم الموظفون الحكوميون، حياتهم مأساة حقيقية، يعانون نقصا فى الماء والمواصلات والسكن ووسائل الترفيه، حياتهم جافة لا تشفع فيها الزيادة النسبية فى مرتباتهم التى قد تصل إلى ثلاثة أمثال مرتبات زملائهم فى وادى النيل، ولا تسلم بيوتهم وأسرهم من نظام عمل يقوم نظريا على بقاء الموظف بعيدا عن أهله يعيش فى المنطقة لمدة ثمانية عشر يوما متصلة، مقابل اثنتى عشر يوما إجازة كل شهر، موظفون يقضى معظمهم سنوات طوال فى صحراء التيه دون قدرة على تغيير المكان أو العلاقات الاجتماعية.

إن بقاء وسط سيناء على وضعها الحالى يترك فرصا لانتشار كثير من الانحرافات بين السكان وموظفى الحكومة العاملين معهم، ويصنع بيئة جاهزة لتفريخ متطرفين عقائديا يصيبهم هوس دينى، منحرفين فى نشاطهم الاقتصادى، مرضى نفسيين معزولين فى سجن واسع الأرجاء.سيناء ارض الفيروز والفحم والبترول والتيه، تحتاج إلى إمكانيات مادية وجهود علمية ليسكنها بشر أصحاء نفسيا وبدنيا واجتماعيا يصنعون تقدما حضاريا على أرض مصر.

وفى طريق العودة كان علينا أن نتجرع مشقة دفع رسم أخر لعبور قناة السويس فوق كوبرى مبارك، صحيح أن الكوبرى عمل حضارى وإنجاز علمى كبير أنشئ على ارتفاع أكثر من مائة متر فوق سطح الماء لكن رسوم العبور جعلتنى أشعر بعزلة سيناء من جديد وأخشى أن تظل أرض الفيروز مجرد بؤر سياحية يستجم فيها كثير من محدثى النعمة وقليل من الصالحين.

Monday, October 15, 2007

أولادنا فى الجامعة

فى أول أيام العام الدراسى الجامعى الحالى، كانت أول محاضرة ألقيها هذا العام على طلابى فى السنة الأولى بكلية التجارة، جلس أمامى أكثر من ألف طالب وطالبة متوسط أعمارهم سبعة عشرة عاما، قادمون من مرحلة الدراسة الثانوية ليحشروا فى مدرج لا يسع نصف عددهم، إنهم أولادنا الجدد فى الجامعة فى سن المراهقة والفتوة والصبا، يتشاكسون ويتواثبون بين المقاعد، ويصنعون ضوضاء محشوة بصفير وهمهمات وضحكات، معظمهم يرتدى هدوما جديدة، فانلات وايشاربات وفساتين وبنطلونات.

أحد الطلاب لديه ذقن صغيرة تموج فيها ثلاث عشرة شعرة سوداء، هذا الرجل الصغير يشعر بزهو امتلاكه لعلامات الرجال فيستسلم لزميله ويداعبان شعيرات الذقن الخضراء أمام طالبة انشغلت عنهما بمداعبة خصلات شعر جبينها تحت إيشاربها الأخضر، طالبة أخرى تدير حديثا باسما مع زميل يجلس أمامها بينما تصر جارتها على الكتابة فى أوراق صديقة ثالثة مجاورة، احدى الطالبات ترتدى إيشاربا رائق الألوان خفيف الحمل يتمايل مع حركات جسدها الخجول فينحسر الإيشارب عن شعر جميل مصبوغ على حرف، ولد ينام على كتف زميله ويقذفهما ثالث بعجائن من ورق ولبان ممضوغ ويبتسمون، طالبة تلعب فى هاتفها النقال وتلقى برأسها يمنه ويسرة كى تنزاح خصلات من شعرها بعيدا عن نظارة شمس تخفى بها عينها، طالب ينتقل بين المقاعد مستعرضا شعره المنكوش وفانلته ذات الطيور الملونة وبنطلونه الممزق الركبتين، بعض الجثث اختبأت خلف هدوم سوداء لم أر منها غير فتحات ضيقة لعيون يفترض أنها لطالبات تشاركنا الزحام ، وجثث أخرى استلقت رؤوسها على المقاعد لطلاب ناموا فى أماكنهم وأصدر بعضها شخيرا، هكذا انحشر مدرج العلم بطلاب صغار يرتدون كرنفالا من الملابس والأقنعة واللحى والشوارب الزغبية والحواجب المشذبة والجفون المدهونة والشعر الطويل والحجب المثقوبة بفتحات الأعين، ويبقى الكثير يعانى إجهاد السفر من القرى البعيدة إلى الجامعة ويخفى آثار العراك مع الوالدين من اجل الحصول على مصروف يكفى مواجهة تلك الحياة الجديدة، هكذا يجلس الجميع على المقاعد وفوق المقاعد وعلى أرض المدرج فى جو مسرحى مثير.

أولادنا الجدد فى الجامعة، معظمهم غير مؤهل للتعامل مع مشاكل الدراسة الجامعية، غالبيتهم لم يحضر درسا فى فصل دراسى منتظم طوال سبع سنوات من الخامسة الابتدائية حتى دخول الجامعة، الأماكن التى تعودا عليها هى حجرات الدروس الخصوصية الضيقة وأسوار المدارس ينطون فوقها ويتواعدون خلفها، يرون أساتذتهم فى العلم أدوات لحفظ المقررات مقابل اجر معلوم ومرصود، لم يدرسوا شيئا حقيقيا يبقى فى وجدانهم فكرة الانتماء لوطن، أجبرهم نظام التعليم أن يدرسوا الدين والجغرافيا والتاريخ بشكل اختيارى لا تؤثر نتائجهم على درجات نجاحهم الدراسية فأصبحوا بلا وطن أو شخصية.

أولادنا الجدد فى الجامعة معظمهم لا يشعر بالرباط الأسرى، آباءهم مشغولون بالسعى وراء العيش فى بلد فقير مهدرة فيه كثير من قيم العمل الشريف أو مسافرون للعمل عبيدا فى دول عربية متخلفة ثقافة وتحضرا، وكثير من أمهاتهم يعانين توابع الفرقة والهجران، يجمعون ثقافتهم من برامج إعلامية هابطة وخطاب دينى متخلف وقيادات سياسية مهترئة، ويحصلون على درجات نجاح مرتفعة جدا، بعضهم جاوزت نسبه نجاحه المائة فى المائة، وتنقصهم مهارات القراءة والكتابة والتفكير المنطقى.

أولادنا الجدد فى الجامعة يعيشون عصرهم بغير قيادات واعية وأساتذة أفاضل يأخذون بقلوبهم الغضة إلى طريق حب الحياة والمعرفة الإنسانية.

أولادنا الجدد فى الجامعة نحشرهم جثثا فى مدرجات فقيرة، وبرغم الزحام والانحشار إلا أن رائحة أولادنا مازالت طيبة، عرق قليل وعطور وروائح صابون وجيلى وسط جو خريفى بارد فى أول أيام الأسبوع وفى أول يوم دراسى بالجامعة، وفى مثل هذه المناسبات ينال أولادنا نصيبا من الاستحمام والنظافة الواجبة، ويبقون طيبين ناصعى الوجوه إلى حين.

كان على وسط الزحام وتخلف نظام الصوت وضعف أدوات التدريس أن أصيح فى تناغم لمدة عشرة دقائق، أنت يا ولد، أنت يا بنت، أنتم يا شباب، الله يخرب بيوتكم، سكوت المحاضرة بدأت، فسمعت صوت أحدهم ينادينى أتوكل على الله يا حاج طريقك اخضر زراعى، وبالفعل بدأت المحاضرة.

Saturday, October 13, 2007

!! إسترعاء .. واستـبراء

فى شهر فبراير من العام الحالى 2007م، حدثت مشكلة بينى وبين إدارة جامعة المنصورة متمثلة فى رئيسها السابق الدكتور مجدى أبو ريان، كانت العواقب مثيرة دالة على سلوكيات نظام إدارى فاسد يعتمد على اختيار قيادات فاسدة من أهل الثقة.

الحكاية أننى غيور على جامعة المنصورة واشعر بالانتماء القوى إليها كمؤسسة تؤدى دورا تربويا لأهلى وناسى، هذه الغيرة تجعلنى أرفض أن يكون من بين المسئولين عن إدارة الجامعة حمير يديرونها بالغباء والرفس لأيه أفكار صالحة، من أجل ذلك أكتب مقالات وأحتك بالطلاب والزملاء قاصدا فى كل الأحوال أن أزيح قدر استطاعتى ما يعوق تقدمنا.

المشكلة أنه على اثر مقال نشرته فى مجلة المصور المصرية انتقد فيه بعضا من سلوكيات الادارة الجامعية، اتهمنى رئيس الجامعة السابق زورا وعلنا بأربع تهم فى البرنامج التلفزيونى المعروف " العاشرة مساء " ، تهم لو ثبتت واحده منها لانهارت قصور وصوامع من فداحتها، الأولى هى أننى أتعرض بالسب والقذف لقيادات فى الجامعة والثانية هى أننى أتلفظ بألفاظ نابية فى مدرجات العلم والثالثة هى أننى أتحرش بالطالبات والرابعة هى أننى أتعدى بالقذف والسب على زميلة لى، هكذا القى رئيس جامعة بتهم على راس عضو هيئة تدريس بالجامعة، ألقاها بدم بارد وغباء شديد وتخلف إدارى مقيت.

بناء على هذه الاتهامات، التى جيش لها وساعد على تفنيدها عميد الكلية الذى أرى فيه قيادة إدارية غير حكيمة تم تحويلى إلى التحقيق، وحسب قانون تنظيم الجامعات فان عضو هيئة التدريس فى حالة إدانته معرض إلى واحد من خمسة عقوبات هى ( لفت نظر أو تنبيه أو لوم بدون خصم آو لوم مع الخصم أو إيقاف عن العمل ) أو البراءة مما نسب إليه من تهم وبما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات.

بعد أكثر من شهرين من إجراء التحقيقات بمعرفة وكيل كلية الحقوق بالجامعة، وقبل أسبوع واحد من تاريخ إقصاء رئيس الجامعة من منصبه غير مأسوف عليه، وفى 24 يوليو 2007م وافق رئيس الجامعة على ما انتهى إليه الرأى القانونى والذى قضى باسترعاء نظر السيد دكتور ياسر العدل عبد اللطيف لعدم توخى الحيطة والحذر وعدم تحرى الدقة عند محادثته مع الزملاء ومع الطلاب .

نتيجة التحقيق ببساطة هى استرعاء نظر لشخص آخر لا أحمل أنا اسمه المذكور نصه أعلاه، ذلك بأن اسمى القانونى الذى اعمل به فى الكلية وذهبت به إلى التحقيق هو ياسر محمد العدل عبد اللطيف وليس هو ياسر العدل عبد اللطيف، وإذا كانت الإدارة تقصدنى أنا بالعقوبة فهى باختصار عقوبة لم يأت بها نص من نصوص العقوبات فى قانون الجامعة، هكذا ببساطة شديدة لم يجد المحقق ما يديننى به وتصبح الاتهامات باطلة، وهكذا تدل نتيجة التحقيق على حجم الفساد والنفاق والتخلف الذى عايشته مع رئيس عمل ساذج ومحقق قانونى ينسج عقوبات لم يأت بها نص قانونى حسب القاعدة القانونية - لا جريمة بغير نص ولا عقوبة بغير نص - أيا كانت الجريمة أو المخالفة سواء تتبع القانون الإدارى أو القانون الجنائى، هكذا يسعى عبيد الكراسى لسد الخانات فى الأوراق، وهكذا يفسد رئيس العمل من فساد طويته وفساد العاملين معه، يجمعون ضعيف الأدلة ويصيغون ضعيف القرارات.

لأننا فى حومة من فساد ومكر بعض القائمين على تنفيذ القوانين، وصلنى خطاب عقوبة الاسترعاء بعد شهرين من تاريخ توقيعة حتى لا تتاح لى فرصة التظلم من عقوبة غير منصوص عليها فى اللوائح وقائمة فقط فى عقول خربة متخاذلة، وحين اتصلت بالمحقق لأعرف منه حيثيات الحكم أخبرنى انه بذل جهدا لكى يصيغ قرار العقوبة بهذه الطريقة اللزجة المائعة، فهى عقوبة حسب قوله ليست بعقوبة توضع فى ملف خدمتى وتشين موقفى، وقال لى انه فكر فى حفظ التحقيق لكنه خشى أن يكون الحفظ بمثابة براءة تجعلنى ارفع دعوى ضد الجامعة للمطالبة بحقوق معنوية لى لما أصابنى من ضرر.

هذه الواقعة المتمثلة فى اتهامات باطلة وتحقيقات صورية وعقوبات غير ذات موضوع، ترجع بعض أسبابها إلى أن الكثير من أهل الجامعة لا يشعرون أنهم أساتذة جامعة ولا يشاركون فى الهم العام، لذلك يسهل على كل من كانت به خصاصة من خسة وحقارة أن يفعل بهم ما يرى انه أجدى لقيادتهم عبيدا صاغرين، لكننى مثل بعض الشرفاء فى الجامعة اشعر تماما بكبريائى كأستاذ جامعة أشارك فى الهم العام، احمل رأيا وأدافع عنه، مخلص فى مواقفى، ليس مهما أن يكون رأيى صحيحا عند الآخرين المهم أن يكون رأيى صادقا عندى.

إزاء واقعة السب والقذف ونتائج التحقيق طالبنى بعض المنافقين والجبناء داخل الجامعة أن ارفع قضايا ضد الجامعة وضد رئيس الجامعة السابق، هؤلاء السذج اللئام لا يدركون أننى لست ممن يرفعون دعاوى قضائية ضد أشخاص أخذت أضعاف حقى منهم بأكثر من طريقة، أثرت الرأى العام ضد رئيس الجامعة بإدارتى الناجحة لمقابلات صحفية وتلفزيونية فزاد موقفه سوءا على سوء، وأثرت الرأى العام ضد عميد الكلية فأفشلت له كثيرا من خططه المريبة للارتزاق من منصبه.

أنا أمارس كبرياء أستاذ جامعة مثقف سمع عن مواقف أحمد لطفى السيد فى الذود عن استقلال الجامعة وقرأ لطه حسين عن ضرورة الثقافة للمصريين، وليس من الكبرياء أن ارفع دعوى سب وقذف على رئيس جامعة ظهر للناس منذ البداية ساذجا صغيرا، وليس من الكرامة أن أتحرش بعميد يلفظ الأنفاس الأخيرة فى منصبه.

إن ما حدث معى يدل ببساطة على كيف يكون الحاكم طاغية تحكم تصرفاته غرائز التسلط وبوهيمية الأداء، وكيف يصبح المستشارون منافقون تحكم تصرفاتهم غرائز الضعف ومهانة الانقياد، وكيف يكون الاسترعاء لفظا غير قانونى لعقوبة يراها رئيس العمل حفظا لماء وجهه من جريمة الغباء الأدارى، وكيف يمثل الإسترعاء تخريجا فقهيا لرجل قانون ضعيف أراد الإستبراء من نجاسة تبعيته لحاكم غير طاهر.

Thursday, October 04, 2007

..!! أرزاق .. يا لصوص

فى نوبة من التواصل الإنسانى مع أولاد الحارة، لاعب عم محمود طفلا رضيعا، وحين بال الرضيع على يدى عم محمود عالجت الأم ارتباكه وقالت (على البركة يا أبو حنفى رزقك واسع )، عندها انتشى عم محمود وقرر علانية أن يلاعب الطفل مرات تالية، وفى سوق الخميس اشترت أم سيد ديكا صغيرا وأخذت تتحسس صحته، وحين نتشت ريشة من جناحه هبش الديك وجهها، وعالج البائع ارتباكها وقال (على البركة يا ست، رزقك كثير)، عندها قررت أم سيد أن تتخلص من الديك وأن تبيعه لأول مشتر، وفى ديوان حكومى قبع حامد أفندى وراء مكتبه متكاسلا عن العمل، وحين أسقط له بعض الزبائن نقودا فى درج مكتبه وهمسوا فى أذنه (على البركة يا بيه، رزق الأولاد)، عندها قرر حامد أفندى أن يقضى المصلحة لزبونين فقط رأى فيهما عملا اقل وعائدا أكثر، وفى الشارع شهد خلق كثير على عقد قران زينب بنت العشرين على رجل عجوز ثرى تكرهه، وحين تذكرت قول حبيبها الفقير (على البركة يا زينب، رزقى ضيق)، عندها رق الدمع شوقا فى عينها وقررت خلع الزوج فى اقرب فرصة.

كثير من الناس يتعمدون الخلط بين ما يحوزونه من رزق واسع وبين ما تجنيه أيديهم من دخل محدود، هؤلاء الناس يغيب عنهم أن الرزق هو ما نحصل عليه من حاجيات اقتصادية واجتماعية وصحية دون أن نقدم عملا أو نبذل جهدا فى سبيل تحصيلها، كالهواء والميراث والغباء ومديح بعض المنافقين، ولا يعرفون أن الدخل هو ما نجنيه من ثمرات يضنينا الجهد فى زراعتها وتعيينا الوسائل فى حصادها، كالأجر والراتب والذكاء وإنكار تفوق الرؤساء.

لا أحد يعرف بالضبط من أين يأتى الرزق الواسع المجانى، أما الدخل الناتج من سعينا على الأرض فيمكن حسابه بالقانون المعلن بين أفراد المجتمع، الدخل يرصد بالسحتوت فى كشوف المرتبات، وبأجولة الحبوب فى الصوامع، وبعلب المنتجات فى المصانع، ومع سهولة أدوات العد وإمكانيات الحصر، يثير حفيظة الراصدين أن بعض الناس فى المجتمعات المتخلفة ينفقون مالا أكثر من دخولهم المعلنة، يحسبون أنهم من دون الناس تصيبهم بركة رزق ولا تنالهم عين حاسد0

وقائع كثيرة يخلط فيها الناس بين الأرزاق المجانية والدخول المنتجة، هذا موظف بسيط فى الحكومة يتقاضى راتبا متواضعا لا يكفى مسح دموع شكواه من ضنك الأيام وتأخر الترقيات، وحين تدخل بيته يلقاك بترحاب ويغرقك فى اللحم المشوى والشراب المثلج، ويدعوك لمشاهدة هزائمنا فى الكرة على الطبق الفضائى، وهذا مدرس يحصل بشق الأنفس على شهادة جامعية، وحين يفتح بالوعة لتسليك الدروس الخصوصية يمتلك شاليها للمصيف فى الساحل الشمالى، وذلك أستاذ جامعى يدلس فى أبحاث الترقية ويزور فى امتحانات الطلاب، يعلن فى كل إعارة أو سفارة أن ولاءه لمن يدفع أكثر، يصبح ثريا ومسئولا كبيرا ومرشحا لمسئوليات اكبر، ومطرب متواضع فنا وقيمة، يشترى بملايين الجنيهات مصانع ومؤسسات لتربية الدواجن والعجول، ورجل قحف لا علم لديه أو معرفة فجأة تدخل أرضه الزراعية نطاق زمام المدينة، هى شهور قليلة بعدها يجلس القحف على المقهى مرتديا جلباب الصوف، يحشو سجائره بالمخدرات، ويبيع متر الأرض بآلاف الجنيهات، وامرأة تفرك كعبها فى العمل بضع سنوات فى الملاهى، تهدهد عن بعض العابثين متاعبهم، تصبح هذه المرأة مليونيرة وصاحبة فضل وصدقات وفنانة كبيرة.

مثل هؤلاء الناس، ممن يحصلون على دخول صغيرة معلنة فى مرتباتهم وإقراراتهم الضريبية، ويخترقون القوانين بالفساد والرشوة وضربات الحظ غير المبررة، وينفقون من المال أكثر من دخولهم المعلنة، وينتهكون بسلوكهم الاجتماعى كثيرا من لوائح العدل والشفافية ولا يبقون من القيم إلا جوامد تدمى رؤوس الشرفاء، هؤلاء الناس أفراد طفيليون يعيشون وسط مجتمعات متخلفة مريضة لا يمارس أهلها شفافية القيم وعقلانية تفسير الظواهر، أفراد يسهل عليهم إقناع السذج والضعفاء من البشر، بأن مسالة الفرق بين دخلهم الشحيح وبين إنفاقهم المسرف إنما هى مسالة أرزاق لا تنقصها البركة.

نحن فى حاجة لأن يتبنى مجتمعنا قيما فكرية تكفل حرية المواطنين فى أن يتخذوا لأنفسهم أنشطة اقتصادية مشروعة يجلبون منها دخولهم ومصادر إنفاقهم، وبحاجة فى نفس الوقت إلى بحوث علماء الاقتصاد والاجتماع والقانون والدين لدراسة أنواع الدخول، قاصدين ترسيخ استخدام قيم إنسانية جديدة تسعى لصلاح المجتمع، قيم لا يهين معها فضل علم أو تكسر عندها قواعد حساب، نحن فى حاجة لأن نطبق آليات موضوعية تتسم بالشفافية فى محاسبة المواطنين على دخولهم المعلنة والخفية، ليصبح سهلا التفرقة بين الرزق والدخل، ويسهل أن نرجع بالرزق على صاحب الرزق المجانى ونعود بالدخل على صاحب العمل المنتج، نحن بحاجة لأدوات حساب علمية يتبين معها لكل مواطن تلك الفروق الموضوعية بين الشرفاء وبين اللصوص.

Thursday, September 27, 2007

!!.. إفطار جماعى

لأنى موظف حكومة مصرى، أعمل مغتربا فى مدينة بعيدا عن صحبة الأهل والوزراء والمحافظين ومسئولى الأمن الغذائى، أصبحت أحوالى الاقتصادية أكثر فقرا وأجاز بعض الفقهاء استحقاق الموظفين أمثالى لكثير من الرشاوى والزيت والدقيق وأموال الزكاة.

مع غربتى فى أيام شهر رمضان الكريم، طرحت على زميل فى العمل مغتربا مثلى أن نتناول الإفطار على أقرب مائدة رحمة، واشتعل رأسنا بطموحات أن يكون طعام إفطارنا فخيما على مائدة عامرة، وشحذنا عقولنا نرسم الخطة الحكيمة.

زميلى مثلى يملك بعض كبرياء ترى انه لا كرامة لموظفين حكوميين فى ارتياد موائد رحمة فى مدينة يعملون فيها، لذلك قررنا الهجرة إلى مدينة مليئة بالأثرياء وأوزارهم، تبعد عن عيون الإعلام والحاسدين، ونصيب فيها طعاما على موائد غفران عامرة.

فى اليوم الخامس عشر من شهر رمضان، استقر الأثرياء فى أوطانهم، وهدأت الإعلانات عن موائد التصالح الوطنى، وخفت حركة الولائم بين الأقارب، وصرت مع زميلى أكثر إحساسا بالغربة وأكثر تأثرا بعوارض الصوم، وبدأنا تنفيذ الخطة الحكيمة.

قبل الغروب انطلقنا بسيارتنا كيلومترات قليلة شمال مدينتنا حيث وظيفتنا الحكومية، قاصدين الوصول إلى مدينة يشتهر أهلها بالتجارة وصناعة الفسيخ والأثاث ويسكنها مئات من الأثرياء ، قلوبهم تحب جمع المال مثلما تحب أيدينا إنفاقه، نمنى النفس بموائد عامرة تتنوع ذنوب أصحابها فتتنوع أصناف طعامها، ونهبر أنواعا من اللحوم والأسماك والحلوى.

جبنا شوارع المدينة والجوع يراقصنا، الشارع الأول ملئ بسيارات النقل الكبيرة ولم يكن به مائدة رحمة، الشارع الثانى ملئ بورش الحدادة الضخمة ولم يكن به مائدة رحمة، الشارع الثالث ملئ بمحلات تبيع أفخر أنواع الفسيخ والبطارخ ولم يكن به مائدة رحمة، بقية الشوارع مليئة بتجار الذهب والممنوع والعملة ومكاتب السفريات ومعارض السيارات ولم يكن بها مائدة رحمة واحدة، زاد جوعنا وزاد التوتر، فحصنا الأزقة ولم نعثر على طعام يقدمه أصحابه تكفيرا أو زكاة أو رحمة، اقتربنا من وقت الإفطار دون الحصول على طعام مجانى، فطفحت علينا رغبة فى تأديب المدينة، وقررنا أن لا نشترى طعاما من أهلها.

أصابنا الجوع فأصابتنا جرأة السؤال واحتراف الشحاذة، أطلت رؤوسنا خارج السيارة نستوقف واحدا من أهل المدينة بانت عليه ملامح الشبع، سألناه عن موائد الرحمة، استنكرت عيناه جهلنا بمطالع الأثرياء، وسألنا هو بعين فاجرة عن شيء نعطيه لواحد من أهل المدينة، ابتسمنا بكاء وشماتة وحقدا وبخلا، وهرولنا نغادر المدينة غير مودعين أو ملاطفين أحدا من أهلها، يملأنا الغيظ من كرم أثريائها ويملكنا الأسى من بخل أنفسنا.

تهادت سيارتنا على طريق الإسفلت نطرد المدينة وأثريائها خلفنا، وحين لحقنا موعد الإفطار على مشارف قرية صغيرة، استوقفنا أناس من أهل القرية يسدون الطريق على العابرين، ويصرون على تقديم أكياس مجانية تضم وجبات إفطار مصحوبة بالماء والتمر، إنهم أهل قرى فقيرة يقدمون إحسانهم مخلصين، ويمضى رمضان فى قلوبهم كريما.

بعد أول منحنى على الطريق، وتحت أول كوبرى اقتسمنا ما جمعناه من زكاة أهل القرية، بلح وجوافة وعرقسوس وأرغفة مليئة باللحم والأرز وقطع من الكنافة وملأنا البطون بالجميع، وحين ابتلت العروق انصرفنا نسفه أحلامنا الكسولة بالشبع من بطون الأثرياء.
عدنا إلى مدينة وظيفتنا الحكومية، نفكر كيف سيكون حالنا مع طعام السّحور، نمارس الصبر ونفضح سياسات الحكومة فى إفقار الجميع، نضع الخطة الحكيمة لتحقيق ثرائنا السريع فى الأعوام القادمة، أن نخلط بعضا من البخل والدعاية مع مناورات التخلص من الحكومة والفقراء والأخلاق والضرائب والتجارة فى الممنوع، ونقتسم العائد مع ذوى السلطان، ولا مانع من الدعاء بالخير لأصحاب النوايا الطيبة.

Tuesday, September 18, 2007

!! رمضان كريم ... أحيانا

نحن المصريين نعيش وقائع التعامل مع شهر رمضان من خلال ثقافة انتقائية متناقضة تسمح بخلط وقائع الفساد مع مظاهر التدين، ترى من الوجهة النظرية أن شهر رمضان كريم دائما، وفى الوجهة العلمية تجعل من شهر رمضان كريما أحيانا.


فى المؤسسات الإنتاجية، تقام على شرف كبار الموظفين حفلات إفطار وموائد ذكر تتكلف الكثير من المال والنفاق وفتح البطون، حفلات جوعى لا يلقى فيها الكبار شرف حضور جمهرة العمال وصغار الموظفين، موائد نفاق يجهل أصحابها أن الجائع الفقير لا يشبع من طعام يقدّم له فى خدمة الفنادق الفاخرة، وأن شبع الفقير لا يعافيه من ألم الحسرة على ما يراه من إسراف.
فى أماكن العمل الحكومية، يثرى كثير من الموظفين لأسباب غير أخلاقية، من فساد ورشوة، ويتاجرون بمظاهر تدينهم، يلقون على رؤوس الفقراء أدعية وتعاويذ وصدقات وأكياس أرز وسمن ودقيق وبلح، وفى كل الأحوال يرتدون أقنعة تخفى فسادهم وراء تفسيرات مغرضة لنصوص دينية.


فى الجامعات ودور العلم، يشترك الكثير فى موائد زيف من تدين موسمى، أساتذة يسرقون الطلاب فى كتبهم الجامعية ويدلسون فى نتائج الامتحانات، يطيلون ترديد الأذكار على حبات مسابح فخمة، طلبة يتوقفون عن التدخين وصبغ الشعر، وطالبات يمتنعن عن استخدام مساحيق التجميل ويرتدين حجاب الرأس، وحين يتخلص الجميع من شهر رمضان ينطلقون فى لهوهم شاغلين بقية العام، يتمسكون بطقوس دينية محصورة على مظهر متغير دون أن تمس لديهم جوهرا مستقرا.

فى أجهزة الأعلام، تنتشر موائد إذاعية يستسلم لها كثير من المشاهدين، تسقى القلوب تخلفا ثقافيا مريعا، تصنع البلاهة فى العقول، تدعو للمقامرة واستهلاك الوقت، تسخر من رغبات البشر وتستهين بمشاعرهم، تدرب نفوس المشاهدين على استجداء التواصل وتسفيه لغة الحوار، وتقلص انتماء الجمهور إلى دوائر العقل والثقافة والتدين.

فى الشّوارع والميادين، وعلى شرف الفقراء وباسم الدين، ينصَبُ الأغنياء موائد طعام وشراب تسحق كرامة كل فقير وتهدر منطق كل دين، يخرق الأثرياء قوانين استخدام الطرق ويشغلون الشوارع، وينصبوا موائدهم تفاخرا أمام بيوتهم، وفى النهاية يرتاد هذه الموائد قليل من الفقراء المعوزين وكثير من الضيوف العابثين.

فى كثير من الأماكن تُنصبُ موائد طعام بدوافع دينية، تهدر فيها الأموال وتقصف عنق أى اقتصاد، ففى العام قبل الماضى أعلنت إحدى الجمعيات الرمضانية أنها تنفق على موائد الإفطار حوالى المليون جنيه مصرى يوميا، وينسى مديرو تلك الجمعية أن ثمن عربة واحدة لبيع الفول أو الكشرى لا يزيد عن خمسة آلاف من الجنيهات، مثل هذه العربة يمكن أن تكفل حياة كريمة لأسرة متوسطة، أى أن ما تنفقه تلك الجمعية على موائد الإفطار اليومية، يكفى اقتصاديا واجتماعيا لفتح مائتى بيتا جديدا يوميا، إن أنشطة تلك الجمعية وكثير من أمثالها يخرج عن إطار المفاهيم الحديثة للإصلاح والتكافل الاجتماعى، إنها شركات توظيف أموال تمارس الوصاية الدينية على أموال السذج وصدقات المتطهرين، تتاجر بفقر الناس وتسفه طموحاتهم الدينية، تدير بعض أموال المجتمع بأداء يصنع مزيدا من الكوارث الاقتصادية.

هكذا تنتشر فى بلادنا مواسم دينية مغلوطة الفهم، تظهر ملامح تخلف ثقافى وحضارى، هكذا تنتشر موائد لئام يسعون للغفران مما كسبت أيديهم، يتطهرون بانتقاء تفسيرات خاطئة لنصوص دينية، يدربون الضعفاء على الشّحاذة وإهانة الكرامة، يروجون فى عقولنا لتفسيرات بدوية متخلفة تدافع عن بناء ثقافى متناقض.

نحن بحاجة إلى مجتهدين ثقاة يعرضون صحيح المفاهيم الدينية على محك التقدم الأخلاقى والاقتصادى والاجتماعى للبشر، نحن بحاجة لأن نخرج من جب تخلفنا المهين، ونملأ وعينا وقلوبنا بثقافة جديدة تجعل منا أمة متحضرة جديرة بالحياة بين الأمم.

Monday, September 03, 2007

مولد كشكش بيه

فى شهر سبتمبر المصرى، ينفك نحس الفقر بعيدا عن رقاب بعض المزارعين والتجار والموظفين، يتسرب إلى الجيوب إيراد جوافة وعنب وبلح ومقدم قطن وأرز، وتقبض علاوات وسلف وجمعيات وعربون بضائع، ويحصل مرابون على بعض قروضهم، وتخدش كثرة النقود جيوب عمد ومشايخ وخفراء ورجالات إدارة، وتنشط الغوازى وحانات المتعة والمهرجانات فى إقامة الموالد قاصدين التغرير بكل ساذج كى يصبح (كشكش بيه) عمدة كفر البلاص فى عشرينيات القرن الماضى، عمدة هلس قدمه مسرح نجيب الريحانى فى شخصية عبيط يرتاد كل ملهى لينفق على ملذاته فلوس كل قطن.

فى بلادنا لا يتعب أى كشكش فى البحث عن ملهى يدارى فيه ضعف غرائزه ويرمى فيه الفلوس، فموالد أصحاب الكرامات كثيرة فى سبتمبر الجميل، موالد التسوق والسياحة ودخول المدارس والغناء والزيجات الجديدة، هكذا فى هذه الأيام المفترجة يحل المولد التاسع عشر لسيدى كشكش بيه المسمى مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى.

صحيح أن فكرة التجريب سامية والدعوة لها ملحة ذلك بأن أمر التطور الاجتماعى يحتاج إلى أفراد يخرجون على المتواتر فى المجتمع، يقومون بالتجريب بقصد اختبار فروض عقلية جديدة تطرح قيما جديدة فى الحياة، إلا أن التجريب العلمى يعنى أن الإنسان يستخدم مزيجا حضاريا متاحا من ثوابت اقتصادية واجتماعية وسياسية تتمثل فى مواد أولية وتكنولوجيا وذاكرة معلوماتية وتخيل إبداعى، ويخضع هذا المزيج لإعادة التناول بقصد اختبار تلك الفروض الجديدة.

التجريب العلمى المضبوط يترك أثارا إيجابية تزيد من قدرة البشر على جعل مفردات واقعهم قابلة للقياس والتقييم، ويزيد قدرتهم على تحديد القيم الصالحة لتحسين واقعهم، وفى كل الحالات فان نتائج التجريب تتأثر بمدى حرية المجربين والمبدعين، وكلما زاد تخلف المجتمع حضاريا زادت قوة القيود المعوقة لحرية التجريب والإبداع.

مهرجان المسرح التجريبي الذي يعقد هذه الأيام في القاهرة، مثال حي لتوضيح الآثار السلبية للتجريب، فالدعاية للمهرجان لا تأخذ حجمها اللازم للمهتمين بالمسرح من جمهور ونقاد وفنيين، ويرى الكثيرون أن التقصير في الدعاية للمهرجان أمر متعمد، فليس من مصلحة مجتمع يستمرئ حياة الخمول الفكرى دون تجديد أن يدعو أناسا للتجريب في ثوابته الفكرية والإدارية هكذا يشترك فى العروض عدد كبير من الفرق الأجنبية متواضعة فى إمكانياتها الفنية وفقيرة فى عطاءاتها الفكرية كما أن الكثير من المشاركين الأجانب الذين يدعون للمهرجان يتم جمعهم من الشوارع الخلفية فى بلادهم، هكذا أصبح الاشتراك فى المهرجان لعبة سياحة وسفر لمشاركين تتم استضافتهم ببذخ في الفنادق، ويدعون لإقامة ندواتهم الفكرية في صالات وجزر نائية عن جمهور الثقافة، وتكون النتيجة اقتصار حضور الجلسات الفكرية على نفر قليل جدا من المهتمين بالمسرح تتحرك حولهم نتف محدودة من دراويش يسيحون في زفة احتفالية ساذجة داخل قاعات قليلة لعروض المهرجان.

إن تقييم وقائع إقامة مهرجان القاهرة السنوى للمسرح التجريبى تعطينا نتائج سلبية، فليس فى مقدور العالم أن ينتج تجريبا سنويا فى النشاط المسرحى، ذلك بأن المسرح هيكل واقعى لبناء فكرى، والأفكار الكبيرة لا تتجدد كل يوم، وهكذا تكون حصيلة المهرجان الواقعية أن عدد جمهور المشاهدين فى كل عروض مهرجان سيدى كشك بيه التجريبى، لا يزيد عن خمسمائة شخص، لا يكادون يتغيرون بصفاتهم أو أجسادهم فى كل عام، ونجد أنفسنا أمام ملايين تنفق دون جدوى اقتصادية، كان الأجدى بها أن توجه لإنشاء مزيد المسارح وتدعيم الفرق المسرحية المحلية.ولا يبقى من المهرجان غير فكرة يسعى الكثيرون لتثبيتها فى عقولنا، أننا شعب يعيش على السياحة ويسعى لخدمة سواح المهرجانات، شعب لا يتوقف عن الإنفاق العبيط على مولد سيدى كشكش بيه التجريبى باعتباره سبوبة ارتزاق ينهب منها كثير من محدودى الإمكانيات0

Saturday, August 25, 2007

نحن والنفايات القديمة

فى سبيل توفير تكنولوجيا المعلومات، تسمح الحكومة باستيراد حاسبات آلية قديمة من الدول المتقدمة، حاسبات هى نفايات يبيعها التجار بأسعار منخفضة للمواطنين.

نحن نقدر حسن النوايا المسئولين عن الاتصالات والمعلومات حين يسعون للتقدم التكنولوجى فى التعامل مع آليات المعرفة، لكن تشغيل العقول يجعلنا نرى أخطارا كبيرة تحدق بنا نتيجة التجارة بأجهزة الحاسبات الآلية القديمة، أقلها أخطار استخدام شاشات العرض والأجزاء عالية الإشعاع على الصحة العامة، وأخطار اقتصادية واجتماعية أخرى تظهر لنا عند التفرقة بين نوعين سائدين من التجارة فى الأدوات المستعملة، هما تجارة الروبابيكيا وتجارة كل حاجة قديمة للبيع.

تجارة الروبابيكيا هى نشاط يقوم به تجار ميسورى الحال يجوبون شوارع الأحياء الراقية فى المدن، يعلنون عن أنفسهم بأصوات رخيمة تطلقها حناجرهم الهادئة فى ميكروفونات صغيرة مدللة، ينطقون كلمات أجنبية (بيكيا، روبابيكيا)، يشترون حاجيات يتم الاستغناء عنها من قبل أصحابها الأغنياء نتيجة ضعف كفاءتها أو رغبة فى تغيير طرزها، ويبيع التجار بضاعتهم لفقراء يتشبثون نفسيا بملاحقة مظاهر الغنى لدى الأغنياء، أو يبيعونها لآخرين من أغنياء لديهم رغبات فى اقتناء أعمال فنية أو أثرية، هكذا تجّار الروبابيكيا يشتركون فى صياغات اقتصادية تعالج مشاكل نفسية عند بعض أفراد المجتمع.

تجارة كل حاجه قديمة للبيع هى نشاط يقوم بها صنف من تجار فقراء ينتشرون مع دوابهم فى عشوائيات المدن وحوارى القرى، يعلنون عن تجارتهم بالطبل والزمر والحناجر، تختلط أصواتهم فى ميكروفونات خشنة قاسية يصيحون بالعربية (كل حاجة قديمة للبيع)، يشترون حاجيات أنهكها التداول بين أصحابها من الفقراء، أوعية نحاس وألمنيوم وزجاج مكسور وخرق قماش وورق وبلاستيك، يجمعون نفايات من الدروب والحوارى مقابل نقود قليلة للكبار وقطع حلوى وطبول ورق ولعب صفيح للأطفال، يقايضون النفايات القديمة بأدوات جديدة مصنوعة من نفايات الألمنيوم والبلاستيك والزجاج، هكذا تجار كل حاجة قديمة للبيع يشتركون فى صناعة تدوير النفايات، ويصوغون حلولا لمشاكل إنتاجية تضر بالكثير من فقراء المجتمع.

خبراء تكنولوجيا المعلومات فى بلادنا يعرفون أن التطور فى تقنيات الحاسب الآلى لا يخضع لقوانين تغيير الطرز أو استهلاك المكونات، هذا التطور يخضع لقانون يعرف باسم قانون (مور) الذى يقضى بأن إمكانيات الحواسب الآلية تتضاعف مرة كل عدة أشهر، وبالتالى فالتجارة فى أجهزة الحواسب الآلية القديمة لا يمكن اعتبارها تجارة ( روبابيكيا ) تتعامل مع صناعة تدوير السلوك النفسى لبعض الناس بل هى تجارة ( كل حاجه قديمة للبيع) تتعامل مع صناعة إعدام القديم وإعادة تدوير النفايات.

هكذا حين يقرر المسئولون فى بلادنا أن نشترى أجهزة حاسبات قديمة، فإنهم لا يتعاملون حضاريا مع واقع صناعة الحاسبات الآلية، ويتجاهلون أننا مقبلون على صناعة مبتورة لتدوير النفايات الالكترونية، وينسون الآثار السلبية اقتصاديا وحضاريا التى نجمت عن تجارب سابقة فى التعامل مع القديم، فمنذ سنوات قام مجلس الوزراء بإعطاء أجهزة حاسبات قديمة لمراكز المعلومات فى جهات الحكومية، وعند استخدامها الفعلى تم إعادة تخزينها أو تشغيلها دون كفاءة، هكذا أهدرت الأجهزة القديمة أموال الدولة، حتى ولو كانت أموال منح وهدايا، وضيعت مجهود عمال وموظفين تم تدريبهم علي استخدامها.

للأسف حكومتنا نتبع سياسة فى التعامل مع القديم والأقل كفاءة تؤدى لمزيد من جلب النفايات الالكترونية، وزارة المواصلات تبيع للمواطنين بموجب عقود إذعان هواتف متخلفة تكنولوجيا وبسعر مرتفع، ونتيجة لهذه السياسة انتشرت فى بلادنا تجارة الهواتف القديمة من نفايات الدول الأخرى.

نحن نطالب الحكومة بتشجيع إقامة صناعة لمكونات الحواسب الآلية، وتشجيع إقامة معاهد التعليم والتدريب فى مجال استخدام تكنولوجيا المعلومات، هذه المطالب الحضارية يقف دون تحقيقها منتفعون وتجار يقصدون أن تبقى بلادنا مدافن رخيصة للنفايات.

Tuesday, August 14, 2007

صيف بلا ذنوب

حين ينتهى أولادنا من امتحاناتهم، وتهاجمنا حرارة الصيف، ويقعدنا فى البيت ضعف مرتباتنا، وترهقنا الرطوبة ويقتل عرقنا هواء ساخن يلف شقتنا المتواضعة، يصبح من المعتاد أن أجلس فى الصالة مع زوجتى نهش الذباب الكسول ونتبادل حكايات قوم محظوظين يصيفون على شواطئ البحر.

المحظوظون فى الصيف، يهربون من الشمس إلى ماء البحر وظلال الشماسى، يهفهف النسيم على أجسادهم، يثرثرون بالأغانى والنكات ويلعبون الكرة والمساكة، يأكلون السمك المشوى والبطيخ وفطائر الزبيب، ويقزقزون اللب الأبيض وأم الخلول، ويلحسون الجيلاتى ويشربون عصير القصب والخروب، وفى نهاية أيام المصيف يعودون للأصحاب بحكايات شواطئ وجنيّات بحر وبعض أقراص من حلوى المشبك.

منذ أسابيع قليلة، نجح أولادى فى امتحاناتهم، واستلمت راتبى الجديد غير منقوص، ونجحت فى تأجيل سداد بعض الديون، واستعادت زوجتى تفاصيل حلمنا القديم بالتصييف، عندها قررت أن أحب الحياة من جديد وأصاحب زوجتى ونذهب وحدنا إلى مصيف بلطيم على شاطئ البحر المتوسط .

منذ أسبوع وصلت مدينة بلطيم ونجحت فى مفاوضات الحصول على أربعة أيام إقامة فى شقة من غرفة واحدة أعلى سطح عمارة مقابل عشرين جنيها يوميا، ومن الشقة المفتوحة على السماء طالعنا مناظر الناس والبحر والتصييف0
غالبية المصطافين أناس مصريون يثير حبهم للحياة كثيرا من الشجن، الأسطى عنتر بعد شهور من العمل المضنى، أغلق ورشته ثلاث أيام وحضر للمصيف، والحاج سيد أصابه الملل من رغى أصدقائه لحكاياتهم القديمة فقرر أن يصنع حكاياته الجديدة بالتصييف مع أولاده، والأستاذ أشرف جمع غلته من ساقية الدروس الخصوصية وراح يفك نفسه يومين على شاطئ البحر، والست هدى موظفة دخلت ثلاث جمعيات مالية ولمت القرشين لزوم التصييف، إنهم أناس بسطاء، يعرفون الحب ويجيدون الابتسام ويعيشون عيشه أهلهم.

قليل من المصطافين يمثلون ظاهرة تحتاج الدراسة، يروجون لثقافة فاسدة المنطق قليلة الذوق، فى البداية كانوا فقراء فكرا وثقافة يسألون الناس إحسانهم وعقود العمل فى الخارج، سافروا إلى بلاد الغربة والحرور يعملون عبيدا، عاشوا يمسحون عقولهم لتتكاثر نقودهم، وفى النهاية حصلوا بعد جوع على مال وقرروا أن يصبحوا أحرارا على طريقتهم، رجالهم تطول لحاهم وتقصر جلابيبهم، يتمتمون بأحاديث فرقة واعتزال، يقسمون أطفالهم إلى بنين مدللين وبنات محجبات، تختبئ نساؤهم خلف خيام لا تبين منهن غير العيون، ويستمعون لأغانى وأحاديث كئيبة، ويستحمون فى ماء البحر بلباس يشرعون مقاييسه لأنفسهم.

فى مصايفنا جماعات تدربنا كل يوم على كراهية الحياة، يحاصرون المصطافين بحملات دعائية يديرها قوم مهووسون يناصرهم إداريون ساذجون، يشوهون الجدران والأعمدة والعقول والقلوب، ينشرون لوحات إعلانية تضم أدعية وشعارات ساذجة التوجه، بعضها يرى أن مشاكل السفر لا يرفعها غير دعاء مخصوص، وبعضها يرى أن الصيف ملئ بالذنوب ولا يرفعها غير شعار صيف بلا ذنوب، وبعضها يرى أن عيون الناس مليئة بالانحراف ولا يرفعه غير شعار اغضض بصرك.

الأصل أن الجماعة من الناس لها حرية الاعتقاد وحرية الفعل، لكنها ليست حرة فى أن تشد أنف الآخرين وتصدر لبقية الناس ذلك القدر الهائل من الوصاية على أسباب الحياة، وذلك القدر الشنيع من الجمود على سلوك أهل بادية يتمسكون بالقشور، وذلك القدر المظلم من توقيف العقل فلا يدركون أن الآخرين محيطون بهم علما وتقدما.

فى مصيف بلطيم، رأيت المصطافين يعانون من مشاكل مياه الشرب، وتلوث الشواطئ، وانتشار القمامة فى الشوارع، وقلة المطاعم وارتفاع ثمن أم الخلول والسمك المشوى واللب الأبيض، فقررت العودة إلى مدينتى بعد يومين فقط دون أن ارتكب ذنب التصييف أو أحمل أية أقراص من حلوى المشبك، مؤمنا بأن الهواء الساخن تحركه مروحة كهربائية فى شقتنا المتواضعة، أفضل كثيرا على قلوبنا من التعامل مع هذا الجو الخانق.

Tuesday, August 07, 2007

الأوزون.. ومافيا الأدوية

لم تتح لى فرصة الذهاب إلى القارة القطبية الجنوبية، كى أرى السماء من ثقب الأوزون القابع هناك بمساحة آلاف الكيلومترات المربعة، ذلك بأننى لست مغامرا إلى هذه الدرجة، فالجلوس تحت سقف سماء بدون أوزون يعرض الجلد للأشعة فوق البنفسجية، يتشوه الجلد وتزداد التجاعيد، على كل حال فالأوزون ليس بعيدا عن أهلنا فى مصر، انه يتولد من تأثير موجات البحر المالح على هواء الشواطئ وتنتشر رائحته النفاذة تصيب بعض الناس بتهيج يصيب الشعب الهوائية.

فى صالون أدبى معروف، يرتاده كثير من المهتمين بأمور الفكر والأدب والثقافة، جمعتنا جلسات لمناقشة بعض مشاكل الطب والعلاج فى بلادنا، حاورنا الأستاذ الدكتور نبيل موصوف، أستاذ علاج الألم بمعهد الأورام التابع لجامعة القاهرة، ولأن الرجل صاحب أبحاث طبية كثيرة عن علاج الألم واستخدامات الأوزون فى الطب، طارت حولى كثير من المصطلحات الطبية، ولأنى لا اعرف فى توصيف الأمراض غير الصداع والهفتان والوجه الأصفر وألم الجنب والدوخة، كما لا أعرف من أدوية العلاج غير العسل الأسود، وجوز الطيب وحبة البركة ومرق الدجاج بالليمون، وشوربة العدس مع البصل، وزم الصدر بأوراق الجرائد القديمة، والأسبرين وزجاجات المياه الغازية، واعترافا منى بضعف خبراتى طلبت من الدكتور موصوف أن يلخص لنا أحوال مرض معروف يرى له علاجا بالأوزون، وأن يكون التلخيص من الآخر.

حاضرنا الدكتور موصوف عن أحوالنا الطبية، فوصلتنى بعض المعلومات عن استخدام الأوزون فى علاج أمراض التهاب الكبد والقلب والمبيض وعلاج التجاعيد والربو، بعض هذه الأمراض منتشر فى بلادنا فالتهاب الكبد الفيروسى مرض وبائى منتشر فى مصر بنسبة كبيرة قد تصل إلى ثمانية عشرة فى المئة من السكان، وهذا المرض هو ميراثنا من البلهارسيا التى عاشرتنا منذ القدم، ووجدت ديدانها فى بعض مومياوات أجدادنا الفراعنة.

يقول الدكتور موصوف، أن مرض التهاب الكبد الفيروسى يمكن علاجه باستخدام حقن يصل ثمن الواحدة إلى ثلاثمائة جنية، وتصل أجمالى تكاليف العلاج بهذه الحقن إلى ستين ألف جنيه لكل مريض خلال فترة سنه، وبنسبة نجاح تصل إلى ثلاثة وعشرين فى المئة من الخاضعين للعلاج، مع بقاء آثار جانبية يعانى منها المريض، أما استخدام الأوزون لعلاج لنفس المرض، فان تكاليف العلاج تصل إلى ستة آلاف جنيه فقط لكل مريض خلال فترة سنه، وبنسبة نجاح تزيد عن ثمانين فى المئة من الخاضعين للعلاج، دون أن يترك الأوزون أية أثار جانبية على المريض، معنى الكلام أن للمرضى بالتهاب الكبد فرصة علاج بالأوزون أكثر أمنا، وبتكلفة تقل نسبتها عن واحد إلى عشر مرة من تكاليف العلاج التقليدى بالحقن.

فى نهاية القرن الماضى وبالتحديد فى عام تسعة وتسعين منه، وافقت لجان علمية متخصصة على استخدام الأوزون كوسيلة مساعدة فى العلاج، ووافقت على استيراد الأجهزة الطبية المطلوبة، إلا أن عوائق كثيرة فى بلادنا تحول دون الاستفادة الجادة من طرق العلاج المقترحة.

قد تكون عوائق استخدام الأوزون كعلاج راجعة لتأخر نتائج الدراسات العلمية الضرورية لتقرير الصلاحية الفنية، وقد تكون العوائق راجعة إلى سطوة مافيا شركات أدوية تسعى لترويج نوع معين من العلاج قاصدة مص دماء المرضى فى الدول الفقيرة وإبقائهم حقلا للتجارب، وقد تكون المسألة راجعة لسطوة راس المال فى المستشفيات الخاصة فلا يقبل استخدام طرق جديدة تخفض أرباحه الكثيرة، وقد يكون الأمر راجعا لبيروقراطية حكومية تقصف رقاب كل تقدم.

مهما كانت العوائق فأحوالنا الصحية وظروفنا الاقتصادية تتطلب جرأة علمية وثورة إدارية لوضع طرق العلاج المستحدثة فى دائرة الضوء العام، نعرف المزايا والعيوب فلا يتاجر احد بفقرنا أو جهلنا أو مرضنا.

Tuesday, July 31, 2007

!! طلب عمل اضافى

فكرت وبصّرت كثيرا فى أن أجد عملا إضافيا قاصدا التخلص من أحوال اقتصادية سيئة تحيط بى ويعانى منها غالبية أساتذة الجامعة، تصورت أن تخصصى فى علم الإحصاء والرياضيات وحاجة الجميع لمنهج التفكير الرياضى يكفلان لى مجالات متسعة للعمل الإضافى فى معاهد وأكاديميات القطاع الخاص، هكذا فكرت فى المشكلة، التخصص نادر والحاجة إليه شديدة، وبدأت اتبع الطريق العقلى للبحث عن عمل إضافى، أعرض نفسى بوضوح وأحاسب الآخرين بوضوح، ولأن العقل لا مجال له فى كثير من أمور حياتنا باءت محاولاتى بالفشل.
ذات مرة طلب منى زميل أن أقوم معه بالتدريس بأحد الأكاديميات الخاصة، بعد حسبة بسيطة وجدتنى سأحصل على ما يقارب مائتى جنيه شهريا مقابل أعباء التدريس لمدة يوم واحد أسبوعيا، هكذا يكون الأجر الرسمى مقابل عدد ساعات التدريس الفعلية، وهكذا كان وضوح خسارة الحسبة عندى يدعو للرفض فالعائد اقل من التلكفة، وحين رفضت عرض العمل حادثت زميلا أخر خبير فى عمليات الإعارة والتقاط حبات الرزق من فوق الجسور والحوائط، فطوح بيده فى وجهى وقال يا راجل لا ترفس النعمة، الناس تقتل بعضها على لقمة حلوة، ثم ربت على كتفى ونصحنى بضرورة الموافقة على التدريس وبنفس المبلغ المحسوب، وأخبرنى بأن العملية التعليمية فى الكليات والمعاهد فى التعليم الخاص تخضع لقوانين أخرى غير معلنة، شعارها شيّلنى وأشيّلك، إنها قوانين على شاكلة قانون عمل الجرسون فى كازينو أو مقهى بلدى، الجرسون يتم تعينه مقابل أجر زهيد ومتواضع جدا، مئة جنية شهريا مثلا، والجرسون الشاطر يقبل هذا الأجر الزهيد وربما يدفع من جيبه الخاص رشوة لصاحب المحل ليبقيه فى العمل، المهم أن يضع الجرسون قدمه فى المحل ليعيش بعد ذلك على البقشيش وما يتركه الزبائن من فيوضات تتزايد كلما تساهل معهم فى اختراق الأعراف والقيم العامة.
الواقع الحى يقول أن العمل التدريسى فى المعاهد والأكاديميات الخاصة أمر ميسور لمن كانت به خصاصة، على المحتاج أن ينضم إلى قائمة من أساتذة ذات مصالح مشتركة, لهم سماسرة فى القرى والبيوت ودور العبادة ومكاتب الوزارات، أحدهم يقوم بتدريس مقررات نصف تدريس، وآخر يؤلف كتبا ربع تأليف، وثالث يبيع الكتب المقررة بأكثر من ثمن البيع، وعلى الباقين أن يسهلوا عملية الامتحانات والغش والتصحيح وإظهار النتائج الباهرة، ويقتسمون الغنيمة.
كل هذه اللصوصية فى تعليم أولادنا يديرها أصحاب مؤسسات تعليم مشكوك فى قدراتهم العلمية والأخلاقية، أحدهم دبلوم زراعة يملك ويدير معهدا علميا، وأخر حصل بجهد جهيد على دبلوم صنايع واشترى بسهولة شهادة دكتوراه مضروبة من دولة شرقية وأصبح يملك أكاديمية وجامعة، وثالث أقام مبنى فخم جدا على مساحة ضيقة جدا دون معامل ودون ملاعب، مبنى لا يصلح لغير بيع السيراميك والأدوات الصحية، ومع ذلك أصبح المبنى أكاديمية، هكذا دون قدرة علمية أو وازع أخلاقى ينتشر النصابون فى بلادنا، يتاجرون بالعلم ويصنعون فسادا ويهدمون كثيرا من القيم.
ذات مره سألت أحد المديرين عن فرصة للتدريس فى معهده، قابلنى المدير بترحاب وحين تأكد أننى خارج دائرة مصالحه الخلفية تهرب من إجابة طلبى، أتحفنى بقهوة وشاى ودعوة على الغداء مع توصيل لائق لشخصى قاصدا أن يتخلص منى باعتبارى مصدرا للقلق، عند باب الخروج أخبرنى انه ليس سيئا إلى الحد الذى أتصوره، أقسم بالطلاق مداعبا انه رجل طيب يقوم بخدمة جليلة للمجتمع وللحكومة، يحبس أجساد طلاب ضعاف علميا واجتماعيا فى معهده، ويستهلك أموال لا يحسن قدرها أولياء أمور منافقون، ويشغل الجميع بما يسمونه الدراسة الأكاديمية، الولد الطالب ذاهب للمعهد والبنت الطالبة عائدة من الأكاديمية، فينشغل الطلاب ويستريح الآباء، هكذا يعبر الطلاب سنوات المراهقة وفورة الشباب فى معهده، يعاقرون نجاحا ورسوبا وجلوسا على الكافيتريات والمقاهى المجاورة، وفى النهاية يحصلون على شهادات مضروبة تدليسا، يواجهون الحياة بشباب واهن وعقول ضعيفة، تتلقاهم طوابير البطالة والزواج والعيش على الهامش هنا فى دولة القعاد أو العيش عبيدا هناك فى دول الغربة، هكذا يتم ترويض أعداد هائلة من الشباب فلا يسببون ألما ثقافيا لأولياء أمورهم ولا يسببون صداعا سياسيا للحكومة، هكذا أقنعنى مدير معهد خاص انه يقوم على إدارة مؤسسة مهمتها تربية عجول لا صناعة عقول، واقتنعت أن للنصب ضرورة فى بقاء المجتمعات فاسدة.
بعد هذه الفضفضة والمصارحة بحال التعليم الخاص فى بلادنا أتسائل، لو أنى أحد المسئولين عن معهد علمى خاص من غالبية المعاهد التى ترعاها وزارة التعليم العالى فى مصر، توليت منصبى فى غفلة عن عيون العقلاء، هل اختار من هم على شاكلتى للتدريس فى هذا المعهد؟ الإجابة بالقطع لا، فمثلى لا يصلح للعمل تحت هذا النظام !! ذلك أننى أعرف أن الربح فى التعليم الخاص وفير ويزيد أكثر مع كل تجاوز وإفراط فى الرشاوى والدعاية والاحتيال، فعلا أنا لا أصلح للعمل تحت هذا النظام، أننى لا أعرف فقط بل وأجاهر بالمعرفة أن هذا الربح القاتل سببه أولياء أمور متخلفون ثقافيا يدفعون بطلاب علم ضعاف اجتماعيا إلى مؤسسات ترعاها دولة رخوة سياسيا، وأعلن بشكل إحصائى أن هذه العملية يديرها فى الغالب الأعم أساتذة شطار ولصوص.